|
الاقتصاد الليبي: رؤية من منظور تاريخي صالح رجب اعبيده* - تتمتع ليبيا بموقع جغرافي استراتيجي مميز ، إذا أنها تقع في موقع متمركز في وسط الشمال العربي الأفريقي ، وتطل على البحر المتوسط بساحل طويل يبلغ حوالي 2000 كم تقريباً ، ولها امتداد جغرافي ينتهي في عمق الصحراء يمكنها من مجاورة عدد من البلدان العربية والإفريقية ذات الموقع المتميز في القارة الإفريقية ، وتبلغ مساحتها الجغرافية حوالي 1,760 مليون كم2 ، وقد كان لهذا الموقع المتميز مكانة كبيرة عبر التاريخ إذ يمكن من خلاله قطع شرايين البحر المتوسط، وكذلك الزحف على الشرق الأوسط يميناً ، ويساراً على شمال أفريقيا. ويمكن القول بأن سياسة تأجير القواعد التي أتبعت بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945 – على الرغم من مساسها بسيادة الدولة - لم تكن إلا استثماراً مادياً مباشراً للموقع لكي يكمل الموارد المحدودة في ذلك الوقت . لعل أهم نقطة تحول في تاريخ الاقتصاد الليبي الحديث هي اكتشاف النفط وتصديره بكميات تجارية في عام 1963 إذ يمكن من خلال هذه النقطة أن نميز بين مرحلتين مختلفتين مَّر بهما هذا الاقتصاد وهما كالتالي :- أولاً : مرحلة ما قبل النفط : 1943 - 1962 بإمعان النظر في هذه المرحلة نجد أن ليبيا قد خرجت من الحرب العالمية الثانية وقد دمرت بنيتها التحتية – المتواضعة أصلاً – التي بناها الاستعمار الإيطالي لتحقيق أغراضه فقط ، وفضلاً عن ذلك فقد تعرض الاقتصاد الزراعي للخراب ، لأنه يتمركز في السواحل الشمالية للبلاد التي شهدت معظم عمليات القتال ، وبعد أن أحكم الإنجليز والفرنسيون سيطرتهم على ليبيا في عام 1943 بعد هزيمة جيوش المحور وجدوا أمامهم دولة مزقتها الحروب ، وغير مهيأة للحكم الذاتي ، ومن ثم تمت إدارة البلاد من قبل السلطات العسكرية البريطانية والفرنسية بأقصى ما يكون من الاقتصاد على أساس تلبية الحاجات الآنية فقط ، ولقد كانت البلاد تعيش في تلك الفترة حالة من الفقر المدقع ، حيث قدر متوسط دخل الفرد في أواخر الأربعينات بنحو ( 15 – 20 ) جنيهاً إسترلينيا في السنة. وتجدر الإشارة إلى أن ما يسمى بمرحلة الإدارة الإنجليزية والفرنسية للبلاد التي امتدت من عام ( 1943 – 1951 ) قد أبقى ليبيا غير مستعدة للحكم الذاتي الفعال ، وهو الأمر الذي لا يختلف كثيراً عن فترة الاستعمار الإيطالي ، ولكن مع وجود تحسن هامشي نسبي في خدمات التربية والصحة ، وإن كان ذلك بدون برامج أساسية للتنمية الاقتصادية. ولم يختلف الأمر كثيراً بعد خروج البلد من تحت حماية الأمم المتحدة في ديسمبر عام 1951، فلقد بقيت الأوضاع على ما هي عليه تقريباً ، إذ جابهت الدول الناشئة في ذلك الوقت العديد من المعوقات التي حالت دون الانطلاق نحو التنمية ، ولقد وصف ( بنيامين هيجنز ) – وهو أحد الخبراء الاقتصاديين المشاهير – ليبيا في تلك الفترة بأنها تجمع داخل حدود دولة واحدة جميع المعيقات التي تعرقل التنمية وهي معوقات جغرافية واقتصادية وسياسية واجتماعية وتكنولوجية ، وأنه إذا أمكن أن تصل ليبيا إلى مرحلة النمو القابل للاستمرار الذاتي Sustained Growth فسيكون هناك أمل في النمو لكل دولة أخرى في العالم . ولقد وصف الاقتصاد الليبي في تلك الفترة بأنه ( اقتصاد عجز ) ، بمعنى أن العجز قد شمل الموازنة العامة للدولة وميزان المدفوعات ، وقد كانت معظم المشاريع تعاني عجزاً هيكلياً ، ولم يكن الإنتاج المحلي كافياً لتغطية الطلب المحلي بالرغم من تدني مستوى المعيشة في ذلك الوقت . وظلت المساعدات والهبات التي تقدمها الحكومات الأجنبية والهيئات التابعة للأمم المتحدة وغيرها تمثل المصدر الوحيد لتغطية هذا العجز لعدد من السنوات . وتشير الإحصائيات في تلك الفترة إلى أن حوالي 90% من الشعب الليبي كانت تسوده الأمية ، ( 70% ) من السكان في ليبيا كانوا يحترفون الزراعة والرعي ، وبذلك أحتل هذا القطاع المرتبة الأولى ، إلا أن نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لم تتعد 26% من هذا الناتج ، وقد أتسم القطاع الزراعي بالبدائية في طرق الإنتاج وإدارته ، بالإضافة إلى وجود العديد من العوائق مثل ندرة الموارد المائية لاعتمادها على المعدل المتذبذب لسقوط الأمطار . أما الصناعة بمعناها الحديث فلم يكن لها وجود ، وأقتصر النشاط الصناعي على بعض الصناعات التقليدية التي أتسمت بظاهرة الموسمية وعدم الاستقرار ، لإعتمادها على القطاع الزراعي والرعوي الذي أتسم بالتذبذب وعدم الاستقرار. ولقد كانت الخدمات العامة كالتعليم والصحة والمواصلات في أدنى درجاتها في ذلك الوقت نظراً لمحدودية إيرادات الدولة على وجه العموم ومحدودية الاعتمادات المخصصة لها في الموازنة ، وفي الوقت الذي انتشرت فيه البطالة والركود الاقتصادي كان النقص في رأس المال وتكوينه في كل من القطاعين العام والخاص يمثل العقبة الأساسية في سبيل رفع مستوى الدخل القومي ، فالادخار كان محدوداً جداً ، بسبب انخفاض مستوى الدخل الفردي الذي قدر بحوالي 52 دولار تقريباً في عام 1952 ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفترة السابقة للمرحلة النفطية قد شهدت خطتين للتنمية ولكن لم تنفذ أي منهما نظراً لمحدودية الموارد المالية في ذلك الوقت. ثانياً : مرحلة ما بعد النفط : 1963 – حتى الوقت الراهن لقد شهدت هذه المرحلة في عمومها تحولاً نسبياً في مسار الاقتصاد الليبي نحو الأفضل ، بحيث يمكن القول : أن هذا الاقتصاد بدأ ينتقل من اقتصاد العجز إلى اقتصاد الفائض الذي عمًّ كلاً من ميزان المدفوعات والموازنة العامة للدولة لسنوات عديدة ، ويعزى ذلك إلى ريع الإيرادات النفطية المتدفق عليهما بعد أن عانى كل منهما من عجزً هيكلي استمر لمدة عشرين عاماً ( 1943 – 1962 ) ، على اعتبار أن عام 1943 (العام الذي سيطرت فيه قوات الحلفاء على ليبيا) هو سنة الأساس . ولمزيد من إلقاء الضوء على الاقتصاد الليبي خلال هذه المرحلة فإنه يمكن تمييزها إلى ثلاث فترات كالتالي: 1- فترة الفائض والوفرة المالية الأولى : 1963 – 1981 لقد اتسمت هذه الفترة بالازدهار والوفرة في الموارد المالية من النقد الأجنبي منذ بدايتها في عام 1963 عندما حقق ميزان المدفوعات الليبي فائضاً ملحوظاً لأول مرة في تاريخه ، وامتدت فترة الوفرة المالية حتى عام 1980 ، وقد تدفقت فيها العائدات النفطية بشكل واضح خلال فترة السبعينات ، وبالتحديد بعد حرب أكتوبر 1973 وحتى نهاية عقد السبعينات خاصة الفترة خلال عامي ( 1979 ، 1980 ) التي شهدت بداية الحرب العراقية الإيرانية ، وتعزي الوفرة المالية المتحققة خلال هذه الفترة إلى أن أسعار النفط قد ارتفعت في أواخر عام 1973 وأوائل عام 1974 إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه في منتصف عام 1973 ، وكذلك ارتفعت إلى أربعة أضعاف خلال عامي ( 1979 ، 1980 ) عما كانت عليه قبل الحرب العراقية الإيرانية . وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من وفرة عنصر رأس المال النقدي بصورة قد تفوق القدرة الاستيعابية للاقتصاد الليبي خلال هذه الفترة إلا أنه لم يحدث أي تغير يذكر في بنية الاقتصاد وهيكله ، إذ اتسمت هذه الفترة بالتوسع في الإنفاق الاستهلاكي بقيمة تزايدية ، حيث زاد من 159 مليون دينار عام 1964 إلى 3877 مليون دينار عام 1981 بمتوسط نمو سنوي تراوح بين ( 5% ، 7% ) تقريباً ، وإذا ما قيست هذه الفترة بغيرها من الفترات فهي تعد أفضل الفترات التي مر بها الاقتصاد الليبي منذ عام 1963 وذلك بفضل خطط التنمية الطموحة التي شهدتها إذ تم فيـها تنفيذ ثلاث خطط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية خـلال الأعـوام ( 1963 – 1968 ) ، ( 1973 – 1975 ) ، ( 1976 – 1980 ) ، وقد تبنت هذه الخطط مجموعة من الأهداف أهمها : · الحد من اعتماد الاقتصاد الوطني على نشاط استخراج النفط كمصدر رئيسي للدخل غير متجدد وقابل للنضوب . · تنويع قاعدة الاقتصاد الوطني من خلال الدفع بعجلة التنمية في القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة بهدف خلق اقتصاد إنتاجي متنوع . · زيادة فعالية الأيدي العاملة الوطنية ومساهمتها في بناء المجتمع ، حيث استهدفت استراتيجية التنمية بذل أقصى الجهود الممكنة من أجل التعليم والتدريب للعناصر الوطنية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية . · استغلال الإمكانات والطاقات المتاحة في جميع مدن وقرى وأرياف ليبيا أفضل استغلال ممكن. · العمل بكل الوسائل على تقليل الفوارق والتفاوت في مستويات ومعدلات التنمية والدخل بين المواطنين في مختلف مناطق ليبيا . وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من الاستثمارات الضخمة التي حظيت بها مشاريع التنمية الزراعية والصناعية خلال هذه الفترة إلا أن الاقتصاد الليبي لم يتخلص من سيطرة القطاع النفطي الذي يشكل كل الصادرات الليبية تقريباً منذ عام 1963 ، ومما سبق يتضح أن أهم أهداف خطط التنمية هو إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد غير نفطي لم يتحقق بعد ، وقد كان ذلك في ظل وفرة الموارد من النقد الأجنبي الذي تميزت به هذه الفترة. 2- فترة الأزمة والحصار: 1981 - 1999 لقد تميزت هذه الفترة منذ مطلع الثمانينيات بدخول الاقتصاد الليبي في مرحلة الأزمة نتيجةً لإيقاف الولايات المتحدة لوارداتها من النفط الليبي منذ عام 1981 ( نظراً لتدهور العلاقات السياسية بين البلدين ) بعد أن كانت تستوعب حوالي ( 40% ) من إجمالي صادرات ليبيا النفطية ، وأيضا نتيجةً لتدهور أسعار النفط منذ عام 1982 والركود الاقتصادي الذي تعرضت له البلدان الصناعية الذي أثر ذلك على الدول المصدرة للنفط ومنها ليبيا ، وتجدر الإشارة إلى أن نصيب ليبيا في إنتاج منظمة الأوبك قد أنخفض خلال هذه الفترة إلى حوالي 1,39 مليون برميل يومياً ، بعد أن كان 1,7 مليون برميل يومياً ، وبما أن الصادرات النفطية تمثل كل الصادرات الليبية تقريباً- كما أشرنا – فقد أدى انخفاض أسعارها وكمياتها إلى ظهور العجز في ميزان المدفوعات والموازنة العامة للدولة لسنـوات عديـدة خلال هذه الفترة ، ولقد استخدمت السياسة الكمية المباشرة والرقابة الدقيقة على الصرف الأجنبي وبعض السياسات الأخرى بشكل متشدد لغرض القضاء على هذا العجز إلا أن ذلك قد أدى في النهاية إلى ظهور بعض الآثار الجانبية السلبية أو المشاكل الأخرى مثل السوق الموازية في السلع والسوق السوداء في العملات وارتفاع معدلات التضخم وغيرها من المشاكل ، ولقد تأثرت خطة التنمية الخمسية(81 – 85 ) سلباً نتيجة لتدهور الصادرات النفطية ومن ثم الإيرادات النفطية التي تعد عصب الحياة للخطة ، إذ أدى ذلك إلى تأجيل العديد من مشروعات الخطة ، وكذلك أدى تدهور هذه الصادرات إلى عرقلة الجهود الساعية لإعادة هيكلة الاقتصاد الليبي من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد غير نفطي نتيجة لنقص الموارد المالية من النقد الأجنبي ، بعد أن كانت متوفرة بشكل قد يفيض عن القدرة الاستيعابية للاقتصاد الوطني خلال الفترة السابقة . ومما عمَّق من الأزمة أن تدهور عائدات الصادرات النفطية قد رافقه تغيرات بنيوية حادة تعرض لها الاقتصاد الليبي منذ نهاية السبعينات أدت في النهاية إلى سيطرة الدولة على النشاط الاقتصادي وإلغاء القطــاع الخاص بالكامل تقريبا مع بداية الثمانيناتً ، وقد أدى ذلك إلى ظهـور العديـد من المشاكـل المرتبطة بالقطـاع العام ( المتضخم ) والتي كان لها آثاراً سلبية على الاقتصاد الليبي مثل انخفاض الإنتاجية والبطالة المقنعة أو ما يعرف بالعمالة الزائدة ومشكلة ديون المشروعات العامة وغيرها من المشاكل. وفي نهاية الثمانينيات نشأ اتجاه نحو تحرير الاقتصاد ليلعب القطـاع الخاص دوراً مهماً في النشاط الاقتصادي ، وقد يعكس هذا الاتجاه الإحساس بكبر حجم التكاليف الاقتصادية والاجتماعية التي تكبدها الاقتصاد الليبي نتيجةً لسيطرة الدولة على النشاط الاقتصادي، ويعكس أيضا التحولات والمستجدات العالمية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وما صاحب ذلك من آثار اقتصادية وسياسية على مستوى العالم مما كان له انعكاساته على الاقتصاد الليبي من حيث الاتجاه نحو التخصصية وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص، ويلاحظ البطء في جهود إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي نحو التخصيصية خلال هذه الفترة ويعزى ذلك إلى وجود بعض الأفراد أو الفئات المنتفعة من القطاع العام التي قاومت ومازالت تقاوم هذا الاتجاه ، وأيضا لكون هذا الاتجاه محل جدل إيديولوجي في ليبيا والعديد من الدول النامية. ولقد زاد من عمق الأزمة في هذه الفترة وجود الحصار أو الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة والدول الغربية على ليبيا من خلال تطبيق قرار مجلس الأمن (718 ) لسنة 1992 ، ثم العقوبات التالية في عام 1993 والتي كانت تهدف إلى تجميد الموجودات الليبية المالية ، ولقد تسببت العقوبات التي فرضت على ليبيا منذ عام 1992 في نقص السلع الوسيطة والمواد الخام الضرورية للجهاز الإنتاجي ، كما أن توقف العمل الخارجي للخطوط الجوية الليبية قد أدى إلى تعطيل جانب من الأصول المنتجة التي تعاني من معدلات عالية للإهلاك دون مساهمة في الإنتاج والعائد ، كذلك فإن بطء حركة التجارة الخارجية وورود جانب مهم عن طريق وسطاء قد زاد من التكلفة الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد الليبي نتيجة للحصار والذي قدرت أضراره الاقتصادية بحوالي 3,33 مليار دولار سنوياً ، إضافة إلى ما لحق بالشعب الليبي من أضرار إنسانية منها تعثر دخول بعض المواد الطبية وصعوبة الحصول على الخبرات الفنية التي تحتاجها بعض القطاعات . وقد أدت المخاوف من تشديد الحظر في المستقبل من خلال إتساعه ليشمل الصادرات النفطية قد زاد من مضاعفة الآثار السلبية للحصار ، حيث أدى ذلك إلى تفضيل كل من القطاع العام والخاص للسيولة بدلاً من الدخول في الاستثمار بالرغم من ضآلة احتمال تشديد الحظر في ذلك الوقت نظراً لتعلق ذلك بمصالح الدول الأوروبية التي ستتأثر شركاتها العاملة في ليبيا تأثراً بالغاً إذا انسحبت من البلاد حيث قدرت الخسائر الفورية لها بحوالي أربعة بلايين دولار . وبالرغم من أن الحصار قد تركز أساساً في منع الطيران بين ليبيا وباقي دول العالم وحظر تصدير بعض السلع المرتبطة بقطاع النفط ، ولا يمس الصادرات النفطية مباشرة إلا أن سبع سنوات من الحصار كانت كفيلة بإحداث آثار سلبية عميقة على الاقتصاد الليبي . 3- فترة الفائض والوفرة المالية الثانية 1999 – حتى الوقت الراهن مما لاشك فيه أن هذه الفترة قد شهدت تحولاً نسبياً الاقتصاد الليبي نحو الأفضل إذا ما قورنت بالفترة السابقة لها ، فمع بداية هذه الفترة وبالتحديد في يوم 05 / 04 / 1999 تم تعليق العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة علي ليبيا ، وفي سبتمبر 2003 تم رفع هذه العقوبات بالكامل ، وربما الأمر الأكثر أهمية هو رفع الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر 2004 لعقوباتها التجارية المفروضة على ليبيا ، وقد اقترنت عملية رفع العقوبات الأمريكية مع سحب الولايات المتحدة الأمريكية لاعتراضها على انضمام ليبيا إلى منظمة التجارة العالمية ، وقد مهد ذلك لحصول ليبيا على صفة عضو مراقب في المنظمة مما يتيح لها الحصول على العضوية الكاملة في المستقبل . وقد تزامن تعليق الحصار في عام 1999 مع الارتفاع النسبي في أسعار النفط الذي تميزت به هذه الفترة والذي بدأت بوارده في عام 1999 ، وقد ساعد ذلك على دعم النمو الاقتصادي خاصة مع زيادة الكميات المصدرة من النفط ، فعلى سبيل المثال حقق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2003 نمواً يقدر بنسبة 9% ، ويعزي ذلك إلى زيادة إنتاج النفط بنسبة 28% وحدوث زيادة محدودة في الأنشطة غير الهيدروكربونية تقدر بحوالي 2.2% . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الزيادة في النمو الاقتصادي يتوقع أن تبقى ايجابية نظراً لتوقع استمرار أسعار النفط في الارتفاع خلال المدى المنظور والطويل طبقاً للعديد من الدراسات المستقبلية ( الاستشرافية ) و / أو في ظل الزيادة المتوقعة في كمية الصادرات التي تخطط لها ليبيا خلال المرحلة القادمة إذا أنها تخطط لرفع إنتاجها من 1,6 مليون برميل يومياً في الوقت الراهن إلى حوالي 2 مليون برميل يومياً قبل عام 2010 ، ثم إلى حوالي 3 مليون برميل يومياً بحلول عام 2015 . وقد اتسم الأداء الاقتصادي الكلي بالقوة خلال هذه الفترة إذا ما قورنت بالفترة السابقة وخاصة خلال عامي 2003 ، 2004 حيث تم تسجيل فوائض كبيرة نسبياً في المالية العامة والحساب الجاري الخارجي الأمر الذي يعزى إلى التطورات المواتية في سوق النفط العالمي ، فعلى سبيل المثال تشير التقديرات لعام 2004 إلى أن فائض المالية العامة الكلي وصل إلى حوالي 19% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي ، كما أن النقود بمعناها الواسع قد زادت بحوالي 8.5% ، وقد تحقق فائض في الحساب الجاري يبلغ حوالي 26% من إجمالي الناتج المحلي وذلك نتيجة للزيادة بنسبة 10% في حجم صادرات النفط ، و 29% في سعرها . ولقد شهدت هذه الفترة أيضا توحيد سعر صرف الدينار الليبي اعتباراً من 01 / 01 / 2002. كما تم فيها أيضا إلغاء وجوب الحصول على تراخيص الاستيراد بالإضافة إلى تنظيم عمل الوكالات التجارية ، وقد أدت هذه الخطوات الأخيرة إلى انحسار السوق السوداء للعملات والسوق الموازية للسلع إلى حد كبير ، وهذا بالطبع يساعد على خفض التضخم في الأسعار الناشىء عن الاستخدام المفرط للقيود على التجارة الخارجية والذي أدي إلى ظهور السوق الموازية والسوق السوداء في الاقتصاد الليبي . وقد تم في هذه الفترة أيضا تحديد الحد الأدنى للمساهمين في الشركات المساهمة إلى حوالي 25 مساهم على الأقل - إذا لم يزد رأس مالها علي مليون دينار - بعد أن كان العدد 500 مساهم على الأقل ، وهذه تعد خطوة في الاتجاه الصحيح لتسهيل إقامة هذه الشركات على الأفراد ، ويلاحظ التزايد النسبي للاستثمار الأجنبي في قطاع النفط والغاز الطبيعي عما كان عليه في الفترة السابقة ، فعلى سبيل المثال تم في أكتوبر 2004 افتتاح خط لأنابيب الغاز يربط ليبيا بصقلية في ايطاليا بتكلفة 7 بلايين يورو ، ويلاحظ أيضا خلال هذه الفترة الانتعاش النسبي في وتيرة برنامج الخصخصة وتوسيع قاعدة الملكية بعد أن كان يسير بخطى وئيدة متعثرة خلال الفترة السابقة ، إذ تم إنشاء الهيئة العامة للتمليك عام 2000 وصدرت لائحة التمليك بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 31 لسنة 2003 م ، وبذلك أصبح هناك برنامج محدد وواضح المعالم لتوسيع قاعدة الملكية ونقل ملكية القطاع إلى القطاع الخاص ، وقد تم تطبيق خطة للخصخصة في يناير 2004 تقضي ببيع 360 وحدة اقتصادية استبعدت منها المرافق العامة وقطاع النفط والغاز وقطاعا النقل الجوي والبحري ، وقد تم حتى الآن خصخصة وبيع 61 وحدة اقتصادية إلي مستثمرين محليين . ومن خلال استقراء حزمة السياسات الاقتصادية لهذه الفترة على وجه العموم نجد أن هذه السياسات مازالت تسير بوتيرة بطيئة وهي مازالت غير كافية لتحقيق أهداف خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعادة هيكلة الاقتصاد الليبي بمعناها الواسع الذي يتضمن تحقيق أهداف هذه الخطط ، فعلى سبيل المثال تبين بعض الدراسات أن معدلات النمو المتوقعة في الأجل المتوسط في ظل موقف السياسات الحالية لن تكون كافية لتوليد فرص التوظيف للمنضمين الجدد إلى قوة العمل إذ أن الوتيرة الحالية لإصلاح السياسات الاقتصادية ستكون قاصرة عما يلزم لتوليد زيادة متواصلة في الاستثمار والناتج في المستقبل ، ويتطلب ذلك تنسيق السياسات وتحديد تسلسلها الملائم في سياق برنامج إصلاحي شامل يسهم في دعم المستويات العالية من الاستثمار في رأس المال المادي والبشري ، وفي كفاءة استخدام الموارد المتوفرة لتنويع النشاط الاقتصادي وتحقيق النمو القوي والمستمر والوفاء باحتياجات القوى العاملة سريعة النمو. وتثير هذه الفترة قضية بالغة التعقيد وهي كيفية توظيف وإدارة الفوائض المالية النفطية المتحققة والمتوقع تحقيقها خلال الفترة القادمة بما يكفل بلوغ الأهداف المنشودة لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي لم تحقق خلال الفترات السابقة؟. كما أنها تثير أيضا قضية أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها وهي قضية التفاوت في توزيع الدخل وتركز الدخل في فئة أو طبقة معينة محدودة العدد على حساب الطبقات الأخرى التي تمثل الأغلبية العظمى للمجتمع . وعلى الرغم من عدم وجود دراسة حديثة متاحة - على حد علم كاتب المقال - عن التفاوت في توزيع الدخل خلال هذه الفترة إلا أنه يتوقع أن تكون وتيرة التفاوت قد زادت بشكل ملحوظ نظراً للفوائض المالية النفطية والثبات النسبي لمرتبات العاملين في القطاع العام إذ يمثل هؤلاء حوالي 75% من القوى العاملة أي معظم القوى العاملة في ليبيا . ومما لاشك فيه أن التفاوت في توزيع الدخل يعد أحد العوائق الهامة أمام الإصلاح الاقتصادي ويلغي الإحساس بثمار النمو الاقتصادي لدى الغالبية العظمى من أفراد المجتمع ، ويعني ذلك إلغاء أو إضعاف دور أهم عنصر من عناصر التنمية ألا وهو العنصر البشري ، وحرمانه من المشاركة فيها بشكل فاعل علماً بأن هذا العنصر يمثل محور عملية التنمية أي وسيلتها وغايتها في آن واحد . __________________________________________ * عضو هيئة التدريس – كلية الاقتصاد – جامعة التحدي – سرت / ليبيا مجلة الاقتصاد والتجارة ـ يوليو 2007
|