|
د . قـدري الأطـرش : الذكري الستين لقرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيـا
أثنـاء الحرب العالمية الثانيـة ( 1939 – 1945 ) اغتنمت المقاومة الليبية في المهجر حاجة الحلفـاء في صراعهم مع المحور إلى مساعـدة الليبييـن على طرد قـوات رومل من الصحراء الليبيـة ، فاتفقوا على تكوين فرقة من المناضلين الليبييـن ضمن قوات الحلفاء لمساعدة الحلفاء على هزيمة قوات المحـور وإخراجهم من ليبيـا ، ثم بعد الانتصار عليها تعود أمور البـلاد إلى أهلها ويعلن استقلالها .
بعد هزيمة قوات المحور وخروجها من ليبيا عام 42 ، وفي نهاية الحرب في عام 45 ، تنكر الحلفاء لوعودهم للمقاومة الليبية ، وفي إطار تسويات الحرب تفاهم الحلفاء على اقتسام ليبيا في إطار اتفاق (بيفن سفروزا) ، الذي يضع إقليم برقة تحت الإدارة البريطانية ، وإقليم طرابلس للإيطاليين والأمريكيين ، وإقليم فزان لفرنسا ، غير أن هذا المخطط الاستعماري واجهة الشعب الليبي بالمظاهرات والاحتجاجات والمسيرات العارمة في كل المدن الليبية ، مطالبين باستقلال ليبيا الكامل الأمر الذي استدعي تدخل منظمة الأمم المتحدة استجابة للمطالب التي عبرت عنها الوفود الليبية العديدة ، اذكر منها الوفد الذي ضم كل من شملتهم رحمة الله وهم الأستاذ خليل القلال ، والأستاذ عبد الرازق شقلوف ، والأستاذ عمر شنيب .
في مارس 1948 أوفدت الأمم المتحدة لجنة دولية لتقصى الحقائق عن مطالب الشعب الليبي ، ودراسة الأوضاع السياسية في ليبيا ، وتقديم تقرير للجمعية العامة عن مطالب الشعب الليبي ، وقد زارت اللجنـة الدولية المدن الليبية والتقـت بالقيادات السياسية وأعيان البـلاد والمنظمات السياسيـة وقيـادة جمعية عمر المختـار ، وفي نهايـة مهمتها قدمـت تقريرها وتوصياتها عن مطالب الشعب الليبي بالاستقـلال إلى الجمعية العامة .
في 21 نوفمبر 1949 أصدرت الجمعية العامة قراراً بإعلان استقلال ليبيا في موعد أقصاه أول يناير سنة 1952 ، صادقت علي القرار 48 دولة وعارضته دولة واحدة وامتنعت عن التصويت 9 دول ، ويقضي القرار بتعيين مندوباً للأمم المتحدة ( ادريان بلت ) ليساعد ليبيـا على صياغة دستورها وتشكيل حكومتها الجديدة ، على أن يساعده في مهمته مجلس يتكون من عشرة أعضـاء عن ( مصر و بريطانيا و أمريكا و فرنسا و إيطاليا و الباكستان ) وثلاثـة مندوبيـن عن الأقاليم ومندوباً عن الأقليات في ليبيـا ، قـرر مندوب الأمم المتحدة ( ادريان بلت ) بعد التشاور مع أعضاء المجلس الذي يساعده ، تكوين لجنة من 23 عضواً لاختيار الجمعية الوطنية التأسيسية من ستين عضواً .. عشرون عضواً عن كل من الأقاليم طرابلس و برقـة و فـزان .
في 7 أكتوبر 1950 أقرت الجمعيـة الوطنيـة التأسيسيـة صياغة الدستور وصادقت عليـه ، وهو مكون من 213 مـادة تقرر قيام الدولـة الليبيـة في شكل مملكة اتحادية لغتها العربيـة ودينها الإسـلام ، ولها عاصمتين ( طرابلس و بنغازي ) ، والسلطة التشريعيـة بيد مجلس الأمـة ، والملك الرئيس الأعلى للدولـة، ومجلس الأمـة يتكون من مجلس الشيوخ ، ومجلس النـواب الذي يتكون من 55 نائبـاً ، 35 عن ولاية طرابلس ، و15عن ولايـة برقـة ، و 5 عن ولايـة فـزان .
في 24 ديسمبر 1951 أعلن من بنغازي استقـلال ليبيـا كدولـة مستقلـة ذات سيادة في شكل المملكة الليبيـة المتحدة .
في أول فبراير 1952 رحبت الأمم المتحـدة بقبول ليبيـا عضواً في المنظمة الدولية ، وأشاد مندوبو العراق والولايات المتحدة وفرنسا والباكستان بالكفاح الوطني للشعب الليبي وحكمه قيادته ، مما ساعد المنظمة الدولية على إنجاز عملية الاستقلال و قيام الدولة الليبية الجديدة في صورة حضارية تمت في سـلام وهدوء ، وقد وردت الإشارة إلى ذلك في كلمات المندوبيـن : ( فضل المجالي ) عن العـراق ، و ( عبد الرحيـم خـان ) عن الباكستـان ، و ( جون كوبر ) عن الولايات المتحدة الأمريكية ، و ( جيرار دوموبون ) عن فرنسـا .
كما أكد مندوب الأمم المتحـدة ومساعدوه إن استقلال ليبيـا تقرر استجابة للرغبة الوطنية للشعب الليبـي ، وان البـلاد تحتاج إلى وضع مؤسسات ماليـة تساعدها على تنمية مواردها الوطنيـة .
في 23 مـارس 1952 شكلت أول حكومـة اتحاديـة ليبيـة برئاسة أحـد الأعيـان من الشخصيات الوطنية الهامـة الأستاذ محمود المنتصر ، وباشرت الدولـة الليبية مظاهر سيادتها إقليما ودولياً ، وأنشأت علاقات دبلوماسية مع الدول الهامة ، وأبرمت الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مع بريطانيا عام ( 53 ) ، وأمريكا عام ( 54 ) ، وفرنسا عام ( 55 ) ، وشرعت في عملية التنمية وفق الظروف الاقتصادية الشحيحة في ذلك الوقت ، مركزه اهتمامها على بناء المؤسسات التعليميـة و الخدمات الصحيـة .
اتضح مع الأيام إن النظام الاتحادي لا يستجيب للتوجهات الوحدوية للشعب الليبي ، فعدل الدستور و تحول النظام في ليبيـا إلى دولة موحدة بدلاً من النظام الاتحادي عام 1963 .
بعد تداعيات المتغيرات الدوليـة في الوطن العربي من حرب التحريـر 48 التي شارك فيها المجاهدون الليبيون ، وبعد عـدوان 56 ، وعـدوان يونيه 67 ، تفجرت ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 ، وتحولت ليبيـا إلى نظام جماهيري نموذجي على الساحة الدولية .
أعتقـد انه من الواجب الوطني توثيق بعض هذه الحقائق التاريخية الهامة من حياة مجتمعنا ، لأنها جزء من المسيـرة النضاليـة الطويلة للشعب الليبـي من اجل تحقيق حريـة وعزة هذا الوطـن .
4 مايو 2009 |