|
الكتلة الوطنية .. وليبيا الأربعينيات
محمد محمد المفتي: لم يكتب بعد تاريخ الكتلة الوطنية الحرة ، تلك المنظمة السياسية التي كانت تحرك الشارع السياسي بمدينة طرابلس في منتصف الأربـعـينيات. وبقدر ما كانت الكتلة منظمة وطـنـية نضالية، إلا أنـها فـقـدت كثيرا من حضورها أمام نمو دور المؤتمر الوطني بزعامة بشير السعداوي .. ربما بسبب تطرفـها واقتـصار نشاطـها على المدينة دون الدواخل.
وقد حالفني الحظ مؤخرا بالتعرف على أحد شـباب الكتلة، الحاج محمد شـراطة الذي قضى بضع سـنين في السجن نتيجة نشاطه السياسي تحت رايـتها .. وسـتـساعدنا شـهادات الحاج محمد في رسم شتى التفاصيل الهـامة. وقد التقيت الحاج شراطة أكثر من مرة وسـجلت أحاديثه معي. إثر الحرب العالمية الثانية تضمن المشـهد العام في بعض المدن الليبية مزيجا من الصور .. خراب ودمار للمباني والمرافـق، نقص فى المؤن والخدمات، اقتلاع للأسـر والجماعات .. ألوف من البسطاء الباحثين عن طعام ومأوى. وأيضا لصوص ومتاجرين بالمواد الغذائية. ولـعـل الأزمة الأكبر في مدن كبرى مثل طرابلس وبنغازي، تمثلت في غياب الإدارة والتمويل. وهـكذا ، وبـعد توقف المعارك، سارعت القـوة المنتصرة (الحلفاء) بتأسيس إدارة عسكرية بريطانية فى طرابلس وبرقة، وأخرى فـرنسية فى فزان ..
لتحل محل السلطة الإيطالية التي اخـتـفت فجــأة .. وقامت الإدارة العسـكرية بتسيير الأمـور وحفظ الأمن، مسـتعـينة بالكفاءات الادارية المحلية، وكانت قليلة ومعظمهم ممن سـبق له العمل في الإدارات الإيطالية. المشكلة الأخرى تمثلت في الفـراغ السياسي.. ولهذا سمحت الإدارة البريطانية بحرية الصحافة، وتشكيل التنظيمات السياسية. وفى ذلك المناخ ، نشطت النخب الليبية من شباب المدن، وأعيانها، ومشائخ القبائل وزعماء المناطق، والعائدين من المهجر.. على تباين قدراتهم وخبراتهم ، واختلاف قـناعاتهم وطموحاتهم. برقـــــــة فى برقة ، كسب إدريس السـنوسي الرهان الوحيد المتاح ألا وهو التحالف مع الإنجليز أعداء إيطاليا آنذاك. وهكذا نشأ الجيش السنوسى أوجيش التحرير، برعاية انجلترا، عند ’’ الكيلو تسعة ‘‘ فى الجيزة، قرب القاهرة. وكان جيشا بسيط التسليح والتدريب استفاد منه الانجليز كقوة مساعدة ومقـبولة لدى السكان. وتدريجيا جمع السيد إدريس حـوله أعيان المدن ومشائخ القبائل، ليكون في ما بـعـد المؤتمر الوطني البرقاوي. وفي بنغازي ودرنة تبلورت شريحة شبابية .. سـبق لها الانفتاح على المناخ السياسي العربي في مصر والمشرق، ومن بين هـؤلاء سيبرز قادة المعارضة الوطنية مؤسسي جمعية عمر المختار. النــــادي الأدبي يحتل النادي الأدبي في طرابلس مكانـة بارزة في تاريخ المدينة الثـقافي والسياسي وأيـضـا كأول مؤسـسـة ثـقافـية في تاريخ البلاد الليبية. وقد تأسس أصلا عام 1920 أي في فترة الهـدنـة إثر صلح سواني بن يادم وفي زمن صدور صحيفة اللواء الطرابلسي .. لقد كان النادي مؤشرا ليدايات نضج الشريحة المـثـقـفة وتـصـديـها لواجـباتـها إزاء مـجـتمـعـها.. لبث روح الفضيلة والأخـلاق ونشر العلوم والمعرفة بين طبقات الشعب، كما تـقـول مذكرة بخـط أحـد مؤسـسـيه وهـو المرحـوم علي الفقيـه حسن. كما افتتـح النادي مدرسـة ليلية. وكان أن أقـفـلتـه السلطات الإيطالية في ما بـعـد، ليعـاد تأسـيسه عام 1943 حين تولى رئاسـته الشـاعر أحمد الفقـيـه حسن. وفي سـنـة 1946 تولى رئاسـته الشـاعر أحـمد قـنـابـه. وهـو غـير محمد قـنابة صاحب جريدة المرصاد السـاخرة وأحـد أنصار الكتلة الوطـنـية ، وغـير امحـمّـد قـنـابة وهـو من مـؤيـدي المؤتمر.
وآل قـنابة من سـكان المدينة القديمة وكان أجدادهم من المتاجرين مع كانو في تشـاد. طـرابـلـــس في طرابلس كانت هناك شريحة هامة، متعلمة، وذات خبرات .. من الذين عملوا مع السلطة الايطالية، ولعل أشهرهم وأبرزهم كفـاءة محمود المنتصر وأبو الاسعاد العالم (المفتي) .. وسيكون لكلــيـهـما دور هام في تأسيس المملكة الليبية. ومن مصر أيضا عاد كثير من قادة طرابلس، يحملون شكوكا ربما بلغت حد الكراهية، لإدريس. وكانت هذه العواطف وليدة ملابسات تاريخية مـعـقـدة. بيـنما بقي آخرون في مصر، ومنـهـم الشيخ الطاهر الزاوى، بما يحمل من كراهية عميقة لإدريس بدعم وتحريض الأستاذ عبد الرحمن عزام، الزعيم العروبى، الشديد الكره للسنوسية، الذي ارتبط في شبابه بقيام الجمهورية الطرابلسية، والذى أمسى مع تأسيس الجامعة العربية سكرتيرها العام بكل ما يحمله ذلك الموقع من هيبة ونفوذ. وسـيؤسـس الزاوي اللجنة الطرابلسية في القاهرة، التي وإن لم تكتسب أي تأييد واسـع، إلا أنـها ظلت الصوت المناهـض والعالي ضـد كل برامـج الأمير إدريس. الـحـركــات السـياسية انعكست كل هذه الحساسيات الجهوية، والاختلافات السياسية ، والانتماءات التاريخية، على التكوينات السياسية التي ظهرت في الأربعينيات، والتي اتسمت بالارتجالية والمبادرات العشوائية، أكثر من كونها أحزابا منظمة. ولهذا كان تبدل الولاءات والمواقف والتحالفات السريعة التغيّر، سمة تلك الحقبة. وقـد كان النادي الأدبي الحاضنَ الأول للتوجهات السياسية بعد الحرب العالمية الثانية. وفى النصف الثاني من الأربعينات تبلورت تلك التوجهات في تنظيمات سياسية هي: الحزب الوطنى بزعامة مصطفى ميزران ، الذى كان مديرا لمدرسة الفنون والصنائع فى طرابلس وعديل محمود المنتصر وإن اختلفت مواقـفـهما. الكتلة الوطنية الحرة بقيادة على الفـقيه حسن والتي نادت بوحـدة واستقلال ليبيا، والانضمام الى الجامعة العربية، مع ترك حرية اختيار نظام الحكم للشعب الليبى. واحتفظت الكتلة بكراهية خاصة لإدريس السنوسي والإنجليز، وفيما بعد عارضت المنحي التوفيقي للسعداوي. حزب الاستقلال برئاسة سالم المنتصر، الذى حظى بدعم الجالية الايطالية فى طرابلس، ولذلك اعـتبر تنظيما مشبوه الأهداف والتمويل فى نظر معاصريه. حزب الأحرار وأسـسه صادق بن زراع وعلى دريبيكة، ولم يكن له ثقل جماهيرى . حزب الاتحاد المصرى الطرابلسى الذى أسسه على بن رجب.
حزب العـمال الكـتـــــلة الوطـنـــــية الحرة وفي هذه الفترة المبكرة .. كانت الكتلة الوطـنية هي التـنـظـيم الأكـبـر شـعبية وحـضـورا، وكانت هي التي تـقـود الشـارع السياسي في مدينة طرابلس دون مـنـازع .. ولكن إلى حين عـودة السـعـداوي كما سـنرى. المـواجـهات والتسـويات كان الشعار المشترك بين الجميع .. هـو شعار الاستقلال. ورآه البرقاويون استقلالا لبرقة بالدرجة الأولى، وتحت إمارة إدريس فى كل الأحوال. بينما رآته جمعية عمر المختار في برقة ومختلف التنظيمات الطرابلسية استقلالا ليبيا، بإدريس أو بدونه على الأرجح ، مع انضمام الدولة الجديدة الى الجامعة العربية. وعلى طول الطريق إلي الاستقلال، نشبت معارك كلامية كثيرة، وسلسلة لا متناهية الخلافات، صاحبها كثير من تغيير المواقف. وعموما، تحولت معظم المواقف فى برقة وطرابلس، تدريجيا نحو القبول بزعامة إدريس، وبالتالى مجاراته فى تكتيكاته المتدرجة والبراغماتية، وحدث ذلك فعليا وبحماس لدى البعض، وإسميا لدى الصفوة المتعلمة المعارضة أصلا فى طرابلس وبنغازى. لكن قبولهم وتأييدهم اللفـظى، لم يحمهم من الاسـتبعاد بمجرد استقـرار الأمور، وكان استبعادهم أساسا مطلبا مضمرًا لدى الجماعة الأكثر قـلـقا، أي لدى الفئة التى نشأت فى عهد الادارة الايطالية والتي تـســلـمـت إدارة الدولة الجديدة .
أويا ـ 25 يونيو 2009 |