|
د. السيد ولد أباه: مفهوم الدولة الإسلامية ومخاطر الإيديولوجيا
المنتدى الليبي: تبنت حركة "الإخوان المسلمين" المصرية مشروعاً يتمحور حول فكرة"الدولة الإسلامية". وعلى الرغم من اختلاف التيارات الإسلامية التي خرجت كلها من عباءة "الإخوان المسلمين، فإن تصور الحركة لمفهوم الدولة الإسلامية ظل متواتراً في الخطاب الإسلامي السائد.
ولئن كان المشروع بديهياً لدى قطاع واسع من المتأثرين بالأدبيات "الإخوانية"، إلا أنه في الواقع يطرح إشكاليات عديدة نادراً ما يتم التنبيه إليها،سنقف عند ثلاثة منها:
أولًا: إن مفهوم "الدولة " الذي يستخدم هنا خارج أي سياق تحديدي يفضي إلى الخلط والتمويه. فمن البديهي أننا إذا تجاوزنا الإطار المشترك لمعادلة السلطة السياسية، ظهر لنا أن الدول تختلف أشد الاختلاف من حيث تركيبة الحقل السياسي ومحدداته، ونظام الحكم الذي يسيره وعلاقته بالمجتمع وضوابط وأطر الشرعية، فضلاً عن مشمولات وغائية الفعل السياسي نفسه. ومن دون توضيح هذه المحددات، يصبح أي كلام على الدولة في الإسلام ضرباً من اللغو الفارغ.
في هذا السياق مثلاً، تتعين الإشارة إلى الفرق بين ثلاثة نماذج قديمة من الدولة سبقت تجربة الخلافة، وكان لها تأثير جلي على الفكر السياسي الإسلامي الوسيط، وهي:
ـ "الديمقراطية اليونانية" وسمتها الغالبة هي النظر إلى المدينة بصفتها التعبير عن الجوهر السياسي للإنسان (مقولة مدنية الإنسان بالطبع)، مما يحول الفعل السياسي إلى إطار تداولي حر، ومن ثم دور الخطابة والفلسفة في الشأن السياسي.
ـ "النموذج الإمبراطوري الروماني"، الذي قام قبل مرحلة استيعاب المسيحية على فكرة مزدوجة، هي تأليه الحاكم، وتخويله سلطات مطلقة في الوقت الذي يمارس سلطته بتفويض من المجموعة ضمن أطر مؤسسية دقيقة.
وقد تحول هذا النموذج تدريجياً بعد عصر قسطنطين الأول الذي اعتنق المسيحية إلى ثنائية المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية (ثنائية مملكة الرب ومملكة القيصر).
ـ "النموذج الساساني الفارسي" الذي قام على فكرة الدولة الحارسة للدين المتلازمة معه(أي الديانة الزرادشتية)، مما يجسده عهد أردشير الأول مؤسس الدولة.
فنحن هنا اذن أمام ثلاثة نماذج متمايزة من حيث علاقة الدين بالدولة:
ففي المدينة اليونانية لا يدخل الدين في النسيج السياسي، بل إن الظاهرة الأبرز هنا هي أنسنة الآلهة المتعددة وخضوعها للنظام البشري، وكذلك الأمر نفسه في النموذج الإمبراطوري الروماني الأول، الذي استوعب الثقافة اليونانية ولم يكن لتقديس الإمبراطور فيه دلالة دينية مباشرة، وإنما الغرض منه إضفاء القداسة على الشأن العام الموكول للحاكم المطلق المفوض من المجموعة، في حين نلمس امتزاج الديني والسياسي في النموذج الفارسي القديم.
أما وضع الديانتين السماويتين اللتين سبقتا الإسلام، فكان على النحو التالي:
اليهودية التي لم تخرج من نطاق الديانة القبلية في الوقت الذي تشكل المنظومة الشرائعية مكوناً أسياسياً منها ومرتكزاً لهويتها الخصوصية ونسقها الاجتماعي، والمسيحية التي تحولت من مذهب يهودي معزول ومحارب إلى ديانة للإمبراطورية وإطار شرعي لتوسعها في الوقت الذي تحول نظام الكنيسة الذي تنفرد به إلى هيكل مؤسسي قوي شكل أرضية لقيام سلطة دينية قوية تسير وعي الأفراد وانتمائهم الديني.
ثانياً: في مقابل هذه النماذج المذكورة، لا بد من التنبيه في ما وراء الجدل العقيم حول منزلة الدولة في الإسلام، إن البنية العقدية للدين الحنيف الجديد تميزت بخاصيتين فريدتين هما الفصل الجلي بين الإيمان والأطر الجماعية الضابطة للمعتقدات والسلوك (ما عبرت عنه ثنائية الإيمان والعمل في المباحث الكلامية الوسيطة) كما هو مذهب أغلب طوائف الأمة، والتمييز الواضح بين الأمة والدولة، بحيث يكون إطار العيش المشترك الضروري هو الجماعة، وليس سلطة الإكراه والقوة.
أما المبدأ الأول فينتج عنه أمر محوري، هو أن الانتماء الديني اعتقاد فردي وسلوك شخصي لا يتوقف على أي سلطة دينية أو سياسية، وأما المبدأ الثاني فينتج عنه تصور الدولة من حيث هي عقد بين الحاكم والجماعة سواء كان عقداً بالتراضي والتشاور كما هو الأكمل أو بالتغلب الذي هو حقيقة السياسة كما نظر إليها الفقهاء بتجرد وواقعية خارج كل تقويم معياري لشرعية الدولة.
أما مبحث الإمامة كما يرد في الكتابات الشرعية الوسيطة، ففضلاً عن اعتباره من الظنيات "التي لا يُقطع فيها بقول" حسب عبارة حجة الإسلام الغزالي، فإنه لم يكن يعني تأسيس النموذج الإسلامي للحكم كما يرى الإسلاميون المعاصرون مستندين إلى مقولة الماوردي المتأخرة التي أخذ بها كتاب "الأحكام السلطانية"، وهي "أن الإمامة موضوعة لحراسة الدين وسياسة الدنيا". وإذا كان البعض يرجع هذه المقولة الى التأثير الفارسي (عهد أردشير الذي يستخدم العبارة نفسها تقريباً)، فإننا نميل إلى أن عبارة "دين " لا تستخدم في سياق تأسيسي معياري (بمعنى بناء الحكم على الشرعية الدينية)، وإنما في إطار نظرية مقاصد الشرع الكبرى كما بلورها الأصوليون ملخصة في ضابطين كبيرين هما حفظ حقوق الإنسان في انتمائه الديني وفي انتمائه للمجموعة. فالفقهاء في العصور الوسطى ذهبوا في الغالب إلى النظر للدولة من حيث هي سلطة إكراه وقهر لا مناص منها لحفظ الأمن الجماعي والدفاع عن الأمة وعقيدتها، فكانوا إذن بعيدين من التصور اليوناني -الروماني للدولة بصفتها تعبيراً عن هوية الفرد وطبيعة الإنسان العقلية المدنية، كما كانوا بعيدين عن التصور الساساني للدولة التوأم للدين.
ثالثاً: من الواضح أن الخطاب الإسلامي المعاصر استبطن بطريقة غير واعية ومدمرة مفهوم السيادة كما بلورته النظريات السياسية الحديثة. ولهذا المفهوم خلفيات لاهوتية من صلب العقائد المسيحية كما بين الفيلسوف والقانوني الألماني كارل شميت، ومن بعده المفكران الفرنسي جاك دريدا والإيطالي جورجيو أجامبن. ذلك أن مفهوم السيادة انبثق في البداية من مفهوم التجسد ومقولة الأقانيم الثلاثة لحسم معضلة الطبيعة المزدوجة لشخصية المسيح، وأفضى إلى فكرة السيطرة المطلقة غير القابلة للانقسام والتجزؤ، وإن كان من الممكن تجسيدها في شكل سلطة تمثيل تحولت تدريجياً من نموذج الحاكم المطلق إلى الدولة بمفهومها الحديث كتعبير عن الرباط الجماعي المشترك.
فالدولة من هذا المنظور، ورثت الدين وقدمت نفسها تجسيداً لمطلقاته، فاعتبرها هوبز"الإله الفاني "، ونظر إليها هيجل من حيث هي "التعبير الفعلي عن جوهر الدين". وما أبعد هذا التصور عن المقاربة الإسلامية للدين بصفته إيماناً بخالق مطلق غير متجسد، كامل الاختلاف عن البشر، مما يحول دون أي تصور للدولة كتعبير عن المطلق المنحصر في الإلوهية في تفردها الأزلي الذي لا يمكن الوصول إليه بالمعرفة الإدراكية، وإنما هي علاقة عبادة وحب كما ترجمها أعلام الصوفية في نصوصهم الجميلة.
إن الخطورة في فكرة "الدولة الإسلامية" تكمن في إضفاء الشرعية الدينية على الدولة بمفهومها الشمولي الاطلاقي الحديث، الذي يجعلها متمنعة على كل توظيف ديني خاص. والنتيجة الوحيدة لهذا الانزياح هي تحويل الإسلام من دين إلى مجرد إيديولوجيا.
الاتحاد – 3 مارس 2009 |