English Articles
 

الرئيسة arrow مؤتمر السياسات العامة arrow مالم ينتبه إليه تقييم التنافسية في الجماهيرية
PDF Print E-mail
التجربة الليبية - مؤتمر السياسات العامة
Written by د. فتحي محمد البعجة   
Jun 18, 2007 at 08:19 PM

مركز البحوث والاستشارات

جــــامعــــــة قـــاريــونس

 researchcenter.jpg - 11.82 Kb

conference2policies.jpg - 20.46 Kb 

 garyounisu.jpg - 24.42 Kb

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

جامعة قاريونس ـ بنغازي

(11-13 يونيو 2007)

مالم ينتبه إليه تقييم التنافسية في الجماهيرية !!

د. فتحي محمد البعجة

مقدمة :

 شهد عام 2006 صدور الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية : تقييم التنافسية فى الجماهيرية العربية الليبية National strategy – An Assessment of the competitiveness of the Libyan Arab Jamahiriya   ، وهى دراسة تم إنجازها تحت إشراف وإرشاد مجلس إستشارى دولي " يترأسه الإقتصادى الأمريكي " بروفسور مايكل بورتر Michael Porter  الأستاذ بكلية إدارة الأعمال بجامعة هارفرد (HARVERD UNIVERSITY BUSINESS SCHOOL ) ، وبمساعدة الدكتور دانيال يرجن DR. DANIEL YARGIN   الذي يترأس مجلس إدارة مؤسسة كامبردج لأبحاث الطاقة (سيرا( CAMBRIDGE  ENERGY RESARCH ASSOCIATES - SERA* .

ويتكون التقرير -  بعد صفحات المقدمة - من مائة وثمانين (180) صفحة ، إضافة إلى مائة (100) صفحة أخرى بالتمام ، خصصت لملحق فخم ، وزع إلى : (88) صفحة تضم مؤشراتٍ ورسوم بيانية وتوضيحية ، وجداول إضافية ، وملخصات لطرق وأدوات وأساليب ومناهج متبعة  للمقارنة و التحليل ، وأعمدة ودوائر وأشكال هندسية كثيرة وظفت لشرح وتبيان توزيع مهام وأقسام ومؤسسات مبتكرة ومقترحة للعمل التنموي فى ليبيا ، وباقي الصفحات وزعت لمختصرات الكلمات والمصطلحات والمؤسسات ، ولعرض قائمة مطولة من المراجع المستخدمة فى الدراسة والتي بلغت (251 مرجعاً ) شملت  مقابلات شخصية وكتب عالمية ، ووثائق ليبية ، وقوانين وقرارات وإجراءات وطنية ومعلومات من الشبكة الدولية للمعلومات internet   . وهذا التقرير الذي كلفت تلك المؤسسات بكتابته وصياغته على هذا النحو ، اعتبر  دراسة إعداد إستراتيجية اقتصادية اجتماعية طويلة المدى ، ثم نقل لمجلس التخطيط العام لتبنيه وإقراره .

وهذه الورقة رغم عنوانها الملفت للنظر ، لا تزعم بالتأكيد مناقشة وتفنيد ما جاء بدراسة تقييم التنافسية فى الجماهيرية ، إذ أن مناقشة إستراتيجية اقتصادية –اجتماعية طويلة المدى ، مهمة شاقة تخرج عن إطار مقاصد وغايات هذه الدراسة .  هدف هذه الورقة هو التركيز على الجوانب المهملة أو تلك التي هٌمشت لسبب أو أخر ، لكنها بالطبع أحدثت شرخاً في التحليل المزمع تقديمه للمساهمة فى إصلاح أوضاعٍ متردية أصبحت مثاراً للجدل على مستوياتٍ عدة وفى محافل متنوعة.  وبمثل هذا التركيز فإن هذه الورقة المتواضعة تمارس جزءا من وظيفة تحليل السياسة العامة ،  فهي تسعى إلى إيجاز الوضع القائم فى ليبيا بناءاً على ما قدمه تقييم التنافسية فى الجماهيرية من أرقام ومؤشرات ، لكنها ستتعدى بالطبع عملية سرد وتصفيف الحقائق الاجتماعية ، الاقتصادية ، لترتقي بنا إلى صياغة التساؤلات المشروعة حول بدائل ذاك التقييم ورؤيته ، ومن ثم ، ستصل بنا إلى إبراز الجانب المهمل ، الذي تم تخطيه والالتفاف حوله ، والذي فى المقابل يمثــل لنا جوهر و أولوية التنظير والبحث فى عملية تقويم السياسة العامة فى ليبيا .

ليس غرض هذه الورقة بالطبع المعارضة والتشهير بخطاب يهمه التركيز على سيناريوهات مستقبلية بديلة للواقع  الليبي المتردي بطرق أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تعكس رؤىً وتصورات مدروسة تعتمد على المنظور البرجماتي للتنمية Pragmatic Approach يحاول أن يسعف بلداً مثل ليبيا للخروج من واقع الترهل والتأزم باستخدام نماذج وأساليب أخرى والانتقال بها إلى حالات في بعض تجارب تنموية لبلدان أخرى طمعاً في والانتقال بها إلى حالات الرخاء والازدهار Prosperity كما تردد في صفحات ذاك التقييم قافزة بذلك على معطيات الجغرافيا والثقافة والسياسة وبيئة النظام.

ليس ذاك بالطبع هو غرض هذه الورقة ، لكن الدافع والسبب وراء قصد الكتابة فى هذا المحور والتركيز على تقييم التنافسية فى الجماهيرية تحديداً ، هو التأكيد على أن تقويم السياسة العامة فى ليبيا يتعدى مسألة توصيف الوضع القائم ، والحديث عن القطاع الخاص والخصخصة والاستثمار  الأجنبي ودوره ، وخلق صناديق ومؤسسات وبنى للتنمية وتحقيق الازدهار ، يتعدى كل ذلك ، ليقرع باب السياسة مباشرة ، وليؤكد صراحة أن الأولوية فى المسألة التنموية تنبع من قلب العامل السياسي ، وأنه بدون الخوض في المسائل المتعلقة بالبناء السياسي لا يصعب فهم طبيعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المترهلة فحسب ، بل يصبح من شبه المستحيل معالجتها وتصحيحها وتطويرها وتحديثها وإصلاحها.

دور هذه الورقة إذن الحديث عن ضلع التنمية الثالث ( المفقود ) فى إستراتيجية ( بورتر وييرجن ) فنجاح التنمية والانطلاق نحو الازدهار يتطلب تكامل وترابط وتفعيل أدوار المكونات الثلاثة " الحكم الرشيد " أو الحكمانية " القطاع العام(public sector) الممثل فى مؤسسات الدولة ونشاطاتها الحكومية ، والقطاع (private sector)الخاص الممثل فى المؤسسات الربحية ومبادرات النشاطات الفردية  والمجتمع المدني  ( civil Society ) الممثل فى المؤسسات والجماعات الأهلية الطوعية المستقلة ، لذلك فأن هدف هذه الورقة يتمحور حول محاولة تقديم إجابة للسؤال المتعلق بكيفية الخروج بحل مقنع لتأزم الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية والثقافية وتعثر التجربة التنموية فى ليبيا ضمن ما تحاول أن تقدمه دراسات أخرى من إجابات. هذا الهدف يعطي لهذه الدراسة أهميتها الخاصة إذ أنها تتناول قضية عصرية وضرورية وملحة تساهم مع غيرها من الدراسات فى تنمية الوعي بأهمية التركيز على مخرجات النظم السياسية outputs من نشاطات وأفعال وقرارات  والتمعن والنظر فى المؤشرات والمعايير والآثار والأرقام والنواتج outcomes  بغرض القيام بعملية تحديث وتجديد وتطوير وإصلاح لكل ما هو بالٍ وتقليدي ومتخبط ومتعثر ، وفى المقابل التوجه نحو اختراق الموانع والسدود الإيديولوجية التي تقف فى وجه التغيير.

ليست مهمة هذه الورقة باختصار تقديم دراسة استشرافية تستند على خرائط وبيانات ورسومات كتلك التي تعج بها المؤسسات  الاستشارية الكبرى ولا مهمتها أيضا رسم عالم وردي جميل ومنمق وأنيق ينتظرنا عام 2019 أنها دراسة بسيطة ، غير مركبة تقول  فى مقدمتها ووسطها وأخرتها كيف يمكن إصلاح المسار التنموي الليبي الذي تعثر ووصل إلى درجات الاحتقان والاختناق والفشل ، بدون التطرق للعنصر السياسي المفقود فى دراسة التنافسية فى الجماهيرية ؟؟؟ كيف يمكن الحديث عن معالجة اقتصاد وطني متأزم ، ووضع اجتماعي متردي ، ومشهد ثقافي بائس ، يتفادى نقاش معطيات وأوضاع وأبعاد ومركبات البيئة السياسية ومتطلبات تغيرها  ؟؟؟  .

 أولا : التجربة التنموية الليبية فى ظل أرقام ومؤشرات تقـــــييم بورتر وييرغن :

إن الدراسة الاستشرافية التي حملت عنوان تقييم التنافسية فى الجماهيرية بما قدمته فى شقها الأول من مشاهد مضيئة لليبيا عام ( 2019 ) وهو العام الذي يمثل الذكرى الخمسين للثورة ، وبما قدمته فى شقيها الثالث والرابع من برامج وسياسات مستقبلية وخطوات فورية يلزم على ليبيا الاضطلاع بها وتطبيقها لسد الفجوة بين تطلعاتها ووضعها القائم ، أن كل ما قدمته فى تلك الأقسام لا يهم دراستنا هذه بالقدر الكبير ، فما يهمها تحديداً هو الإيجابية التي أتى بها الشق الثاني من تلك الدراسة والتي تتمحور حول غزارة المؤشرات والمعدلات والأرقام التي تبرهن صراحة على تعثر وترهل التجربة التنموية الليبية على امتداد العقود الثلاثة السابقة، إذ لم نقل إخفاقها ، ولهذا السبب فإن مدخل هذه الورقة سيستند أساساً على تقديم عرضٍ موجزٍ لنواتج هذه التجربة بالنظر إلى ما قدمته لنا تلك الدراسة من فقرات وأرقام لا تتيح أي مجالٍ للشك حول تعثر التنمية فى ليبيا وإخفاق الكثير من مساراتها فماذا تقول أرقام ومؤشرات تقييم التنافسية فى ليبيا .

يشارك الاقتصاد الليبي خصائص أغلب اقتصاديات البلدان النامية رغم عظمة عوائد الثروة النفطية ، وقلة عدد السكان نسبياً ، فاقتصادنا صغير الحجم نسبيا، منكشف على الخارج ، معتمد على موردٍ طبيعيي ناضب ، ويفتقر إلى العمالة الماهرة والإدارة المستقرة ، والتخطيط الحكيم.

1.      يعتمد الاقتصاد الليبي على النفط كمصدر للدخل والصرف الأجنبي وتشكل الصادرات النفطية أكثر من 95 % من إجمالي الصادرات الليبية ، ولذا أصبح هذا المورد هو المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية ، ويساهم قطاع النفط والغاز الطبيعي بما يقرب من ثلثي 3/2 الناتج المحلي الإجمالي وتحديداً بـ ( 64.4 %) ورغم القيمة العالمية لهذا القطاع ، فهو قطاع منخفض التوظيف بالنسبة للعمالة ، إذ لا يقدم فرص توظيف إلا لـ 3 % فقط من القوى العاملة الليبية ( التقييم 34 ، 35 ).

2.      إن ما يعرف بدرجة الانكشاف الاقتصادي عالية جداً بالنسبة لاقتصادنا الوطني ، فليبيا بلا حرج تعتمد اعتماداً شبه كلي على الخارج ، فتستورد تقريباً كل شئ , ورقمياً تستورد ليبيا أكثر من 70% من احتياجاتها من الخارج  .

3.      رغم الأموال الطائلة التى ضختها الميزانيات التنويه المتعاقبة فى قطاعي الصناعة والزراعة  ورغم استحواذ هذين القطاعين على نسبة تزيد على 30% من إجمالي الاتفاق التنموي الليبي حتى عام 2004 إلا أن كل الوقائع والمؤشرات والحقائق تقول أن ليبيا ليست بلداً صناعياً ولا هي أيضاً بلداً زراعياً . فالصناعة وصفها التقييم بأنها قطاع معاق handicapped Sector فتسيطر عليها الدولة بإدارة صناعية متدنية للغاية ، ويغيب عنها الدعم الدولي والتقني ، كما تغيب عنها الخبرة والعمالة الماهرة ، وتنقصها المنافسة وكثيراً ما تعتمد على مواد خام قادمة من الخارج وجزء أكبر منها تجميعي وتركيبي ، وشقاً بسيطاً منها تحويلي ذو خبرة بسيطة وجودة متدنية ووعياً عمالياً وتوظيفاً متدني . وكانت نتيجة تجارب صناعية عدة الإغلاق والإفلاس بسبب الفساد المالي والإداري وسوء الإدارة وغياب شروط المنافسة والتسويـق ( التقييم 53 ) ولكل لذلك فمساهمة القطاع الصناعي فى الناتج المحلي الإجمالي عام 2004 بلغ   ( 1.9% ) فقط . أما الزراعة ، فإن 4% فقط من ساحة الأراضي الليبية التى تفوق مساحة فرنسا ثلاثة مرات هي أراضي قابلة للزراعة ، وما مسها من مشاريع زراعية هو أقل من 2% فقط أو نحو 2.2 مليون هكتار ، وكانت مساهمتها فى الناتج المحلي الإجمالي نجو 3.6% فقط عام 2004 . ولم يوظف هذا القطاع سوى ما يقل عن 8% من مجموع القوى العاملة الليبية.  ( التقييم 215.214.90.89 ).

4.      أن الإنتاجية عموماً، خارج القطاع النفطي متدنية للغاية ، ويستوعب القطاع العام أغلبية العمالة الليبية  الرسمية . إن القطاعات غير النفطية تساهم بما يقرب من 40% من الناتج المحلي الإجمالي وتحديداً 36.6% وفى الوقت ذاته توظف تلك القطاعات ما يقدر بـــ 97% من القوى العاملة الرسمية بإنتاجية متدنية للغاية. فإذا كانت مساهمة الزراعة فى الناتج المحلي الإجمالي 3.6% ، والصناعة 1.9% فقط ، فإن قطاع الخدمات العامة بما في ذلك قطاعي التعليم والصحة تساهم فى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 9% ووصلت هذه المساهمة قمتها عام 2004 بـ 10.6% فقط فى الوقت الذي وظفا فيه  تلكما القطاعين نحو 51% من مجمل القوى العاملة في ليبيا . أما قطاع البناء والتشييد فيساهم هو الآخر بنسبة متواضعة جداً فى الناتج المحلي الإجمالي وصلت فى أقصاها إلى 3.7% عام 2004 أما قطاع السياحة المهمل فعلياً ، فيساهم فى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3% فقط ، ويوظف 4% فقط من القوى العاملة الليبية ( التقييم 215.214.30.37 ) ورغم ما ذكر فى لسابق بأن 3 مليار دينار ليبي قد خصصت للنهوض بهذا القطاع ، فلا يزيد عدد السواح الوافدين إلى ليبيا عن 1% من السواح القادمين لمنطقة الشرق وشمال أفريقيا ، ومعظمهم من رجال الأعمال المتهمين بصناعة النفط الأوسط ( التقييم 85.84.83 (  .

 إن الذي تدهشه الأرقام السابقة ، ستزيده الأرقام والمعدلات والنسب القادمة حسرة وألم .فتقييم التنافسية يؤكد أن الثراء العالي لليبيا الذي يقدر دخلها السنوي بـ 40 مليار دولار ، ( وهذا الرقم بالطبع فى تزايد ملحوظ ) لم يتحول إلى إنتاجية عالية فى الاقتصاد فلا تزال إنتاجية العمال خارج قطاع النفط والغاز منخفضة بصورة ملحوظة كما أسلفنا ، ولازالت الأرقام الرسمية تقول أن البطالة تراوحت فى الأعوام الأخيرة بين 20% إلى 30% من مجمل القوى العاملة وأن مدينة مثل بنغازي وحدها بها 150 ألف باحث عن عمل !!! ( التقييم 38.37 ) وأن هذا الاقتصاد واقعياً أصبح منقسماً إلى قطاعين :-

أ-قطاع منخفض التوظيف ، ورغم قيمته العالية ، فالنفط الذي رأينا أنه يمثل 64.4% من الناتج المحلي الإجمالي ، لا يقدم فرص توظيف سوي لـ 3% من القوي العاملة ( التقييم 35.34 )

ب-وقطاع مرتفع التوظيف بشكل ملفت للنظر ( القطاع غير النفطي والذي يهمين عليه ويديره كذلك القطاع العام ) بما في ذلك الزراعة والصناعة والخدمات من تعليم وصحة .....الخ لكنه قطاع فى الوقت ذاتـه قليل القيمة فعلياً إذ يساهــــم بــ 34.6 %  من الناتج المحلي الإجمالي ، ويوظف فى المقابل تقريباً أغلب القوى العاملة 97% و هؤلاء العاملين يرزحون  تحت وطأه قانون غير عادل  للمرتبات ، وفى الغالب يتحصلون على أجور متدنية ، وكثيراً منهم يعمل بعقود مؤقتة وغير منظمة وما يتحصلون عليه لا يسد حاجاتهم فى الغالب ، ويأتيهم بشكل غير منتظم كذلك وتوج الأمر أخيراً بإعلان رسمي عن وجود ما يقرب من مليون ليبي فقير فى بلد وصل دخله اليوم ما يفوق الخمسين مليون دولار ( التقييم 215.214 (.

القطاع الخاص الذي أمم لفترة طويلة من الزمن يتقدم الآن بحذر واضح فى خوض غمار الاستثمار  وتنشيط بعض القطاعات الاقتصادية لكن معظم مؤسسات هذا القطاع تعمل خارج الاقتصاد الرسمي المسجل ( الاقتصاد الموازي ) ، ورغم ذلك فتلك المؤسسات تشكل بين 40.30% من أجمالي الناتج المحلي . وعموم القول هنا ، أن المقدرة على جذب  الاستثمارات الأجنبية محدودة للغاية ، وأن نحو 80 % من رؤوس الأحوال الأجنبية مهتمه فقط بالقطاع النفطي ، وأن  المقدرة على المنافسة فى الأسواق الأجنبية تكاد أن لا تذكر ، فالمنتجات الليبية القليلة جداً لازالت غير قادرة أصلا على الدخول فى الأسواق الأجنبية ، إذ أن الأمر يحتاج إلي جودة عالية ، ومواصفات ومعايير دولية لازمة لدخول هذه الأسواق    ( التقييم 64 ، 65 ).

ليست أرقام بورتر وييرجن  المستندة على تقارير دولية ووطنية ، تعكس خيبة الأمل فى تركيب وصياغة وتخطيط وأداء الاقتصاد الوطني الليبي فحسب ، بل يزداد الأمر هما عندما تتفحص الجانب الاجتماعي والإداري ، رقيما كذلك.

1)      نقلا عن تقرير التنافسية العالمية 2005 – 2006 ( Competitiveness Report Global ) فأن وضع ليبيا من ( 111 دولة ) فيما يتعلق بمستويات ومعدلات التعليم على النحو الأتي:-

-ليبيا تحتل مركز 111 أي الأخير فى نوعية أدارة المدارس.

-ورقم 110 فى نظم التعليم.

-ورقم 111 فى نوعية معاهد ومـــدارس الإدارة .

-ورقم 97 فى الإعدادات البحثية فى الجامعات.

-ورقم 87 فى نوعية تعليم الرياضيات والعلـــوم.

-ورقم 84 فى نوعية مؤسسات البحث العلمــــي.

-ورقم 84 كذلك فى نوعية المدارس العامـــة .

-ورقم 75 فى توافر المهندسين والعلمــاء.

-وكل ذلك بالطبع جعل ليبيا تحتل المرتبة الأخيرة بدون منازع فى الابتكار والاختراع (111) ( التقييم 62 (.

هذه الأرقام بالطبع تشير إلي مدي العطب الذي أصاب نظام التعليم فى ليبيا وقطعا أن سبب افتقار الجودة فى هذا البناء يرجع لمشاكل هيكلية متعلقة برسم السياسة العامة للتعليم واستقرار هياكلها وقواعدها إلي جانب انخفاض جودة المواد الدراسية ، الرداءة فى صياغة المناهج ، والعطب فى أعداد وتوفير المعلمين ، وغياب أهداف ومعايير موثوق بها متعلقة بمستويات الانجاز والشهادات الممنوحة ، وغياب جهاز مركزي للتخطيط العام لهذا النظام ومراقبته ، وانخفاض المخصصات فى موارده العامة ، وعدم خضوع عملية صناعة القرار وتحديد وتخصيص أوجه الصرف والإنفاق لأشراف مركزي.

2-التقييم كذلك يشير إلي انخفاض الرعاية الصحية ، ولذلك فأن الليبين القادرين فقط يسعون للعلاج من خلال القطاع الخاص أو الرحيل خارج البلاد لضمان الشفاء ، أما غير المقتدرين وسكان الدواخل فتعج بهم مستشفيات قديمة هرمة ورثة تفتقر تقريبا لكل شئ والمتمعن فى القطاع الصحي يظهر له جليا افتقار نظام الصحة العامة فى ليبيا للثقة من قبل المواطنين بسبب مستوى الجودة المتدني للخدمة الصحيحة ، وعدم توافر أطباء متخصصين ، وانخفاض جودة رعاية التمريض بدون شك أن اهتراء النظام الصحي يرجع لعوامل عدة منها انخفاض الأجور الممنوحة للعاملين فى الرعاية الصحية بالقطاع العام وغياب الحافز ، وهجرة أعداد من الأطباء والمتخصصين ، وقلة الأطباء والمتخصصين فى الأماكن الريفية والدواخل ، والمشاكل المتعلقة أساسا بالتعليم الطبي الأولي والمستمر ، والافتقار للوصول للتكنولوجيا الطبية لا سيما خارج المدن الرئيسية ، ويضاف لكل ذلك أن مخصصات الموارد العامة فى قطاع الرعاية الصحية غير كافية بسبب عدم مركزية القرارات وعدم أداء الشعبيات لدورها بكفاءة فى هذا المجال.

فليبيا تنفق من إجمالي ناتجها المحلي GDP على الصحة ما مقداره 3.3% فقط . ولذلك تؤكد الإحصاءات أن ما يصرف على الفرد الواحد سنوياً فى مجال الرعاية الصحية لا يتجاوز الـــ 222 دولار امريكى بالمقارنة مع تصرفه مثلاً الولايات المتحدة 5.274 دولار  على الشخص الواحد ، وما تصرفه السويد 2.512 على الفرد فى هذا المضمار وما تنفقه سنغافوره 1.105 دولار ( التقييم 111 ) .

-وأرقام دولية ومحلية أخري تقول أن فى ليبيا 13 طبيب و48 ممرضة و34 سرير لكل 10.000 مواطن . والملفت للنظر هو توزيع هذا الرقم على المدن الليبية بشكل غير مناسب ،ففي إجدابيا 6.3 طبيب لكل 10.000شخص أما فى بنغازي 285 طبيب لكل 10.000 شخص وفى مصراته 19.4 ممرضة لكل 10.000 شخص مقابل 275.8 ممرضة لكل 10.000 شخص فى غات                     ( التقييم 110 )

ومن الملاحظ على النظام الصحي الليبي كذلك قلة الاتفاق على الأطباء العاملين فى القطاع العام ، وقلة الأنفاق عن  تعليم الأخصائيين والأطباء ومساعدتهم والممرضات والفنيين الطبيين ، وقلة الإنفاق على تجديد وتطوير التجهيزات الطبية وجلب الأدوية المشكوك فيها ، وهذه العلاقات السيئة يصاحبها ازدياد حالات الأمراض القلبية والسرطان والسكري وغيرها من الأمراض غير المعدية ، إضافة لتعرض الليبيين للمخاطر البيئية والسلوكيــة ، فعلي سبيل المثال تــؤدى حوادث الطرق إلى قتل ثلاثة إضعاف المتوسط بالنسبة للفرد فى منطقة الشــرق الأوسط وشمال أفريقيا ( التقييم 110-111 ( .

ورغم الأموال المهدرة فى مجالات كثيرة ، لازال الوصول إلى المياه والصرف الصحي ، يمثل مشكلة عميقة بالنسبة لليبيين ، وهناك تقارير تتحدث عن زيادة ملحوظة فى مرض نقص المناعة المكتسبة (( الايدز )) وكذلك السل .

تقييم التنافسية يركز كذلك وبين بجلاء اهتراء البنية التحتية الأساسية فى ليبيا وبالأرقام والنسب كذلك .

فمن بين 111 دولة تحتل ليبيا فى تشييد وجودة البنية التحتية عموماً مرتبة 104 أي قبل الأخير بسبعة مراتب.

وتحتل رقم 103 فى مجال البنية التحتية للنقل الجوي من 111 دولة كذلك

ورقم 88 بالنسبة للبنية التحتية للمواني.

وتحتل الرقم ما قبل الأخير ( 110 ) بالنسبة للبنية التحتية للاتصالات .

وتحتل الرقم ما قبل الأخير كذلك ( 110 ) بالنسبة لنوعية وجودة خدمات الهاتف والبريد المصور (فاكس ).

وتحتل ليبيا مركز ثاني أقل مستوي فى شمال أفريقيا عام 2003 فيما يتعلق باستخدام خطوط الهواتف الثابتة " والانترنيت " شبكة المعلومات الدولية .

ورغم أن استخدام الهواتف النقالة واسعة الانتشار اليوم فى ليبيا وتضاهي الاستخدام فى مصر والجزائر ، ألا  أن مستوي جودة الاتصال وسلامة الخطوط تضع ليبيا فى مرتبة بعد تونس والمغرب .

أما فيما يتعلق بنوعية إمدادات الكهرباء فتقع ليبيا فى الترتيب 75 ( التقييم 50-53 )

وفى الواقع لازال التيار الكهربائي ينقطع على المدن الكبرى فى أوقات مختلفة  ، كما تعاني بعض المناطق فى الدواخل من الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي ( التقييم : 97.96.76 )

والأكثر من كل ذلك فيما يتعلق بالاتصالات، أن ليبيا اليوم "لا تمتلك بريد " Post offices  فيبدو أن ليس ثمة حاجة للمراسلات الرسمية وغير الرسمية بين المؤسسات والأشخاص.

و فى مجال بيئة الأعمال ، ونشاط الأموال والإدارة والبناء البيروقراطي فالصورة كارثية كذلك .

ففي تنافسية الأعمال تحتل ليبيا المرتبة ماقبل الأخيرة (110) من (111 دولة ).

وفي بيئة الأعمال تحتل مرتبة( 110)

وفى مركبات الأسواق المالية وتوفير احتياجاتها تحتل المركز الأخير (111) .

وفى التسهيلات  البنكية ( المصرفية ) للحصول على قروض تحتل رقم 98.

وفى إستراتيجية وعمليات الشركات عموماً ، تحتل رقم 107 من 111 دولة .

ومن بين 204 دولة فيما يتعلق بالخدمات والإجراءات والمعاملات والتحويلات البنكية تأتي ليبيا فى اسفل المنحنى البيانى ، فهى افضل من الصومال التى تشهد حرباً أهلية دامية على امتداد عقود والتي تحتل أسفل المنحنى ، لكن ليبيا تظل أسوء من  نيجريا ومصر والمغرب والجزائر وتونس وكازاخستان .

ورغم قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 169 لعام 2005 بتحديد  مدة  البدء فى تسجيل إنشاء شركة إلى نهاية الأجراء فى هذا الشأن بفترة لا تتجاوز العشرة أيام (10) كحد أقصى إلا أن المؤشرات الدولية والمحلية تشير إلى أن ليبيا تأتي فى الترتيب الأخير بعد السعودية .فإجراء تسجيل شركة فى ليبيا يستغرق مائة (100) يوم تقريباً .

وفى ليبيا إجراءات بيروقراطية وروتينية مفرطة فى التلكؤ والبطء والتعقيد وثمة عدم استقرار هيكلي ووظيفي وإداري وتشريعي يعوق صناعة القرارات  وتنفيذها وأداء وإنجاز العمل عموماً . وبات معروفاً ان المؤسسات المملوكة للدولة بنقصها الكفاءة ، وهى كذلك إلى جانب الروتين والرتابة والتعقيد وبؤس الأداء ، غير عادلة فى منح العقود، فكثيراً ما تستند تلك العقود على أسس العلاقات الشخصية  والمحسوبية وليس على أسس الشفافية والنزاهة . ( التقييم 44، 46، 47، 50، 56، 59 ).

وأخيراً ، وفيما يتعلق بنواتج سياسات التنظيم والضبط الاجتماعي والسياسي فإن استقلال القضاء الليبي  وللأسف بناءاً على تقرير التنافسية الدولية يحتل رقم 75 ، أما الاعتماد على خدمات الشرطة فتحتل رقم (80) وأما كفاءة النظام القانوني ككل فليبيا تحتل رقم 75من 111 دولة ( التقييم ، 50) .

هذه هى خلاصة  نواتج التجربة التنموية الليبية على امتداد أكثر من ثلاثة عقود كما أبرزها تقييم التنافسية فى الجماهيرية مستنداً على مائتي وثيقة ومصدر دولي ومحلى . وكما اشرنا سالفاً ومنذ البداية ليس مهمة ورقة مقدمة  إلى مؤتمر وطني للسياسة العامة العودة للحديث عن مدخلات النظام الليبي INPUTS  والتمعن فى مطالب البيئة  المحلية والإقليمية والدولية ودراسة أسس ودعائم هذا النظام . فالمهمة الآن ، وبعد عرض تلك النواتج القاسية والمريبة والكارثية إلى حد بعيد ، وهى المساهمة فى البحث عن مخرج من  هذه الورطة التاريخية المخيفة . فبعد الشكر  للسيدين بورتر وييرجن  على صراحة وشفافية لغة الأرقام المستخدمة بشكل مهذب ، والتي قدمت لنا " الرسالة " بدون تستر أو مواراة ، وقالت لنا علناً ومباشرة أننا وصلنا بحمد الله للجلوس في المقاعد الأخيرة في قاطرة التنمية والتقدم وبعد هذا الوضوح يبقى علينا دون عناد ، أن نعترف بأن الإصلاح والتطوير والتحديث هي أمور تمليها مصلحة الوطن قبل أي شئ آخر ، أمور تمليها ضرورات الخروج من واقع التأزم الذي أوضحته كل تلك النواتج ، ولم تمليه أي قوة خارجية أو جهة أجنبية . وكما يبقى علينا ، وهذه هي مهمة هذه الورقة الأساسية ، المساهمة معاً في رسم  أفاق ودروب التحديث والتطوير والإصلاح ، وتحديد أساليبه بطرق علمية وموضوعية تبتعد عن التعنت وتتمسك بالشفافية والصدق .

علينا أن نضع خارطة للطريق بأجندة وطنية من أجل ليبيا المتمسكة بسياسات عامة رشيدة ونزيهة وحكيمة . وهذه إحدى اللبنات في هذا الاتجاه التي لم يتطرق إليها تقييم التنافسية في الجماهيرية ، ففي اعتقاد هذه الورقة أنه لا أصلاح ولا تطوير  ولا تحديث ولا حتى إمكانية للخروج من مأزق تلك التنمية المشوهة والمعوجة بدون العامل السياسي وتحديداً بدون تبنى سياسات الحكمانية والتمكين .

ثانياً: الحكمانية وسياسات التمكين

الحكمانية :

النظام الصالح ، الحكومة الرشيدة والحكومة الجيدة ، كلها مفردات شاع استخدامها في أدبيات التنمية وفى كتابات السياسة العامة خصوصاً منذ نهاية الثمانينات ومطلع تسعينات القرن العشرين ، للإشارة إلى ما ترجم اخبرا عن الإنجليزية بالحكمانية GOVERNANCE  ويمكن القول ان كل تلك المفردات تحمل مدلول واحد يشير إلى توافر عناصر متظافرة ومترابطة تعمل بشكل مشترك لتسيير وضمان  خيار تنموي متزن ، ومسار اقتصادي قادر بكفاءة على إدارة الموارد ، ونظام اجتماعي سياسي مستند على قواعد الشرعية والاستقرار  ويحقق مطالب  الديمقراطية وحقوق الإنسان .

وكانت بعض الكتابات فى البحث  عن معنى وترجمة للكلمة ، قد  ذهبت لأعماق التاريخ لتجد ما يسند منطقها . فلدى البعض ان "الحكم الصالح " وجد فى الدول الإسلامية القديمة واستخدم اللفظ مباشرة للدلالة على تسيير أمور المسلمين بالتي هي أحسن ، " وبالموعظة الحسنة " ، بل مصطلح الرشيد أضيف لكلمة الخليفة ، ليدل على ان الحكم راشد وعقلاني وحكيم ، فهكذا  جاء مصطلح الخلفاء الراشدين وبعض الكتابات تشير إلى أن اصطلاح الحكم والحكومة الرشيدة او الجيدة GOOD GOVERNMENT ، شاع استخدامه في فرنسا في القرن الثالث عشر (13) كمرادف لكلمة حكومة ، ثم عاد للاستخدام فى فرنسا مرة أخرى ومعها بعض البلدان الأوربية والولايات المتحدة فى منتصف السبعينات من القرن العشرين ليعبر عن التعامل مع تكاليف التسيير  ثم ارتبط بشكل مباشر بالعبارة الشهيرة التى استخدمها صندوق النقد الدولي IMF : " إعادة هيكلية الاقتصادات الوطنية " ، باعتبار ان هذا الشرط يتطلب حكومة صالحة وعاقلة ورشيدة تمتلك الكفاءة والشفافية ، لكي تصلح من أوضاعها الاقتصادية وفاعلية إدارة الموارد واستقرار البيئة التنظيمية لنشاطات القطاع الخاص ( رزيق -2005 ، ص .11).

وبدأ المصطلح يتداول منذ ذاك الحين فى أدبيات وبيانات المنظمات والوكالات الدولية والاقتصادية والمالية المتخصصة . فاستخدم البنك الدولي لفظ GOOD GOVERNMENT الحكومة الجيدة  والتي أراد الإشارة بها إلى ذاك النظام السياسي الذي تتوافر فيه قدرة حكومية على استخدام الموارد وممارسة السياسة بالتخطيط والتنفيذ العقلاني  ( رزيق ، 2005 ، ص .12 ، والكايد ، 2003 ، ص .7)

وكان الإتحاد الأوربي EU   الذي استخدم لفظ الحكم الصالح والرشيدً فى إعلاناته ووثائقه ، قد أصر في إبرام اتفاقياته مع البلدان المتخلفة بإتباع الحكم الصالح المستند على الإدارة المتمكنة ، والشفافية وخضوع أجهزة الدولة  للمحاسبة فى بيئة ومؤسساتية تخدم حقوق الإنسان  ومبادئ الديمقراطية  الليبرالية وحكم القانون وركزت منظمة التعاون والتنمية OCDE استكمالا لما سلف على شرعية النظم ومحاسبة مسؤولى الدولة واحترام القانون وحقوق الإنسان وفى نفس المسار ركزت منظمة الأمن والتعاون في أوربا على بعدى تعزيز المؤسسات الديمقراطية وتشجيع عملها، والتمسك بظاهرة التسامح فى المجتمع ككل(رزيق- 2005- ص 2/ وشعراوى -2001 ، ص 9 ، والكايد ، 2003، ص 7).

ومهما تعددت الرؤى والترجمات والاستنباطات التاريخية لأصول الكلمة ومدلولاتها وبدون الضياع وسط أكوام التعريفات الأكاديمية والعلمية لهذا المصطلح ، يمكننا ان نعتبر ببساطة ان الحكمانية GOVERNANCE هي عبارة عن خليط مركب لأربع مفردات : "الحكم والحكمة والعدل والعلم " ، فالحكمانية باختصار : " حكم بحكمة وعدل واستخدام للعلم والمعرفة " ولذلك لا تفهم الحكمانية كمرادف للفظ (حكومة ) أو ( الهيئة الحاكمة  - السلطة السياسية للدولة )، ولا تفهم كذلك بأنها نوعاً أو شكلاً من أشكال الحكم REGIME ، إنها كما تضعها الكتابات المعاصرة ، إدارة لأمور  الدولة والمجتمع بحكمة وعدل وباستخدام المعارف والعلم وما يصاحبه بالطبع من تطور فى أدوات ووسائل التقنية . ( شعراوى ، 2001، ص 7 ، والكايد ، 2003 ، ص9)

لكن لا يجب الوقوف عند هذا الحد  فى فهم مصطلح الحكمانية  :" والحكمانية الجيدة " ، فالمسالة هكذا تصبح مجرد استخدام  عام لمصطلح يتسم " بالتجريد والعمومية " ولكي نعطى للحكم الصالح والرشيد والجيد وللحكمانية معنى عملي يخدم دراستنا هذه ويوضح المقصود والمراد بدون خلط فى المفاهيم ، فالورقة تؤكد أن الحكمانية لايقصد بها إيجاد نظام حكم معين وبديل  للنظم السائدة  الآن ، بل يقصد بها على  وجه الدقة " أتباع منهج تنموي وإداري محدد ، لمعالجة قصور وتعثر وتخبط الإدارات الحكومية تحديداً ( القطاع العام الذي ابتلع المجتمع المدنى ) .

وهذا المنهج يطرح بوضوح أهمية الترابط والتكامل فى الأدوار والتطبيق بين أضلاع مثلث التنمية فى الدولة المعاصرة ونقصد : القطاع العام أو الحكومي ، والقطاع  الخاص الربحي، ومؤسسات المجتمع المدنى . فالحكمانية الجيدة تعنى لهذه الورقة المشاركة والتشارك بين تلك الإضلاع الثلاثة فى إدارة التنمية والمجتمع من ناحية والاستجابة لمطالب المواطنين وطموحاتهم المستقبلية من ناحية أخرى .

وعلى هذا الأساس يمكن إيجاز خطوط إرشادية  يمكن للمركبات الثلاثة السابقة الذكر ان تضعها فى الاعتبار فى رسم السياسات العامة وتنفيذها بالشكل التشاركي الترابطي الذي اشرنا إليه ، حتى تقلل من المخاطر والاختراقات التي تصاحب " ممارسة السلطة عملياً " وحتى تضمن تحقيق نواتج مرضية لعمليات التحديث والتطوير والإصلاح .

1)      خلق وإشاعة بيئة مواتية للمشاركة السياسية الفاعلة لأوسع القطاعات فى المجتمع ، ونقصد المشاركة في صناعة وتنفيذ ومراقبة  القرار السياسي والاستفادة من ثماره .

2)      خلق وإشاعة مناخ ملائم لحماية حقوق الإنسان وإيقاف اختراقاتها .

3)      التمسك باحترام القانون وقواعد العدالة واستقلالية القضاء .

4)      إطلاق المبادرة لتكوين وإعادة تكوين  وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الأهلي ، وضمان حرية واستقلال عمله ، خدمة للحياة العامة وتمكيناً للمواطنين .

5)      تبنى أسس عقلانية ورشيدة واحترافية وحيادية ومدروسة للإدارة الحكومية وإدارة الأموال العامة .

6)      الدفع بأسس اللامركزية ودعم وإطلاق طاقات القطاعات والأقاليم المحلية وتفعيل  وتمكين عمل وقدرات المواطنين في بيئة اجتماعية وسياسية حرة ومواتية .

هذه الخطوط الإرشادية العامة ليست بالطبع موجهة فقط للأجهزة الرسمية فى قطاع دولتنا ، إنها تتطلب تبنى رسمي وشعبي معاً . فالتجربة السابقة أوضحت لنا جلياً بأن سلطة الدولة وحدها وقفت معزولة  وعاجزة للوصول لأغلب مطالب واحتياجات الناس ، وأن الأمور العامة PUBLIC LSSUES لم تعد وظيفة الحكومة وحدها ، فالمجتمع أطياف متنوعة وقوى متعددة  ومصالح مختلفة وكلها تشارك الدولة في الاهتمام بتلك الأمور العامة ، وتطوير وتحديث وإصلاح المجتمع وإدارة التنمية بحكمة  وعدالة ومعرفة وعلم هي مسؤولية أءتلاف كل تلك القوى والأطياف مجتمعة RAINBOW Coalition وعند هذا الحد نستطيع ان نفرد بناءاً على تلك الخطوط الإرشادية مرتكزات الحكمانية التي سيساهم التمعن فيها وتنفيذ تفاصيلها فى خلق سياسيات عامة مقنعة ونافعة ومفيدة لنطور الوطن وتحسين أحوال المواطن ، وهذه المرتكزات تمثل الجانب الأهم فى رسم استراتيجيه تحولية فى ليبيا ، لم يلتفت إليها تقييم التنافسية فى الجماهيرية الذي اعتنى بالشق الاقتصادي  الاجتماعي متخطياً هذا البعد السياسي الذي يمثل لهذه الورقة الأساس الموضوعي والأولوية التاريخية الملحة لأي عملية تطوير وتحديث أو أصلاح :

1)      الفصل بين السلطات الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية ) بشكل يضمن التعاون والتوازن والتداخل المفيد والمقيد بينها ، وفقاً  لصياغة دستور ديمقراطي مدون  ومرهون .

2)      قيام دولة القانون المستندة على الأنصاف وتطبيق العدالة وتحقيق الأمن والاستقرار  والسلم الاجتماعي واحترام حقوق الإنسان .

3)      إطلاق سراح السلطة الرابعة " الصحافة والإعلام الحر والمستقل والفاعل ، فهذه السلطة هى العين الرقابية الصارمة " التي تكتشف الأخطاء والاختراقات وتنتقد الاعوجاج ، وهى " رئة المجتمع " التي تساهم فى تقويم البناء الديمقراطي الشامخ وتدفع بالإيداع والتطوير والتجديد والتنوير

4)      ضمان حرية واستقلالية عمل مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والمنظمات الشعبية والنقابات والروابط واللجان المطلبية ، الطوعية والمستقلة والحرة عبر إلغاء التشريعات والأحكام السياسية والقانونية التى تعيق عملها وانطلاقها  وتكبل تحركها ، وتمنعها من الوصول إلى استهدافاتها  التطويرية والتنموية .

5)      اتخاذ الشفافية منهجاً ومساراً تصحيحاً، والمشاركة الجماعية في تحمل المسؤولية بالمساهمة  في تشيد وتنفيذ سياسات عامة مستندة على أجندة وطنية " للتنمية "

أ-  الفصل بين السلطات والدستور :

لم يعد مجال للشك بأن النظم السياسية المعاصرة تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات SEPARATION OF POWERS   وهذا المبدأ الذى كان بروزه أحد اهم  ثمار الإنسانية فى صراعها ضد الاستبداد والتسلط ، كان ولازال يعنى عدم  تركز وظائف سلطة الدولة الثلاثة ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) فى يد واحدة ، بل كان لابد  من توزيعها على هيئات متعددة  ذات اختصاصات مختلفة .

ولقد كان شارل دى مونتسكيو (1689-1755)  وصاحب المؤلف العظيم " روح القوانين " من أوائل الذين استخدموا  هذا المبدأ كسلاح فى وجه الحكومات المطلقة التي أمسكت بتلك السلطات الثلاثة فى يد واحدة ولذا سعى لإيجاد تنظيم معين للسلطات بما يكفل ضمان الحرية ومنع الاستبداد وكان السبيل لذلك هو ضرورة تقييد السلطة بالسلطة " منعاً لإساءة استخدامها . والمسألة يمكن تلخيصها وفقا للمبدأ الديمقراطي الذي دشنه (مونتسكيو ) بأنه إذا اجتمعت السلطة التنفيذية والتشريعية  فى نفس الأيادي فمعنى ذلك ضياع وفقدان الحرية ، أما اجتماع السلطات الثلاثة فى يد واحدة فيعنى فقدان البشر لأدميتهم ، ذلك أن السلطة هنا تبقى غاشمة خطرة على حياة الناس .

 هذا المبدأ ببساطة يقول أن السلطة  التشريعية مختصة بسن القوانين والتشريعات والتنفيذ من اختصاص السلطة التنفيذية ، والقضاء لاسلطان عليه ، فله الاستقلالية التامة عن السلطتين السابقتين ـ لكنه يقوم بدور الحكم " المراقب " والحسيب وهو الذي يفصل في الخصومات بعين الحاكم  والمحكوم وبين المحكومين أنفسهم وبين السلطتين التنفيذية والتشريعية فى حالة وجود تناقض بينهما أو إشكالية قانونية تتطلب المشورة والتدخل بالقانون .

 وبالطبع مبدأ توزيع السلطات والفصل بينها ليس قانوناً  جامداً وصيغة مقبولة وميكانيكية جامدة ، فتحة توازن بينها فى الشغل والأدوار، وثمة أيضا نوعا من التعاون بينها يحفظ الاستقلالية  ويمنع التسلط والإتباع .

أن مبدأ الفصل بين السلطات لا يحد من الاستبداد فحسب  ، بل يحمى الحقوق والحريات ، ذلك ان ترك السلطة بدون قيود أو تركيزها في هيئة واحدة ، يعنى إفساح المجال تمام الاستبداد ، وهذا عكس توزيعها على هيئات متعددة تراقب كل منها الأخرى بوسائل يحددها ويضبطها القانون

إن هذا المبدأ الذي تمسكت به الشعوب كان يعنى دائماً إضفاء الشرعية على الدولة نفسها باعتبارها تراعي هذا التوزيع وهذا الفصل وهذا التوازن ، كما كان كذلك عنصراً لسحب تلك الشرعية فى حالة الإخلال به وبمضامينه التي تكفل إيقاف الاستبداد فسلطة  الدولة السياسية أو هيئتها الحاكمة باعتبارها ركناً  هاماً من أركان تكوين كيان الدولة ، وباعتبارها أداة للضبط الاجتماعي  والسياسي ، ومؤسسة للقيام  بالأداء  الإستخراجى والتوزيعى والتنظيمي  والرمزي كذلك ، تظل فى الوقت ذاته خاضعة لسلطة القانون وقواعده وأحكامه ، وان ممارساتها عندما تخرج عن هذه  الحدود وتخرقها ، تدفعها لفقدان الثقة ومن ثم الشرعية ( الخزورجي – 2004- ص 252- ص 279).

وفى وقاع الحال أن هذا المبدأ أصبح اليوم ، أساساً لوضع الدساتير  التى تعتبر إحدى دعائم وأعمدة النظم السياسية الحديثة فالدستور CONSTITUTION سواء كان مكتوب ومدون فى وثيقة واحدة ، أو عبارة عن مجموعة من الوثائق التاريخية والمكتسبات الإنسانية التى تعرف بالدستور غير المكتوب أو غير المدون ، وسواء كان مرناً اى لايخضع  لإجراءات معقدة ومركبة عند القيام بتعديلات أو إضافة لأحد أحكامه أو مواده أو كان جامداً  خاضعاً فى تعديل أحكامه وقواعده لإجراءات مطولة ومعقدة هو فى أخر الأمر ، مرجعية الدولة القانونية، وهو التأسيس والتكوين ،

وهو القانون الأعلى فى الدولة الذي تستند عليه باقى القوانين ولا يجوز أن تتناقص معه أو تكون بديلاً عنه ، لأنه كمرجعية للدولة يعنى اتفاق بين الناس على صياغة وتنظيم حياتهم فهو بمثابة عقد CONTRACT (عام  ومجرد وملزم ) ولقد ناضلت الشعوب طويلاً من اجل الحصول عليه لتقييد سلطة الحاكم ومنعه من الإنفراد بمقاليد السلطة بمركباتها الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية)ولذا  فالدستور يرسم الإطار العام للنظام السياسي ويبين أسس الحكم ، ويحدد علاقة السلطة بالمحكومين ، كما يوضح واجبات المواطنين وحقوقهم انه يرسم السلطات ويحدد وظائفها ، ويبين كيفية انتقال السلطة في الحالات المختلفة وعبر اى قنوات قانونية وتشريعية ، إن غياب الدستور وغياب  السلطة المنظمة أو ضبابية وجودها ،يعنى فى المقابل "حرب الجميع على الجميع " على حد تعبير هوبز .

ان ليبيا لم ترى الدستور منذ ان أصدر مجلس قيادة الثورة  الإعلان الدستوري فى 11 ديسمبر 1969 والذي قال في ديباجته " يصدر هذا الإعلان الدستوري ليكون أساسا لنظام الحكم في مرحلة استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية ، وحتى يتم إعداد دستور دائم يعبر عن الإنجازات التي تحققها الثورة ويحدد معالم الطريق أمامها " ثم جاءت ( المادة 33) من هذا الإعلان لتقول : "يلغى النظام الدستوري المقرر في الدستور الصادر في 7 أكتوبر 1951م  وتعديلاته مع ما يترتب على ذلك من آثار". واستكملت هذه المادة ( بالمادة 37) وهى الأخيرة في هذا الإعلان لتقول :  يبقى هذا الإعلان الدستوري نافذ المفعول حتى يتم إصدار الدستور الدائم ولا يعدل إلا بإعلان دستوري آخر من مجلس قيادة الثورة إذ رأى ذلك ضرورياً وفق مصلحة الثورة ( الإعلان الدستوري – 1969- ص.ص 1و 5 و 6).

وصحيح أن ليبيا شهدت صدور وثيقة (إعلان قيام سلطة الشعب ) ، فى 2 مارس 1977م ، (الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان فى عصر الجماهير" فى 12  يونيو 1988 )، و القانون رقم 20 لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية )  إلا أنها جميعاً  لا تمثل دستوراً لليبيا ، فهى لم تقنن قواعد قانونية عامة ومجردة تعتبر قانوناً  أعلى  فى الدولة تستند عليه التشريعات الأخرى ، وبالطبع نحن لسنا هنا بصدد  نقاش مفصل لهذه النقطة وغيرها من الأمور المتعلقة بطبيعة هذه الوثائق ، فذاك أمراً يخرج عن نطاق هذه الورقة البحثية المختصرة " ما نؤكده هنا هو ان ليبيا لازالت فى انتظار الدستور الدائم الذي وعد به الإعلان الدستورى عام 1969 . وما نؤكده كذلك ، هو ان غياب الدستور قد قلب الأوضاع التاريخية تماماً ، فبدل من ان تنتقل  إلى "الحالة المدنية "  التى نادى بها مفكري  "العقد الاجتماعي  " وتحققت بالفعل فى اغلب تلك المجتمعات ، انتقلنا إلى حالة ( الفطرة ) أو حالة (للطبيعة الأولى )  التى غاب فيها القانون ، وعمت فيها الفوضى ، وضاعت فيها حدود الأشياء ، حالة " الحرية المنفلته من عقالها disorder .

إذن ما غاب عن ذاكرة السيدين" بورتر وييرجن " هو أن لاتنمية ولا تحديث ولا تطوير ولا إصلاح ولا خروج  من الأزمة ،  إلا بالقانون والنظام والمؤسسات ، وهذا أيضاً جزءاً من العامل السياسي  المفقود فى  " إستراتيجية التنافسية فى الجماهيرية ".

ب – قيام دولة القانون وإحترام حقوق الإنسان :

أن توفر قضاء مستقل ونزيه وقادر على تحقيق العدالة ، هو أحد شروط التنمية الحقيقية والمستدامة والتى تحافظ على تقديم نواتج طيبه وايجابية  بشكل مستمر .

ان القانون هو  الذي يفرض العدالة التى إذا غابت ظهرت الجريمة على حد قول أفلاطون .القانون هو أساس تحقيق المساواة السياسية والقانونية بين  الافراد والجماعات ، وبينهم وبين  السلطة السياسية نفسها فهو حارس الحقوق وملزم الواجبات ، وهو احد مفاتيح المساواة فى الفرص وضمانها  للجميع دون تمييز بسبب اللون أو اللغة أو الجنس او العرق أو الانتماء او العقيدة أو الوضع الاجتماعي .

وقيام دولة القانون يعنى أساس وجود المؤسسات المدنية ذات الكفاءة والفاعلية ، المؤسسات المستقلة والمتخصصة والطوعية الأهلية وقبل كل ذلك فإن تجسيد دولة القانون فى الواقع  العملي يعنى وجود الأنظمة التشريعية ، والتشريعات العادلة والقادرة على تنفيذ  المساواة وتطبيق الأحكام بنزاهة وتجرد وعدالة. ( الكايد . ص .ص ، 242-243.)

أن نظامنا القضائي وإستقلاليته والذي  وضعه تقرير التنافسية الدولية فى المرتبة الخمسة والسبعون من 111  دولة ، بما فى ذلك أدائه وكفاءته ، وبدون التشكيك فى جزء خير منه ، يحتاج إلى تطوير وتحديث ليتخلص من البطء والتلكؤ وكثرة التعقيدات وتراكم التشريعات والإجراءات التى يتسم جزء كبيراً منها بالتضارب والتناقض ، والتي تعيق  بسبب الروتين والبيروقراطية  السلبية الوصول إلى إحكام نفاذة في حالات كثيرة . فحقاً أن نظامنا القضائي يحتاج إلى غربلة وشفافية ومساءلة المنحرفين عن تطبيق القانون وأحكامه وبناء على المؤشرات الخاصة بإدارة الحكم والتى تعكس الإدراك  الحسي لمفاهيم مثل ( الحياد القانوني ، وتفيد المواطنين بالقانون ) جاء وضع ليبيا فى القائمة التى أعدها  البنك الدولي WB بالأرقام السالبة فى كل الأعوام : 1996= -1 ، 1998-141 ، 2000= -0.91 ، 2002= -0.83، -2004 = -0.65 . ( مشروع الأمم المتحدة 4.11 الإنمائي ، 2006 )

إنه نظام يحتاج إلى إدخال التكنولوجيا المعلوماتية في المحاكم والأجهزة القضائية لتسهيل عملية التقاضي والارتقاء بالمهنية وحرفية الصنعة. إنه نظام يحتاج للتغلب على تراكم الملفات والأحكام المليئة بالغبار فى أرشيف  ورفوف مخازن مباني المحاكم العتيقة ، بإدخال التقنية واستخدام الكمبيوتر وأساليب تصفيف وتنظيم المعلومات الحديثة وهو نظام يحتاج كذلك للإطلاع على التجارب العالمية وعلى أداء النظم القضائية  الأخرى ، يحتاج إلى  التدريب والتطوير والتأهيل لتحسين معارف وممارسه العاملين والإداريين والمحاميين والقضاة ووكلاء النيابة وكل موظفي هذا السلك الرفيع .

إن استقلالية القضاء والمحافظة على دوامها ، وحياد ونزاهة النظام القضائي عموماً  والذي أنجز في بلدان كثيرة أمراً ضرورياً لتحقيق العدل والأنصاف والأمن  والسلم الاجتماعي المفقود بشكل واضح فى ترابنا  الوطني .

ان هذا المطلب ( استقلالية القضاء )  ليس شعاراً سياسياً يقصد به الاستعراض والمباهاة او العكس ، الطعن والتشكيك ، بل هو أحد البنود النبيلة للحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، ولذا فهو يحتل مقدمة جدول أعمال عمليات التحديث والتطوير والإصلاح المجتمعي والسياسي .

إنه يعنى احترام أساليب النزاهة والموضوعية والمهنية والحرفية الصادقة والنبيلة  ويبرجن مايعنيه أيضا هو التوجه دون تردد لإلغاء تشريعات قديمة بالية ، وإلغاء قوانين تعيق الحرية  والتحرر والإبداع ، قوانين قد تجاوزها الزمن  ولم تعد تليق بتطور العصر وحاجة الإنسان فالبقاء على هكذا تشريعات وقوانين  ، مسألة تعيق التنافسية " التى كانت صلب تقييم بورتر ويبرغن " والتى نادت بتحقيق مكاسب إقتصادية بما فى ذلك تشجيع الاستثمار وتسهيل تعامل الأفراد والمؤسسات مع الإدارات الحكومية فهل يمكن الحديث عن ازدهار ورخاء PROSPERITY  بدون تحقيق هذا الشرط الحقوقي والديمقراطى الذي يعتبر احد مكونات العامل السياسي الذي اعتبرناه مفقوداً فى استراتيجية  إقتصادية إجتماعية طويلة المدى ؟؟.

وأخيراً فى هذا المجال ، فإن تطبيق العدالة ووجود قضاء مستقل ، مرتبط إلى حد بعيد  بتحقيق الأمن والاستقرار والسلم الإجتماعي للمواطنين فثمة ضرورات تحتاجها ليبيا فى هذا المجال وبشكل عاجل ، وفى مقدمتها وجود نظام تشريعي وقانوني وافى – يحمى المواطن ولايخيفه ، يخدمه ويقدم العون له ولا يظلمه أو يمس كرامته . ثمة حاجة ملحة لتطوير جهاز الشرطة الذي  يعاني من انعدام الكفاءة ، ويشتهر بحوادث الاعتداءات المتكررة  على المواطنين ، وباختراقات  حقوقهم بسبب أو بدون سبب أن أجهزة الشرطة صراحة ، غير مؤهلة فى الغالب  وليس لها سلطات محددة تمارسها ، فسلطاتها واسعة شاملة لا حدود لها ، ولا مسؤوليات واضحة تحاسب عليها ، ونحن نعلم جيداً  ان السلطات غير المحددة والمطلقة تعنى الفساد والخراب الذي لايعرف حدود أيضاً أن نظامنا القضائي والامنى مليء بالثغرات والأخطاء والتجاوزات والممارسات  المشينة ، ولذلك فقد عجز فى حالات كثيرة على تحقيق العدالة .

لقد صدرت ونفذت أحكام جائزة وقاسية ، عوقب بها أبرياء في حالات عدة وأطلق بها فى المقابل سراح مجرمين ومنحرفين محترفين كما رصدت ممارسات عدة أيضا عكست تصفيات حسابات شخصية لأغراض سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة .

أن العمل على إيجاد نظام قضائي وقانوني وأمنى عادل ومستقل ومستقر فى الدولة الليبية الحديثة ، سوف لم يحفظ مكانة قضائنا الوطني الذي امتلك شرفا وسمعة طيبة وإيجابية يوماً ما فحسب ، بل أيضاً سيشيد سداً فى وجه الفساد وممارسة النفوذ والهيمنة والتسلط التى يقوم بها أفراد شاذون عن مكارم أخلاق مجتمعنا وبساطته . إن الحديث عن حماية الأجهزة القضائية والأمنية من الفساد والفوضى لا يجب ان يؤخذ على أنه هجوم غير مبرر على الشرفاء وعلى حماة العدالة والأنصاف والحق الغائبين فى أماكن مختلفة فى هذا السلك الإنساني العظيم .

وفى إطار الحديث عن دولة القانون التى لم يشير إليها تقرير التنافسية من قريب أو بعيد ، يبدو من الضروري الإشارة إلى  جزء مكمل لهذا المبدأ وهو احترام حقوق الإنسان . لقد صادقت ليبيا على نحو خمسة وعشرون إتفاقية دولية ذات علاقة بحقوق الإنسان فى فترة تزيد عن ثلاثة عقود ، إبتداءاً من إتفاقية حضر الإتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير لعام 1949 بتاريخ (3/2/1966)  ، ونهاية بالمصادقة على اتفاقية حقوق الطفل ، بتاريخ (16/5/1993) وكانت ليبيا قد صادقت أيضا على إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللانسانية أو المهينة ، بتاريخ (15/6/1989) وكانت ليبيا كذلك قد أصدرت وثيقتين هامتين ذات علاقة أيضاً بحماية حقوق الإنسان  : ( الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان 1988، وقانون تعزيز الحرية 1991) . لكن كل هذا يظل حبراً على ورق ما لم يتم الالتزام به ،  مالم يحترم  ويطبق فى ارض الواقع . فقضية حقوق الإنسان وإيقاف إختراقاتها ومساءلة ، بل حتى محاكمة مرتكبى الجرائم فى حقها مسألة تهم قضايا التحول إلى مجتمعات محترمة قادرة بالفعل على تحقيق الإنجازات والحفاظ عليها أن حماية وصيانة كرامة الإنسان وحقوقه ، فى تقديرنا ، مفتاح  هام لأغلب المشاكل والقضايا الوطنية والمجتمعية المستعصية التى تواجهها ليبيا اليوم ولماذا نؤكد إصرارنا على أن يكون هذا المحور فى قلب استراتيجية التنافسية طويلة المدى فى الجماهيرية ؟؟

تكتسب مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان الليبي أهمية خاصة فيما يتعلق بضرورة  تصحيح الأخطاء  والممارسات والاختراقات الشاذة على صعيد إستغلالى السلطة أو محاولة  توظيفها بأشكال تخدم مصالح أنانية ضيقة لبض الرموز أو الشرائح التى تمس تطبيق العدالة على المستوى الإقتصادى والإجتماعى والسياسي . وبمعنى أكثر دقة تنبع أهمية هذا المطلب من المساهمة فى تقويم الانحراف فيما يخص السلطة والثروة والنفوذ والمكانة .

ان التمسك بتنفيذ بنود ومبادئ حقوق  الإنسان سيضع لما سمى التهميش الإجتماعي والاقتصادي وإلى حدة وشراسة التفاوت الإجتماعي الذي بدأ يهدد مصالح الفئات الشعبية والفقيرة والمعدومة فى المدن الليبية وضواحيها ( المليون فقير )

تكتسب هذه المسألة أهمية اليوم أكثر من أي وقت مضى باعتبارها  الرد الفعلي  والصريح والضروري على الأطروحات التي تعتبر  الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مجرد مسائل ترفيه وشعارات  تمليها الأوضاع الدولية أو القوى الخارجية ، فالمسألة ليست كذلك  فالخروج من الأوضاع السيئة التى سردناها على امتداد القسم الأول من هذه الورقة ، والخروج من التخلف  والتبعية والتهميش على الصعيدين الوطني والدولي  والدفاع عن الوطن وتأمين الخبز ولقمة العيش والدواء  والتعليم والسكن للمواطن الليبي البسيط ، كل ذلك لا يمكن تحقيقيه بمعزل عن حقوق الإنسان إذ كيف يعتمد إنسان أو يدافع عن وطن مهان ، وهناك من يمس كرامته أو يعبث بمقدراته ، أو يضيق الخناق على رزقه ولقمة عيشــــــه ؟

ويظل تقييم التنافسية فى الجماهيرية ، ورسم إستراتيجية طويلة المدى للتحديث والتطوير والإصلاح ، بمثل ما قدمه  لنا بورتروييرجن قليل الفرص فى تحقيق النجاح ما لم يضع هذا البعد السياسي فى مقدمة الأعمال فليس ثمة تعارض بين التحول  إلى مجتمع أفضل بالأساليب التخطيطية والإستشرافية الحديثة ، وبين التمسك بحقوق الإنسان وممارسة  الحرية .

جـ ) حرية و استقلالية الصحافة و الأعلام :

لم تكن ليبيا استثناءا لما جرى في أغلب بلدان المنطقة العربية في  الأعوام الثلاثين السابقة ، من اختفاء شبه كامل للحريات الديمقراطية ولم تكن استثناء كذلك في تبرير الطمس للديمقراطية بحجج أن ضرورات مرحلة "بناء الاشتراكية " وإرساء دعائم التنمية الاقتصادية، و تشييد "الوحدة العربية" ومواجهة "العدو الصهيوني والامبريالي" ، تتطلب انتظار الديمقراطية في المقاعد الخلفية للتطور حتى تنجز تلك الأهداف ، وبالطبع لا شيء  من كل ذلك قد أنجز ، والسبب بالتأكيد هو طمس الديمقراطية نفسها .

أن الحريات الديمقراطية وفي مقدمتها حرية التعبير والاعتقاد والإبداع وحرية الرأي والصحافة والسينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون وكل ما يندرج تحت الحقوق الذهنية والعقلية لا تعتبر أداة لتحقيق أهداف التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فسب ،بل هي أيضاً قيمة عظيمة وسامية ، حرم منها أغلب شعبنا ، وسبب ذلك أصبح الكثير من العرب ومنهم الليبيون عرضته للسجن والتعذيب بل وحتى للقتل ( الخزرجى -2004 – ص.ص 307 – 310 , 311 )، وبسبب غياب الرأي الحر والناقد والشفاف والصادق وفرض القيود على النشر والتعبير عن الواقع والحقائق ، أُهدرت كرامات، واخترقت قيم ، وزيفت وزورت حقائق ، وكثيراً ما فرض الصمت و الإذعان. وبسبب كل ذلك غيب الإنسان وهمش ، ومكث جزءاً منا فاقداً الثقة في النفس وفي النظام ، يحذوه الاحتقان والإحباط ويهدده قنوط اليأس . ولأهمية هذا الجزء من الحريات الديمقراطية و الإنسانية والحقوق المدنية ، أقرت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن :  لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الأراء دون أي تدخل ، واستقاء وتلقي وإذاعة الأنباء و الأفكار دون تقيد بالحدود  الجغرافية وبأية وسيلة كانت ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – 1948 – مادة 19). كما أكدت الوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان حق التفكير و الابتكار و الإبداع و التعبير في ( المادة 5) والمادة (19) ، ( الوثيقة الخضراء – 1988 ) وكذلك أكد قانون تعزيز الحرية ، حرية التعبير والنشر في وسائل الإعلام المختلفة في  ( المادة 8) ، بينما أكدت مادته (22) حرية الابتكار والإبداع والاختراع (القانون رقم 20 بشأن تعزيز الحرية -1991) . ورغم كل ذلك لازال في ليبيا تشريعات تعيق ممارسه هذا الحق ، مثل القانون رقم 45 لسنة 1972 الذي يجرم ويصادر ويؤمم حرية التجمعات وكل وسائل التعبير السلمي عن الحريات والحقوق ، والقانون رقم 75 لسنة 1973 بشأن تأميم الصحف والدوريات الأهلية و المستقلة . وهذا ما جعل جمعية حقوق الإنسان التابعة لمؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية تضع في تقريرها حول حقوق الإنسان في لبيا عام 2003 الآتي : ( من حيث حرية الرأي والتعبير فقد لاحظت المؤسسة أن أهم منبر من منابر الرأي وهو الصحافة لا زال مقيداً ، حيث أن قانون المطبوعات رقم 76 ، لسنة 1972 قد تم تقييده بالقانون رقم 120 لسنة 1972 ، والقانون رقم 75 لسنة 73 ، والذي لا يتيح للأشخاص الطبيعيين إصدار الصحف الخاصة ، ويقتصر ذلك على المؤسسة  العامة للصحافة والروابط والاتحادات والنقابات المهنية ، كما أن النشر والتوزيع مقصور على الدار الجماهيرية ، ( و المؤسسة ) تطالب بضرورة الإسراع في إصدار قانون جديد للمطبوعات يتيح فرصة أكبر لحرية الصحافة والنشر ورفع القيود المفروضة على ذلك (جمعية حقوق الإنسان 2003 – ص 7 ).

والحقيقة التي لا تخفي على أحد أن المواطن الليبي لا يزال أسير الأعلام الرسمي ، فلازالت سلطة الدولة تحتكر كل وسائل الإعلام رغم التوجه الرسمي والعلني " لخصخصة كل شيء " ورغم دخولنا عصر الفضائيات ووجود أكثر من ألف فضائية توفر الخبر والمعلومة والتحليل بالصوت و الصورة في لحظات وقوعها ، ورغم أنه لا شيء تقريباً اليوم متستر في ظل وجود شبكة المعلومات الدولية internet  - أن الخطاب الإعلامي الليبي قد الذي تجاوزه الزمن ، ولم يعد احد في الغالب يثق به أن الصحف القومية في ليبيا اليوم قلية ، وقليل من يقرأها ، إذ تحمل نفس العناوين و المنشآت " وتزوق بنفس الألوان ، وتبتعد في كثير من الأحيان ،عن المصداقية والموضوعية والشفافية ، أنها في الغالب لا تحترم ذهنية وعقلية ومشاعر وطموحات وذوق المواطن . أما الصحف المحلية فأقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تقل مستوى في كثير من الأحيان عن الجرائد الحائطية ، في المدارس . والصحافة المسموعة و المرئية و (الإذاعة والتلفزيون) ، فهي كذلك إلى جانب سؤ الخطاب و ركاكته وإلى جانب برامجها التقليدية وتدني مستوى أدائها وجمالياتها ، فهي لا تجد من يسمعها أو يشاهدها بل لا تقوى بل لا تقوى للوصول إلى مستوى الإذاعات والمرئيات الخارجية، ولا تستطيع منافستها وهذا الوضع المزري للصحافة الليبية سجل رسمياً في أكثر من مؤسسه بحثيه وعلمية ، فبرنامج إدارة الحكم في الدول العربية (POGAR ) وهو أحد المؤسسات التابعة للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، بين أن ترتيب ليبيا من حيث حرية الصحافة متدني جداً ، بل أكد أن الصحافة مقيدة وغير حرة ،فاستناداً على القيم الرقمية الآتية ، من صغر إلى 30 درجة = صحافة حرة ، ومن 31 إلى 60 = صحافة حرة نسبياً ، ومن 61 إلى 100 = صحافة غير حرة ) ( استناداً على هذا الترتيب ) تحصلت ليبيا عبر السنوات على الأتي: عام 2001 = 90 ، 2002 = 88 ، 2003 =89 ، 2004=94 .

 (POGAR – 2005)  ونفس المؤسسة ، استناداً على مؤشرات البنك الدولي صنفت ليبيا عبر السنوات من حيث حق التعبير و المساءلة ، من 10 درجات كالأتي : ( عام 2000 = -1.6 ) ، (2002 = -1.7 ) ، (2004 = - 1.79) (2005 – POGAR) لا يمكن بالطبع للوطن أن يحقق الازدهار الذي يتحدث عنه تقييم التنافسية في الجماهيرية في ظل وجود ترسانة من التشريعات التي تجيز حبس الصحفيين وأصحاب الرأي  و الضمير ، وتجرم التعبير الحر وتعاقب أصحابه ولذلك فأن الأمر يتطلب مراجعة جوهرية لكافة قوانين الصحافة والنشر ، والتأكيد على أن حرية إصدار الصحف وحرية تداول المعلومات من شأنهما الارتقاء بالأداء المهني للمؤسسات الصحفية وللصحفيين أنفسهم ، بل الارتقاء بالأداء المهني في كافة مؤسسات الدولة وأداء العاملين بها ، ذلك أن الصحافة عين رقابية ناقدة و هادفة ومبدعة ، وسلطة تستحق أن تكون ( الأولى ) وليس        ( الرابعة ) فهل يضعها تقييم التنافسية في الجماهيرية في الاعتبار التحديثي و الإصلاحي؟؟

د) الشفافية و المعلوماتية والمساءلة و محاربة الفساد :

تشير أغلب أدبيات الأمم المتحدة الصادرة عن الجمعية العامة أو عن الوكالات المتخصصة التابعة لها ، بأن التنمية وإعادة البناء ووضع شروط الحكم الرشيد أو الصالح محك التطبيق تتطلب في الوقت ذاته جهوداً جبارة لإيقاف الفساد المالي والإداري في البلدان النامية ، ( الكايد 2003، ص72 ، جزءاً ) ولقد تكررت نداءات دولية كثيرة من مؤسسات مختلفة للرأي ، ومؤسسات مستقلة تعتبر جزاء من المجتمعات المدنية والأهلية ، بخصوص التمسك بمبدأ تعزيز الشفافية والمحاسبة وضمان تدفق المعلومات عن الوضع الاقتصادي إلى الرأي العام ، وتحديد شفافية حسابات الحكومة ، وتوضيح أوجه الاتفاق على المشاريع العامة والخاصة ، وأضاح خفايا إدارة الموارد العامة . ولقد احتجت مؤسسات عالمية على دعم كثير من  البلدان النامية بسبب الفساد الفاحش المتفشي في تلك البلدان ، وقيل أن الكثير من الأموال تُضخ في قنوات وصفت بأنها غير نظيفة " أو أنها متردية في أدائها أو سلبيه في النواتج الناجمة عن مساراتها التنموية ، كما نبهت كتابات عدة ، حكومات الدول التي يسرى فيها الفساد من ان ضخ المزيد من الأموال لإنقاذ مشاريع أصابها الخراب والفساد، هو أمر شبيه بإضافة البنزين لإخماد الحريق. فضخ الأموال والأنفاق المتزايد في بيئة غير نظيفة لا يوقف الفساد بل ربما يزيد من انتشاره ( دايمند- ص 1) وفي عام 2003 أصدرت منظمة الشفافية الدولية التي تتخذ من برلين مقراً لها ، قائمة تشير إلى ترتيب الدول من حيث توافر عنصر الشفافية ، ما يعكس في المقابل حجم الفساد في كل بلد وفق هذا الترتيب ، واستندت هذه القائمة على استطلاع وتصنيف قامت به (13 مؤسسة ) مستقلة ، في مائة وثلاثة وثلاثون دولة (133) ، واحتلت ليبيا رقم (121) من حيث الشفافية ، وبدرجة (2.13 من عشرة ) ، وهكذا جاءت ليبيا في مقدمة البلدان المصنفة بعمــــــق و استشراء الفساد المالي و الإداري . (الشفافية الدولية 2003- ص10)

وفي عام 2004 ، تصدر نفس المؤسسة تقرير اً يضع ليبيا في مصاف أخر البلدان بعد زبمبابوي وفيتنام وأفغانستان ، وفي عام 2005 . وضعت فى الترتيب (122) من أصل (150) دولة  فى قائمة الفساد المدرك وبمؤشر(2.5) الشفافية  الدولية (2005  ص4 ) إما صندوق  التراث Heritage  foundation  فان مؤشره عام 2006  للحرية  الاقتصادية ، يضع  ليبيا فى مرتبة 152 من أصل 157 دولة فى قائمة الشفافية فى المجال المالي  والادارى(20 .p،2006Solomon )  وفى  واقع  الحال ان الفساد  المالي  والادارى أصبح ظاهرة خطرة تهدد مسار المجتمع وتطوره ، فتذكر  التقارير الدولية ان  المرء يحتاج إلى 20 وثيقة  وشهادة  لكي يشرع في تسجيل شركة تجارية وثمة طرق ملتوية وغير مشروعة ومحسوبية ووساطة ورشوة لأشخاص فى أماكن ومواقع إدارية ومالية مختلفة للحصول  على منافع أو امتيازات في بيئة الأعمال وإبرام الصفقات مع الشركات المحلية  والأجنبية ويمتد الفساد كذلك إلى  نظام التعينيات والارتقاء الوظيفى والتراتبية  البيروقرطية والمناصب والبعثات للخارج فى كل  المجالات وحتى فى الدعوات لحضور الاحتفالات والمناسبات الهامة .. الخ. وهذا الفساد على حد قول  احد الصحفيين الأجانب قد  يسعد بعض الناس ممن يفضلون التنافس على  المال للابتعاد عن التنافس على الوظيفة والمنصب السياسى ، ومهما كانت الأقاويل فان النظم السياسية  والتركيبات والكيانات المُفسدة تفسح المجال أمام  رعاياها للعبث بالمقدرات والمسؤولية ، واستغلال النفوذ والمنصب و الوظيفة ، أنها باختصار تعلم رعاياها  التفنن فى الفساد ( ص.20- 2006 Solomon   ) .

وبدون شك ان التطوير والتحديث  والإصلاح المنشود لاسيما ذاك الذي أشار إليه  تقيم التنافسية فى الجماهيرية من الناحية الاقتصادية والإدارية لا يمكن أن يتم في بيئة  غير نظيفة ، وفى مناخ من اللامبالاة Apath  واللامسؤولية وعدم الاكتراث ، والسعى وراء المال باى طرق قصيرة وملتوية ممكنة ان الفساد الذي يمثل حلقة مغلقة ويطال تقريباًً كل شئ في بيئة مهمشة ،يمثل نوعا من الثقافات السائدة فى أوساط إدارية  وبيروقراطية ومالية وسياسية معروفة فكثيراًً ما تحولت الوظيفة والمنصب السياسى والادارى والاقتصادي إلى بوابة  للاسترزاق السهل والسريع  وكثيراًً ما أدى عدم  الاستقرار التشريعى  والهيكلى و الوظيفى  تحديداًً إلى الإسراع  فى" النهب قبل فوات  الأوان" بالنسبة  للمدركين لكثرة التقلبات الوظيفية وتغيرها المستمر والفكرة أصبحت شبيهة فى هذا المجال بحرب العصابات المستندة على "قاعدة اضرب واهرب" فتغيرت العبارة  فى الواقع الوظيفى اليوم وأصبحت "انهب واهرب "وفى حالات كثيرة يقوم نوعاًً من "المعايرة" لمن لا يريد أن يمد يده للاختلاس !!! ان إيقاف ثقافة من هذا القبيل  هى جزء من الشفافية ومحاربة الفساد، مثل هذا العمل يتطلب جهداًً كبيراًً تشارك فيه مؤسسات مدنية عديدة إلى جانب مؤسسات الدولة المختلفة وهى جزء من مؤسسات القطاع الخاص، ويتطلب كذلك التمسك بخطوط إرشادية تساهم في خلق بيئة نظيفة وشفافة  نلخصها فى الأتي :-

اعتماد منهج المصارحة والمكاشفة فى كل مستويات  ومؤسسات  الإدارة والاقتصاد والسياسة .

 اطلاع المواطن على الحقائق وعدم إخفاء المعلومات عنه.

وضع حد للخطاب الاعلامى المضلل التمجيدى والتبشيرى الذي يمارسه مسئولون عن أجهزة في الدولة  ويمارسه الإعلام الرسمي عموما اذ ان ذالك الخطاب يغالى فى المبالغة ويتفاخر  فى أحيان كثيرة بانجازات غير موجوده وبطولات وأمجاد وممارسات مخترعة .

اعتراف من  المؤسسات الخاصة والعامة والقطاع الاهلى عموماًً بالتعثر فى مجال التنمية والإخفاق فى الخيارات السابقة لأغلب السياسات العامة وفى المقابل العمل المتسارع باتخاذ خطوات عملية تساهم فى إيقاف الفساد  ، ومحاربة  ثقافته ، بتبنى سياسات  التمكين والتعزيز للقدرات  والموارد الإنسانية عموماًً .التمسك بمبدأ المساءلة وفتح أبواب النقد الذاتي عبر الصحافة الحرة والمستقلة وعبر إلغاء  قوانين  وقرارات  الرقابة الفكرية  وحماية حقوق النشر والإبداع.

هــ-  التمكين ومؤسسات المجتمع المدنى:

حظي مفهوم المجتمع المدنى CIVIL SOCIETY   بالعديد من التعريفات  المتباينة الهادفة لشرح محتواه . وليست من مهمة هذه الورقة القيام بتصنيفها وسردها . لكن نكتفي في هذا الجانب من الدراسة بالإشارة العامة لمدلول هذا المفهوم. وبدون تنفيذ آراء ما أعتبر مرجعية تاريخية لهذه الظاهرة السياسية ، مثل أطروحات هوبز ولوك وهيغل وماركس ودي توكفيل وغرامش ، فالمجتمع المدني يعني باختصار ""نمط من التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي خارج قليلاً أو كثيراً عن سلطة الدولة ، وهذا التنظيم بمختلف مستوياته يضم بُنى مؤسسات وتنظيمات تمثل مرتكز الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والرمزية التي لا تخضع مباشرة لهيمنة سلطة الدولة. فالمجتمع المدني بهذا المعنى مجال ومسرح ومساحة تضيق وتتسع حسب السياق الواقع بين المجتمع Society كاإءتلاف مركب من الناس في بيئة ما (الوطن) تضمهم شبكة معقدة من الاتصالات والتفاعلات والعلاقات، وبين الدولة STATE ككيان سياسي – قانوني ذو سلطة سيادية معترف بها على الإقليم المحدد والشعب. وفي ظل وجود انفصام أو انفصال بين المجتمع والدولة (كما هو حال أغلب البلدان المتخلفة) فثمة مساحة في العادة ، مستقلة بينهما تسمح لكل قطب التوسع أو التقهقر فيها.(الخازرجي – 2004 – ص 115) .

وفي الوقت ذاته ، فأن المجتمع المدني فضاء فسيح يتحرك فيه الإنسان مدافعاً عن مصالحه، وباحثاً فيه عن عالمه الخاص. أنه مسرحاً للحركة والتفاعل والمطالبة ، مقابل قطب الدولة الممثلة في بناء بيروقراطي تحول فيه الإنسان إلى مجرد عضواً في جماعة مسيرة ، وهو كذلك غريباً عنها ، ومقابل قطب المجتمع الذي تملئه الانقسامات الأفقية والعمودية ، وتسوده في الغالب هيمنة طبقة أو تحالف طبقي ما ، وثقافة مسيطرة ، يشعر هذا الإنسان بالإغتراب والاستلاب تجاهها. ولذلك فالمجتمع المدني ""سلاح هام"" لملء وتعبئة هذا الفراغ المخيف الذي يفصل بين المجتمع والدولة . فالمجتمع المدني يحاول أن يخلق من المجتمع مؤسسات ومنظمات تعبر عن تلك الرؤى والمطالب المختلفة، ويرتقي بها إلى سلطة الدولة من أجل إعادة صياغة مشاريعها التي ضربها الوهن واتسمت في الغالب بالتقولب والابتعاد عن الواقع. ولا يجب أن يفهم من كل ذلك أن المجتمع المدني بالضرورة معادياً للدولة أو نقيضاً لها ، فبالعكس ، إذا كان طابع وجوهر هذه الدولة ديمقراطياً ومستنداً في بنائه على الشفافية واحترام القانون والمؤسسات الدستورية ، فإن التعاون والارتباط كثيراً ما يحدث بين الاثنين، أما التنافر الذي نراه ظاهراً في عدة بلدان فبسبب غياب تلك الأبعاد. (الجنحاني وإسماعيل -2003 ص .ص14-17، وكذلك ص.ص.49-50).

ويمكن إيجاز سمات المجتمع المدني بناءاً على ما ورد في أغلب الكتابات في السمات الآتية: فهو مجتمع مستقل إلى حد بعيد عن إشراف الدولة المباشر. ويتميز بالاستقلالية النسبية في النواحي المالية والإدارية والتنظيمية عن النظام السياسي potitical Regime . وهو مجتمع يتسم بالتنظيم التلقائي مستنداً على روح المبادرة الفردية والجماعية ، والعمل التطوعي والحماسة من أجل خدمة مصلحة الجماعة ، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة. وهو كذلك مجتمع تضامنى طوعي يجسد معنى قدرة أفراد المجتمع على تنظيم نشاطهم بعيداً عن تدخل الدولة وسلطتها. وهو كذلك يمثل شبكة من التنظيم المهني والمؤسس. وفوق كل ذلك يتسم هذا المجتمع بالتسامح والحوار والاعتراف بالآخر واحترام تعدد الآراء. أنه مجتمع الإبداع في أرحب معانيه ، وهو الضامن الحقيقي لمسيرة التقدم والازدهار ، وهو عنصر التمكين الأساسي Empowerment ، بل هو أهم عناصر العامل السياسي المفقود في تقييم التنافسية في الجماهيرية.(الجنحاني وإسماعيل، 2003،ص.ص.29-30).

لقد تزايد عدد الجمعيات الأهلية والمؤسسات المدنية في البلدان "النامية" عموماً ، وبشكل ملحوظ منذ فترة منتصف ثمانيات ومطلع تسعينات القرن العشرين ،وفي بعض البلدان، ربما حتى قبل هذا التاريخ بعقود ، مثل مصر على سبيل المثال وليس الحصر التي يقدر عدد الجمعيات الأهلية ذات الطابع الخيري والخدمي والتنموي والدفاعي – الحقوقي فيها ، بنحو (18600) منظمة. لكن بالطبع يجب مراعاة مدى قدرة تلك الجمعيات ونوعية وحجم نشاطها وتأثيرها المجتمعي ، إذ ان دراسات كثيرة توضح أن جزءاً كبيراً من تلك الجمعيات لا زالت تعاني من الضعف لأسباب عديدة. ومع هذا التعدد والزيادة ، فإن مؤسسات المجتمع المدني تكاد أن لا تنكر في بعض المجتمعات من حيث الوجود والنشاط. ومن المعروف أن مؤسسات المجتمع المدني تتنوع في أنماطها وأشكالها ونشاطها، وللإيجاز يمكن القول أنه كان لها عبر تطورها التاريخي أربعة أنماط:

الجمعيات الخيرية- Charity Associations : وهي تلك التي تقوم بتقديم الصدقات والمساعدات والهبات والإحسان وتعتني بمطالب المحتاجين والمستضعفين والمهمشين.

الجمعيات الخدمية – Service Associations: وهي تلك التي تقدم الخدمات والمعونات وتقوم بأعمال الإسعاف وتقديم الإغاثة لا سيما في أوقات الأزمات والحروب والكوراث.

الجمعيات التنموية والبيئة – Developmental and Environmental Associations : وهي تلك التي تساهم في العملية التنموية على مستوى المجتمع وتقوم بإعمال التمكين Empowerment  للفئات الضعيفة والمهمشة ، والمرأة والمنتميين للأقليات المضطهدة ، وفي الوقت ذاته تساهم في خلق وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إضافة لاهتمام بعضها بالدفاع عن القضايا البيئة.

الجمعيات السياسية والدفاعية Political and Advocacy  : وهي تلك التي تدافع عن الحقوق المدنية وقضايا حقوق الإنسان والمطالبة بالمشاركة السياسية ، ومحاربة الاستبداد ، ونشر الديمقراطية ، (قنديل – 2005 – ص ص 15-16-18)

وبالنسبة للحالة الليبية ، فإن تأثير الفكر القومي على مسارات واختيارات الثورة وتحديداً كره الناصرية للأحزاب والمنظمات المستقلة عموماً ، قد جعل جزءاً من سلطة الدولة وجزءاً من المثقفين أنفسهم ينظرون إلى تجارب المجتمع المدني بعين الريبة والشك وعدم الاطمئنان ، بل أن الأمر وصل لاتخاذ مواقف عدائية تجاه هذه الظاهرة الهامة في تطوير حياة البشرية. ولقد تناسى هؤلاء أن المجتمع المدني هو أحد أهم أركان سياسيات التمكين ، وأنه شريك حقيقي ، فاعل في العملية التنموية إذا ما أعطيت له فرصه حرية المبادرة والاستقلال ورفعت عنه أيادي التسلط والتحجيم والإقصاء.

لقد أضحى معروفاً اليوم أن تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة لم تعد مسؤولية سلطة الدولة وحدها (القطاع العام) ، بل أضحت مسؤولية مشتركة بينها وبين القطاع الخاص و(المجتمع المدني) الذي تشكل الجمعيات الأهلية بتلاوينها وأشكالها المختلفة قوة أساسية له. (قنديل – 2005-78) . فالتنمية اليوم نشاط مجتمعي ،والتقدم عمل جماعي تشارك فيه كل الأطياف.

أن المناخ الديمقراطي الذي يوفر الإطار القانوني والمؤسساتي والفكري والثقافي الذي يدفع بفرص قيام ونماء الجمعيات الطوعية والمؤسسات المدنية غير الحكومية NGO'S هو ذاك المناخ الذي يشيع قيم التطوع والتسامح ، والعمل الجماعي من خلال مؤسسات أهلية مستقلة ويفتح المجال واسعاً أمام الإصلاح المتدرج السلمي الذي يستهدف تحسين طرق إدارة الحكم وأساليب الإدارة الحديثة ، وترشيد عملية صنع القرارات والسياسات العامة الناجحة. أن هذا المناخ هو الذي يضمن التوازن بين المجتمع والدولة ويشيد المشاريع التحديثية التي تسعى لتلبية مطالب حاجات الناس. ان قوة المجتمع المدني الذي غاب الحديث عنه في إستراتيجية "بورتر ييرجن" التنموية ، يعني تحديداً وجود الرقابة على سياسات الدولة وعلاقتها بمواطنيها ، أنه الضمان لتنفيذ السياسات العامة بعد رسمها بحكمة وعدل وعلم ، أنه المقدمة والأرضية الضرورية التي تنطلق وتستند عليها سياسات التمكين.

إن تعزيز القدرة الإنتاجية ، والرخاء ، الذي قيده وجود قطاع عام غير كفؤ ، وبيئة أعمال سلبية غير مواتية على حد تعبيرات تقييم التنافسية في الجماهير ، لا يمكن تحقيقها بالاعتماد على القطاع الخاص وحده أو حتى عبر فتح المجال للاستثمارات الداخلية والخارجية الخاصة فقط  ، بل في الأساس عبر خلق وتطوير وتفعيل عمل مؤسسات المجتمع المدني، مستندة على سياسات التمكين التي تعني تقديم وضخ القوة في تلك المؤسسات لكي تصبح قادرة ليس فقط على تلبية بعض حاجات الناس، بل قادرة أن تكون شريكاً فعلياً للقطاع العام والخاص في النهوض بوطننا. أن التمكين الذي غاب عن صفحات القواميس السياسية والاجتماعية عموماً ولم يظهر إلا في قواميس اللغة الحديثة بمعنى تخويل وترخيص وتعزيز وتقديم القوة للشيء لكي يكون قادراً على الصنع ، هو مفتاح ""تعزيز القدرة الإنتاجية ، وتحقيق الرخاء.

 

(oxford Dictionary1988-P269 )  التمكين في ليبيا وببساطة تامة يعني ليس فقط رفع يد سلطة الدولة عن الجمعيات والمنظمات الأهلية والشعبية ، عبر إلغاء قانون الجمعيات سيء الصيت، واستبداله بقانون وتشريع يسمح لبروز هذه المؤسسات بالشكل المستقل والطوعي والحر، لكي تقوم تلك الجمعيات الأهلية بلعب دورها التنموي والمجتمعي بدون وصاية من أحد ، يعني أيضاً توفير القدرات للمواطن لكي يعتمد على نفسه في تنظيم حياته وتمويلها. لا بد وأن تعمل الجمعيات الحالية عبر النضال لانتزاع قانون يحمي مصالحها وحريتها ويخرجها من الدور الألحاقي الموجه والتابع، لكي تصبح مستقلة فاعلة ، مساهمة في تحقيق التنمية والرخاء. التمكين هنا، يعني توفير إمكانيات تأهيلية وأعدادية الإنسان الليبي الذي يقاسى الآن من شده التهيمن ويخشى عليه من اليأس والعزلة واللامبالاة ، لكي يصبح مواطناً فاعلاً ومنتجاً ومبدعاً (Effective – Productive – Creative) التمكين يعني هنا ، انتقال الإنسان الليبي، الذي قيل أنه قد أصبح " بدون قيم عمل" ، يمد يده لتقبل المكفآت فقط ، "وأفسدته ثقافة النفط" ، "وثقافة المجانية " انتقاله من دور وموقع الإحسان وتقديم الخدمات الخيرية له Charity والمجانية ودعم الدولة له حتى في أبسط الأمور ، إلى دور وموقع الشخصية الفاعلة المنتجة المبدعة ، والمحفزة على العمل. الانتقال الفعلي إلى شخصية المواطن الذي يوفي بالتزامات المواطنة مقابل تمتعه بالحقوق الكاملة.

إن التمكين ليس بدعة أو خدعة أو لفظاً مفبركاً ، أنه يمثل أداة ومسلك هام في وضعنا الراهن هذا ، يتطلب الدفع بالعمل التطوعي الجماعي والفردي ، والدفع بعمليات تنظيمية ، وتهيئة المناخ أمام المواطن بتشريعات تخدم مصالحه وبمجال فسيح لممارسة الحرية للانطلاق للعب دوراً مميزاً وتاريخياً وهاماً في عملية التحديث والإصلاح. أن التشريعات الرشيدة ، ودولة القانون والمؤسسات، الصحافة المستقلة والخاصة ، والمجتمع المدني الطليق، والشفافية والمساءلة ، كلها عناصر تخلق بيئة مواتية للتمكين " وللتعزيز والانطلاق.  وهذا ما لم ينتبه إليه  " تقييم التنفسية فى الجماهيرية ، وهذا هو العامل السياسي المفقود فى هذه الإستراتيجية طويلة المدى ولذا لابد من إقحام " أجندة وطنية " تعتمد على بيئة التمكين هذه بخطوطها البارزة تلك من أجل الوصول إلى رؤية واضحة لمسائل التحديث والتطوير والإصلاح .

الخاتمة

إننا أمام عالم جديد أختزل مشهده القادم الاقتصادي السويسري Klaus Schwab (كلاوس شواب) رئيس منتدى دافوس في الصورة الآتية:

أن تحل الشركة العملاقة متعددة الجنسية ، محل الدولة القومية.

أن يصبح الزبون بؤرة الاهتمام بدلاً من المواطن.

أن تسخدم شبكة المعلومات (الانترنت) بدلاً من عمليات التصويت بما يعني ظهور فاعل سياسي جديد اسمه Netzen.

أن يتصدر القيادة رجال الأعمال بدلاً من السياسيين.

أن تصبح السياسة فن المستحيل بدلاً من فن الممكن.

أن تتقلص الفكرة التقليدية للسيادة القومية.

إن تنامي قوة المجتمع المدني ممثلة في الجمعيات الأهلية والكيانات المحلية على حساب مكانة الدولة في العلاقات العالمية (عليوه – 2000 ص.2).

إننا أمام هذا العالم الجديد ، وأمامنا حرية الاختيار ولقد حدثنا هايدنهايمر وهيوميكلو ، وكارولين آدمز في مؤلفهم عن السياسات العامة المقارنة في أمريكا وأوروبا واليابان ، بأننا نفتش في الكتب وفي التجارب على وجه التحديد لكي نتعلم بالمقارنة "" فبالمقارنة ستبرز لنا الاختيارات ، وفي آخر المطاف فإن المنطق يقول "إن تحكم هو أن تختار"(هايدرزهايمر ، 1999 ، ص 19 ، ص . 34).

فها نحن أذن نختار ، وها نحن الآن أمام سياسات الخيار الاجتماعي ، في زمن تختلط فيه معالم العولمة مع سمات التردي والانحدار ، فماذا سنختار ؟؟ التحديث والتطوير والإصلاح، ومن ثم ،

التحول إلى طرفاً محترماً في المنظومة الدولية ، وأما التشبث بخطاب إيديولوجي تجاوزه الزمن ، وأصبح الآن جزءاَ من ذاكرة الأجيال الطامحة في الازدهار  !!

وذات مرة قال هارون الرشيد : (أمطري يا غيمة فطالما انتظرنا خراجك)، ونقول في خاتمة حديثنا : أمطرونا بالنقد والتقليب والبحث ، فطالما انتظرنا خراجكم .... وشكراً على الاهتمام. 

_____________

مراجع الدراسة

أولا : تقارير ووثائق

1)      الإعلان الدستوري ، مجلس قيادة الثورة ، 11 ديسمبر 1969 .

2)      برنامج إدارة الحكم فى الدول العربية ( Pogar ) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2005.

3)      تقرير حول أوضاع حقوق الإنسان فى ليبيا ، جمعية حقوق الإنسان ، مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية ، طرابلس 2003.

4)      منظمة الشفافية الدولية – القائمة السنوية الخاصة بالفساد ، 2005 وزارة الخارجية الأمريكية ، مكتب برامج الأعلام الخارجي ، شبكة المعلومات الدولية

5)      Htt//164 .109.48.86/Arabic/mena/1008comp.html comup.htm

6)      قانـون تعزيز الحرية، رقم 20 لسنة 1991 ، مؤتمر الشعب العام ، 1/9/1991

7)      الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، البيضاء ،  1988.

ثانيا: الكتب

1)      الجنحاني ، حبيب ، وإسماعيل ، سيف الدين عبدالفتاح (2003 ) المجتمع المدني وأبعاده الفكرية ، دمشق ، دار الفكر .

2)      الخزرجي ، تامر كامل محمد ، ( 2004 ) النظم السياسية الحديثة والسياسات العامة ، عمان ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع.

3)      شعراوي ، سلوى ، ( 2001 ) مفهوم إدارة شئون الدولة والمجتمع : إشكاليات نظرية جمعية ، سلوى شعراوي ، أدارة شئون الدولة والمجتمع ، القاهرة ، مركز دراسات واستشارات الأداة العامة ، parc ، ص ، ص ، ح – 17.

4)      قنديل ، أماني ، ( 2005 ) تفعيل دور الجمعيات الأهلية فى إطار السياسات العامة ، القاهرة ، مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة PARC منتدي السياسات العامة رقم ( 21 ).

5)      الكايد ، زهير عبد الكريم ، ( 2003 ) ، الحكمانية Governance قضايا وتطبيقات ، عمان ، المنظمة العربية للتنمية الإدارية .

6)      هايد نهايمر ، انولد ، وميكلو ، هيو ، و أدامز ، كارولين ، ( 1999 ) السياسات العامة المقارنة  سياسات الخيار الأجتماعي فى أمريكا وأوروبا واليابان ، عمان ، الدار الأهلية للنشر والتوزيع

ثالثا : مقالات :-

1)      دياموند ، لآري ، ( 2004 ) حتمية الحكم الديمقراطي الصالح ،

1)      Center for International Private Enterprise

2)      رزيق ، كمال ، ( 2005 ) ، التنمية المستدامة فى الوطن العربي من خلال الحكم الصالح والديمقراطية ، مجلة علوم إنسانية العدد 25 ، ( السنة الثالثة – نوفمبر).

3)      عليوه ، السيد (2000) مفهوم النظام السياسي  فى ظل العولمة : رؤية استطلاعية ، ندوة النظام السياسي العربي فى مواجهة التحديات الجديدة ( 28 – 29  ابريل 2000) بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية.

رابعا : مراجع أجنبية :-

1)      Porter. Michael E. and Yergin . Daniel) (2006) National Economic Strategy: An  Assessment Of The Competitiveness Of The Libyan Arab Jamahiriya, Tripoli Monitor Group CERA.

2)      Solomon, Andrew , ( MAY 1 , 2006 ), Circle of Fire : Libya's Reformers Dream of Rejoining the world , Will the Hard – Liners let that Happen ? , New York , New York Times.

3)      Illustrated oxford Dictionary (DK) , (1998 ) oxford , market house Books ltd , P , 264.

Last Updated ( Jun 19, 2007 at 12:40 PM )
<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.