English Articles
 

الرئيسة arrow وطنية arrow التجربة الليبية arrow مراجعات الفگر الإسلامي بين مدرستين
PDF Print E-mail
تجارب سياسية - التجربة الليبية
Written by عيسى عبدالقيوم   
Aug 17, 2025 at 08:34 PM

مراجعات الفگر الإسلامي بين مدرستين

عيسى عبدالقيوم: " كتبه حمزة أبوفارس في مسلاتة " .. بهذه العبارة أنهى الدكتور تعليقه على مراجعته لمراجعات الجماعة الليبية المقاتلة .. ثم أعقبه الدكتور " عقيل حسين عقيل " الأستاذ بكلية الآداب ـ جامعة الفاتح ـ ببيان مماثل حول القضية .. وبكل وضوح فقد سبق وانتابني نوع من عدم الرضا وأنا أتابع تعليقات علماء من خارج ليبيا على الكتاب الذي لم يصدر بعد .. وسبب عدم الرضا ليس متعلقاً بالمراجعات ..لأنها ـ من جهة ـ لم تنشر بعد..

   

ومن جهة أخرى فهي ـ بالنسبة لي ـ مطلوبة لذاتها ومنذ سنين .. وبالتأكيد لن أخفي ترحيبي بها .. وتأييدي لنهج الحوار ـ بشكل عام ومجمل ـ كآلية لحلحلة القضايا العالقة .

 

أما سبب عدم الرضا فهو كون المراجعات تمس حالة ليبية فى الصميم .. فكافة أطرافها وضحاياها والمتضررين منها ومن يرغبون فى ولادتها ليبيون .. من هنا يفترض أنها موجهة الى الشارع الليبي فى المقام الأول .. لذا كان من المريح لو عرضها من استلمها من أصحابها على علماء ليبيا .. وشارعها السياسي والثقافي والأكاديمي أولاً .. لأن قبولهم لها هو ما يحتاجه الشباب الذين أمهروها بتوقيعهم .. وسيكون ذلك أكبر ضمان ضد إجهاضها أو تجييرها .. وأكثر مصداقية لها وأدعى لقبولها فى أوساط المجتمع .. من هنا سعدت بتعليق الدكتور " أبوحمزة " .. والدكتور " عقيل " أكثر من سعادتي بغيرهما .. مع حفظ كامل الاحترام والتقدير للجميع .. وعدم اعتراضي على ما تفضلوا ـ أو سيتفضلون ـ به .

 

عموما .. هي خطوة فى الإتجاه الصحيح .. ونأمل أن ترى النور قريبا .. وأن تكون قد مست جوهر وفلسفة الأمور التى يعاني منها الفكر والفقه الإسلامي منذ زمن بعيد .. وهو ما يؤدي الى ما نراه من صراعات ليس فى ليبيا فقط بل فى المنطقة بأسرها .. لأن استبدال خيار فقهي بخيار فقهي أخر قد يكون حلاً مرحلياً .. ولكنه ـ يقينا ًـ ليس بكاف كحل جذري لما يعتري منظومة الفكر الإسلامي من عدم استقرار .. لأنه ببساطة قد يبرز من يرد على هذا الخيار بفقرات منتقاة من ذات النبع الذي إستقى منه الأول .. ليؤكد أنه صاحب الرؤيا الأصوب .. وأن ما عداه تراجعات وليست بمراجعات .. وهكذا دواليك .. وهو ما  شهدته تقريبا تجارب أخرى عاشت نفس الحدث .

 

فقد اطلعت على النسخة المصرية من مراجعات "الجماعة الإسلامية".. وقد بدت لي أشبه بالفتوى الآنية منها إلى المراجعة الفكرية والفقهية المعمقة.. ونحت بشيء من الإفراط نحو إنتقاء ما يجامل السلطة ولو صادم أسس بناء الدولة المدنية الحديثة .. فأن تترك رأي مذهب أو إمام فى مسألة الحكم ـ مثلا ـ إلى رأي مذهب أو إمام آخر .. فهذا لا يلغي أصل الفكرة التى أدت إلى نشوء الخلل .. ولا ينهي صلاحيتها .. وقد تجد من سينتصب لرد كل التصويبات بالعودة الى ذات المراجع .. بل ولعله سيكون محظوظا بوقوعه على عبارة " أجمعت الأمة " كي يهدم أساس المراجعة .. ليجد المجتمع نفسه وقد عاد إلى المربع الأول .. فكما نعلم جميعا فقد حوت كتب التراث من تعدد الفتاوى وتعدد زوايا قراءة النصوص الكثير .. بعضها يصل إلى حد التضاد أحياناً .. فمن هنا سيكون الإعتماد على النقل فقط دون الإجتهاد .. ودون البحث فى قواعد الضبط والإلزام .. أحد دواعي إحتمالية تكرار التجربة .. أو الدعوة لتداولها بإعتبار وجود ما يسندها فى كتب التراث .

 

ما نحتاجه هو الغوص إلى عمق فلسفة الأشياء .. فعلى سبيل المثال تعتمد كتب الأصول أن الشريعة معللة .. وأن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما .. فلماذا لا ينظر إلى الأمور من هذه الزاوية بدلا من نقل الأفهام أو الفتاوى فقط ؟!! .

 

ولكي تتضح الصورة أكثر لنأخذ على سبيل المثال النص القرآني الذي يحدد أن مصارف الزكاة بـ  8أصناف .. فى قوله {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله و ابن السبيل} .. وعلى هذا جرى  الحكم فى عهد النبي (ص) وعهد أبي بكر .. ولما جاءت عُهدة عمر قام بإيقاف العمل بسهم المؤلفة قلوبهم (نص) .. وعندما سئل أجاب : " كنا نعطيها والإسلام ضعيفا " .

 

فهنا يتحدث عمر ـ رضى الله عنه ـ عن " الوعاء الزمني " للنص .. فلم يلغ النص أو يشطبه من القرآن .. ولكنه فهم أن " علة " وجوده كحكم نافذ قد إنتفت .. فلم يجد حرجا فى إيقاف العمل به بصورة نهائية .. وبدوري لم أجد من ينكر ذلك أو يعتبره تجاوزا للنص  أو تبديلا لحكم الشريعة .. فلماذا أهملت هذه المدرسة ونجحت مدرسة النقل الأفهام وتقليد الفتاوى ؟!.. خاصة فى ظل وجود قاعدة تحظى بإتفاق العلماء ـ قديما وحديثا ـ تشير إلى حتمية تأثر الفقه والفتوى (فضلا عن الفكر السياسي) بعوامل " الزمان والمكان والحال " .

 

فمنظومة الحكم والرئاسة  .. والجندية والجهاد .. وغيرها من الأحكام التى تعتبر محل النزاع قد فـُهمت فى عصرها ووفق بيئة ومقتضيات زمنها على الشكل المدون فى القديم .. وهذا أمر ليس محل نزاع .. وربما شكّل أفضل المتاح فى ذلك الزمن .. ولو بقيت الأفهام على مسافة من قدسية النص لسهل الأمر وهان .. ولكنها ألحقت به بشكل قسري  فعسّرت الأمر .. ولذا من حقنا أن نتساءل : لماذا نجد أنفسنا فى حالة إلزام مع الفهم (البشري) .. وليس مع النص (المقدس) ؟!.

 

فمن وضع على سبيل المثال القاعدة التى تلزم بضرورة تفعيل النص " على فهم السلف الصالح " هو فى حقيقة الأمر قد أقدم على إلغاء عنصر الزمن نهائيا .. وكأنه سبق " فوكوياما " فى اعتبار فهمه نهاية التاريخ .. بل ونجده قد أضاف سلبية أخرى هي إلغاء عقول أجيال أخرى قادمة وإفتأت على فريضة فهمها لدينها .. وهنا تحديدا نستطيع أن نتحسس أحد الإشكاليات الحادة فى التعاطي مع دعوة التجديد التى تقبل كشعار وترفض كممارسة .. رغم أننا نجد فى الصريح أن سيدنا عمر لم يلتزم بإجتهادات سيدنا ابوبكر .. ولم يعتبرها " سلف " له .. وفى هذا تستطيع أن ترجع الى عودة عمر بن الخطاب عن إجتهادات أبوبكر الصديق فى حادثة " الردة " .. وعودته عن ألية تولي الخلافة .. بل إنك فى الأخيرة تجد أن عمر بن الخطاب يصف طريقة تولي الخلافة فى عهد سيدنا أبوبكر ( حادثة السقيفة ) بأنها : " فلتة وقى الله شرها المؤمنين " .. ويفتح باب الإجتهاد فى نظام الحكم على مصرعيه .. كونه وظيفة بشرية لا علاقة للنص بها .. وربما لي عودة مع هذا الفرع تحديدا كونه العمدة فى الفكر السياسي للمنظومة الإسلامية المقترحة .. وكون إشكالياته لازالت تفرض نفسها حتى تاريخه .. وربما تجد أثار ذلك فى ممارسات حركة "حماس" وتأثير الجانب السلبي للفكرة عليها بوضوح .. وهي الحركة التى يفترض أنها معاصرة وتحترف العمل السياسي! .

 

على أي حال .. لننتظر صدور الكتاب الذي نأمل أن يشكل بداية لتفكيك المشكل .. وفى أثناء ذلك لن نبخس الناس أشياءهم .. فالشكر متوجب لكل من أسهم فى إطلاق هذا المشوار ونجاحه .. وموصول للشباب الذين كانت لديهم الشجاعة فى طرح مراجعاتهم بشكل علني وصريح .. وكلي أمل أن تنتهي هذه المراجعات بإطلاق سراح ما بقى من سجناء داخل السجن .. وأن نراهم قريباً بين أهلهم وأصدقائهم .. وأن تمتد سانحة الحوار هذه لما بعد حل الأزمة .. بعيدا عن السجن ومنغصاته .. من أجل تعميق نهج ليبي فى التعاطي مع الفكر والفقه الإسلامي .. لنصل ـ بمعية الشارع الليبي بعلمائه ومثقفيه وأكادمييه ومن يرغب من ساسته ـ الى رؤية معاصرة ليس لدي أدنى شك فى أن كليات الإسلام تقبلها .. والوطن في أمس الحاجة إليها .

 

ولتبقى ليبيا .. وليستمر الحوار .

 

قورينا ـ 17 أغسطس 2009

 

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.