الأصول النخبوية ،هل تأخذ مكانها في الأجندة الأربعينية
محمد عمر: يعلم المتخصص وغير المتخصص المدلول الماليلكلمة أصل أو أصول، والتي يشكل مجموعها الكيان المادي والمعنوي للمؤسسة المالكة لهذه الأصول . ويحرص منظم المشروع ومديره الرشيد عندإنشائه مشروعه على اختيار الأجدى والأفضل والأحدث من هذه الأصول، وذلك بهدف ضمان إجادة هذه الأصول للدور التنافسي المؤمل منها أن تلعبه في بيئة الأعمال، ذلك الدور الذي يؤدي عند تحققه إلى تحقيق أفضل المعدلات في توليد العائدات.
كما يعلمالكثير أن منالمدلولات العديدة لكلمةنخبة أو صفوةتعبيرها عن الجزء المفضل والمنتقى من شيء ما، وذلك لما لهذا الجزء من صفات حسنة وخصال نافعة مفيدة . ويُستدعى لفظ النخب لوصف الأشخاص المشهود لهم بالتميز والريادةفيما يقومون به من أعمال وما يسند لهم من مسئوليات، وذلك لما حظوا به من صفات خِلقية فذة، وما استحوذوا عليهمن سامي الدرجات العلمية، وما تراكم لديهم من خبرات عملية، مكنتهم جميعها من أن يتصدروا الصفوف الأمامية في خوض معركة التحدي الحضاري نيابة عن المجتمع ولأجله، تلك المعركة التي ينال المجتمع حقه في الوجود بها ويفقده بخسرانها.
ويمكن، ولو من أجل التوضيح، تشبيه الدور الذي يقوم بهصاحب المشروع الرشيد عند انتقائه للأصول الصانعة للربح والمولدة للنقود والقادرة على التحدي في عالم الأعمال معالدور الذي يقوم به رئيس الدولة أو رئيس مؤسسة من مؤسساتها عند قيامه باختيار الأصول البشرية التي يُلقى على عاتقها مسئولية تحقيق المجد وصناعة الحضارة وإتقان لعبة التحدي من أجل الوجود.
ما أجلَّه من عمل وأعظمه من إنجاز ذلك الذي يصنع به صاحبه صناع الحضارة ورواد التقدم، وما أبره من حاكم وأصدقه من راع ذلك الذي يهب الموهوبين ويبني البنائين، دروع الأمة ومحققي وجودها ،وما أخلده من اسم وأبدعها من كنية تلك التي يعرف صاحبها بأبي البناة وواهب الموهوبين.
كثيرا ما نصف عدم إقفال مؤسسة من المؤسسات لحساباتها وتحديد نتائج أعمالها، وما يستتبع ذلك من إجراءات فنية تضع الأصول في بؤرة اهتمامها الأول، من حيث كفاءتها، وكفايتها،وتقييمها، ونقد مردوديتها، وقدرتها على منافسة أمثالهافي بيئة عمل المشروع، وغير ذلك من أسئلة كبيرة يتحتم الإجابة عنها عند تصوير ورصد ونقد الموقف المالي لمؤسسة الأعمال التي لا تقوم إلا على الأصول ولا تسير إلا بطاقتها . أجل إننا نصف كل ذلك بالعمل غير الصحيح فنيا وقانونيا ، ومن تم خلقيا ودينيا، كما نصفه أيضا بأنه عمل غير مسؤول، وذلك لما ينشأ عن هذا العمل من أضرار قد تقود إلى فشلالمؤسسة وربما موتها، الأمر الذي يستدعي معاقبة من أهمل وتجريم من تعمد.
غير أننا لا نقف الموقف نفسه تجاه ما دأبنا على ارتكابه من إهمال مقصود وغير مقصود في رصد ومتابعة حركة أرصدة أصولنا النخبوية والوقوف على ما يعتريها من تناقص في عددها أو تراجع في كفاءتها ، بل ربما إلى اضمحلالها بالكامل بسبب ما أحدثه ويحدثه هذا الإهمال من انقطاع لشرايين حياتها، وانعدام لشروط تأهلها وكفاءتها لخوض دوريات مباراة لعبة الحضارة المتصلة أشواطها، والتي لا تجيدها إلا النخبة، ولا تتقنها إلا الصفوة.
لا شك أن الإهمال المقصود وغير المقصود لإعداد وتطوير هذه الأصول ونشر البيانات الدورية عنها وعن نتائج نشاطها، لا يمكن أن يؤدي إلى إلا تراجع تراكمي في قيم هذه الأصول، وإلى نخر في أساساتها وأعمدة بنائها،وهو يؤدي عاجلا أو آجلا إلىانهيار الدولة كلها .
إن نخب المجتمع وصفوته هم أصوله وأعمدة بنائه وأساسات كيانه، من مفكرين وأدباء وذوي المهارات الفائقة في مجالات العلوم والأعمال وأصحاب المواهب الفذة وذوي النشاطات الإنسانية والخيرية المتميزة، والذين جميعهم يشتركون في صناعة ذلك الرقم الذي يظهر على لوحة نتائج السباق الملتمعة والمنتصبة في مركز ذلك المضمار الدائري الممتد بامتداد الحياة، والذي تكابد فيه النخبة المشاق وتقابل الصفوة على أرضه صنوف التحدي، نائبة عن الوطن وعاملة لأجله.
كما أن النخبة الخيرة والصفوة الصافية أهم وأنبل ما للدولة من أصول وأثمن ما تحتفظ به من موارد وكنوز، وإن تكوين هذه الكنوز ومضاعفتها فن تتقنه الأمة التي ترى في الصفوة والنخبة برهان وجودها وفلاحها، ولا ترى في الصفوة جسما غريبا متسلطا ينتهز فرصة تقدمه الصفوف ليلتف على هذه الصفوف ويسخرها لحسابه . فليس من الصفوة أبدا من أُصطفِي فتمرد واستكبر ظاناً أن ما أوتيه على علم عنده . وليس من النخبة من انتخِب فظن بما عنده على من حوله خوفا منهم أن ينافسوه فيزيحوه .
ظهرت النوايا الحسنة متبوعة بالمحاولات الجادة لبناء وصناعة النخب في بلادنا منذ بواكير قيام الدولة ، وأمضينا الكثير من الوقت وصرفنا الباهظ من الأموال، بل ربما أوقفنا آلاف الأسماء من أصحاب الطاقات الشابة والإمكانيات الواعدة على ذمة مشروع حضاري أسرفنا كثيرا في الدعاية له وبخلنا كثيرا في منحه ما يستحق من عناصر الحياة، فمات قبل أن يولد، ومات معه أولئك التعساء الموقوفون لأجله . ويكفي لذلك مثلا مشروع السكة الحديدية .
سعينا إلى صناعة النخب العسكرية وإلى درجة عسكرة المجتمع بأكمله، وأرهقنا ميزانية الدولة من أجل الوصول إلى رقم ما في عدد المجيشين، ولربما بلغنا ذلك الرقم الذي نريد وأكملنا تجهيز الورشة العسكرية بما يكفيها لصناعة تلك النخب وتأهيلها ، إلا أن حسن النية ووردي الأحلام لا يكفي وحده في عالم يصنع من أحلامه ونواياه برامج عمل فائقة الدقة مضمونة النتائج مستعينا على ذلك بأدوات المعرفة والتقييم التي تحول تلك البرامج إلى أرقام ناطقة وخطط واثقة ممهورة بتوقيع الحواسيب الآلية وبرامجها الذكية والتي لا تجيد إلا لغة الأرقام عديمة الوشائج منقطعة النسب بكل نية حسنة أو حلم وردي أو رغبةفطرية ساذجة. ولأننا لا نجيد أو لا نريد التعامل مع هذه الأجهزة الصريحة الذكية وبرامجها المزعجة الشقية، فضلنا الإبحار دونما بوصلة، فضللنا الطريق، وابتعدت المرافئ، وعز الأمل، وابتعد الحلم الذي تأخذنا إليه النخبة وتصنعه لنا الصفوة ولا أحد غيرها .
كما سعينا إلى صناعة النخب السياسية وإلى درجة عمدنا فيها إلى تسييس المجتمع بأكمله مدفوعين بذات النوايا ونفس الأحلام التي صورت لنا بأن يكون المجتمع كله نخبة سياسية تمارس لعبة السياسة الخطيرة والتي لا يتقنها إلا المهرة ولا يجيدها إلا المتمرسون ، فغابت المهارات النخبوية وتوارت الصفوة لجرأة الهواة على فنون اللعبة، ولما أحدثوه من خرق في قواعد المعادلات السياسية العتيدة، فاسترخص الموهوبون الرهان واستحقرت النخبة والصفوة الكؤوس المقلدة والميداليات المزيفة التي باتت تمنح للجميع بمجرد تزاحمهم وتكدسهم فوق خشبة المسرح السياسي المترهل الفضفاض، ودونما تمحيص لقدرتهم أو اكتناه لكفاءاتهم ، فولي الأمر لغير أهله وأسندت الأمانة لغير أصحابها، واستمرأ الكثير شأن الولاية واستحقروا أمر الإمارة التي تعلو على كل شأن وترجح كل أمر .
دخل الكثير منا مراكز التعليم والتأهيل الفني والتقني، وبغير ما فرز مبدئي يتعرف به العبقري على نفسه ويوفر عليهوقت الانتظار الطويل الذي ألزمناه دفعه بحجة المساواة بينه وبين غيره ممن هم بحكم خلقتهم أقل ذكاء وأضعف عودا، والذين أجبروا هم أيضا على اللعب مع غير فئتهم فأضناهم ذلك واستثقلوه، وكانت النتيجة ضررا مركبا طال الفريقين وكابحا سلبيا شتت كل الجهود وبعثر محتويات سلة الأحلام التي من بينها بل في مقدمتها حلم صناعة النخب العلمية والتقنية بجميع أصنافهم، والذينبدونهم سوف نظل نلهث عابثين لتحقيق نقلة اقتصادية نوعية أو مجد سياسي حقيقي أو تقدم اجتماعي يضعنا في فلك أمثالنا من شعوب الأرض الذين لم تخرجهم إلا نخبتهم وصفوتهم من عصور ظلمتهم وشقوتهم.
ليس هناك من سبب يحول بيننا وبين تكوين هذه النخب العلمية والتقنية وغيرها سوى قصورنا عن إدراك دورها وأهميته،وتهويننا لِشأن سياسة إدارة الأصول والموارد البشرية، وسيطرة روح الاستخفاف بكل ما هو وطني المنشأ، وخذلان كل طاقة تحاول أن تشق طريقها نحو أفق صناعة المجد العلمي والتفوق الحضاري، ذلك المجد الذي لم يسبق لأمة أن أحرزته وهي خلو من نخبتها أو صفر من صفوتها.
لابد لنا، ونحن في هذه القرية العالمية الصغيرة ، من أن نعمل على ضبط إيقاع حياتنا على الإيقاع الموحد لهذه القرية، والذي تصنعه وتضبطه أصابع النخبة في مجالات الحياة المختلفة، بل صارت النخبة والصفوة بأصنافها المختلفة الرقم الأساس الذي تنتسب إليه الأمة بأكملها، فتعلو شأنا بعلو هذا الرقم وتدنو بدنوه ، ذلك أن عدد العلماء والتقنيين والاختصاصيين في مجالات الحياة المختلفة أصبح رقما يكلل به جبين الأمة وتاجا تتباهى به بين الأمم . بل صارت الدول تتنافس فيما بينها على تعظيم قيمة ذلك المؤشر الناشئمن ناتج الكسر الذي مقامه دائما عدد أفراد المجتمع وبسطه عدد أفراد النخبة بكل أطيافها، فيعظم شأن الأمة بعظم هذا المؤشر ويصغر بصغره . كيف لا وهو يشير إلى نسبة المكون الذكي الراشد الفاعل في جسم الأمة، ويشير كذلك إلى طول ذراع الرفع الفعال الذي تعلو به شعوب رغم قلة أفرادها وتهبط به أخرى مهما بلغ تعدادها . إنه المؤشر ذاته الذي يعلي للفرد قيمته فيفاخر بذلك، أو يضعه فيخزى . إنه بحق المؤشر الذي يعلو فيمدح، أو يدنو فيفضح.
إن ما نشيده من قلاع وما نستحوذ عليه من أشياء وإن بدا لنا ظاهرا تملكها ، إلا أن التملك الحقيقي لها لن يتأتى إلا بقدرتنا على صنعها وصيانتها وتطويرها، وهو أمر لن يتحقق أبدا إلا إذا تحققت قدرتنا على ولادة تلك النخب التي بعقولها وعلومها نمتلك المفاتيح الحقيقية لكل ما نشيد من قلاع وما نبني من صروح، وبسواعدها الرشيدة الذكية يهون كل صعب ويتذلل كل عصي .
لا يجب أن نتوجس خيفة من النخبة ونصنع من خوفنا هذا حواجز أمامها، والحال أن النخبة طاقة متأججة وتيار متدفق لا يصده صاد ولا يكبحه كابح وذلك بحكم نواميس الحياة، شاء من شاء وأبى من أبى، وما تفعله تلك الحواجز ليس إلا الحؤول دون الأوزان الثقيلة والقامات السامقة والماسات الكبيرة الثمينة من النخب من المرور إلى حيث يسير بها تيار سيرها المعتاد، وهو بالطبع مسقط رأسها والوطن الذي نشات فيه، إلا أنها وبفعل ذلكالحاجز تراها تبحث مضطرة لا مختارة عن أمكنة تسعها في أرض الله الواسعة ، ومن تم يقتصر العبور من تحت تلك الحواجز الجائرة على أشباه النخب وذوي الأحجام المتواضعة، فتـُحرم الأمة بذلك بـِرَّ الأخيار من بنيهاوفلذات أكبادها . إنه الحال المؤسف الذي كثيرا ما نلاحظه والحسرات تسحق القلوب والآهات تعتمل بالصدور، وذلك عندما نعلم أن أحد تلك النخب قد امتلكه غيرنا ممن لا يمت له بصلة رحم ولا وشيجة قربى، كما ولم يكلفه استحواذ هذا الكنز الثمين سوى ما أبداه له من اهتمام وما أعاره إياه من تقدير.وما أيسر هذا من عمل وما أحرانا به من سلوك وما أحوجنا إليه من تدبير، لو كان لنا أن نعرف ما في النخب من خير كثير .
تتزاحم القوى المختلفة في المجتمع على اقتسام كعكة السلطة ،تلك السلطة التي لا يمكن أن تمارس إلا من قبل نخبة المجتمع وصفوته . الأمر الذي يضعنا أمام خيارين ؛
أولاهما فتح الباب على مصراعيه أمام النخب بكل أطيافها كي تنمو وتتطور وتساهم في جميع أنشطة المجتمع، وفي مقدمتها بالطبع النشاط السياسي، وهي في كامل عافيتها ودونما حجر ما قد يشوه كفاءتها وكفايتها، وهو خيار صحي يبعث على الطمأنينة، ويبعث الثقة، ذلك أن حضور نخبة المجتمع وصفوته بكامل عددها يؤمن الانتخاب الأمثل للفئة التي يلقى على عاتقها قيادة الوطن وإدارة شؤونه.
أما الخيار الثاني والذي بمقتضاه تمارس فيه السلطة القائمة حجرا ما على نشاط النخب العاملة بالمجتمع بحجة الخوف من تسلطها، ولا تسمح إلالفئة محدودة محسوبة من هذه النخب أو أشباه النخب للوصول إلى مكان الاقتراع، ومن تم إلى سدة الحكم، فهو خيار لا خير فيه، لأنه وبالإضافة إلى كونه غير ديمقراطي فإنه يزيد من حدة ظاهرة التسلط المحذور منه، كما أنه يقطع الطريق على الدماء الجديدة من الوصول إلى حيث يجب أن تصل لدعم طاقة تلك الآلة السياسية وتطوير أنظمتها وتحديث آلياتها، ومن تم ضمان حسن أدائها.
وبعد، ورغم إدراكي بأنني أطلت، إلا أنني لا أحب أن أختم دون اقتراح بعض التوصيات المتواضعة حوصلة للموضوع واستنباطا للخلاصات التي يفضلها الكثير من القراء والذين أتعشم أن يكون من بينهم نفر ممن يهمهم أمرنا، ويعنيهم شأن نخبتنا وصفوتنا. ومن هذه التوصيات ما يلي :
1ـ ضرورة افتراض أن كل فرد من أفراد المجتمع وكل مولود يولد هو مشروع كيان نخبوي يجب العمل على اكتشافه ومنحه كامل الحق في إبراز دوره النخبوي الذي يجعل منه أصلا متميزا بين أصول المجتمع الكثيرة.
2ـ إناطة مسؤولية رعاية النخب وإنتاجها بكل مؤسسات الدولةّ، ذلك أن أماكن احتمال وجودها لا يقتصر على مكان دون آخر .
3ـ العمل على وضع مؤشرات دالة على معدلات ولادة النخب وتطورها وجعل هذه المؤشرات أساسا لتقييم عمل أجهزة الدولة المختلفة .
4ـ التوسع في منح الجوائز للموهوبين ومنح البحاث والمخترعين التشجيع الذي يحفزهم على مزيد العطاء .
5ـ ضرورة اعتبار النخب المتسربة وصمة في جبين الدولة والعمل على استرجاعهم ومنحهم ما يستحقون من رعاية .
6ـ الدفع بالنخب نحو قيادة المجتمع كل في مجال تخصصه تحفيزا للآخرين، وخاصة الناشئة، بجدوى الإقتداء بهم وتكريسا لمبدأ من جدَّ وجد وليس من جدَّ صُدَّ ورُدَّ.
7ـ فتح الباب واسعا في وجه العمل الخيري الإنساني والذي يفعل فعل السحر في تحفيز طاقة الفرد وصناعة النخب .
8ـ مراجعة الخطط والبرامج السابقة في إدارة الموارد البشرية للدولة والوقوف على أماكن الضعف فيها والاعتراف بأن ذلك كان السبب الأهم في بطء مسيرتنا الحضارية أو قل توقفها .