|
كفاح الليبيين في قصائد إقبال ..
محمد العنيزي: الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال (1873 ــ 1938 ).. من أعظم شخصيات القرن العشرين في العالم .. وقد عرفته أوروبا قبل أن يعرفه العرب ويترجموا آثاره .كان إقبال شخصية مفكرة تحمل في جيناتها ثقافة إسلامية منفتحة على الثقافات الأخرى .. وقد ساهمت دراساته في التعريف بالعالم الإسلامي لدى الغرب .. وكان يعتز بإسلامه ويقول :(إن المسلم كالشمس إذا غربت في جهة طلعت في جهة أخرى . فلا تزال طالعة لاتغرب مطلقا )
وكان مفكرا إسلاميا مهموما بقضايا المسلمين في جميع أنحاء العالم .. من حروب البلقان (1912 ــ 1913 ) وماجرى فيها من مذابح جماعية بحق المسلمين إلى كفاح الشعوب الإسلامية من أجل التحرر .
كتب إقبال العديد من الدواوين الشعرية باللغتين الأردية والفارسية ولم يكتب باللغة العربية رغم حبه للعرب والمسلمين وإعجابه الشديد بالأشعار العربية القديمة.. وقال عن أعماله :
(إن أعمالي ستخلد وسترون أن كل معنى أرسلته في قصائدي ستحمله اللغات بعضها إلى بعض ..ولكني أريد أن يترجم كلامي إلى العربية أولا.. وقبل كل شيء ليصل صوتي إلى العرب .. وليفهم العالم الإسلامي أسرار قلبي ) .
ومن أشهر أعمال الشاعر محمد إقبال قصيدة ( حديث الروح ) التي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم .. و قد نظمها شعرا الشيخ الصاوي شعلان .
وعن الموت قال إقبال :
(إني لاأرهب الموت .. أنا مسلم أستقبل المنية راضيا مسرورا ) .. وكان يتمنى أن يموت في أرض الحجاز.. وقد أنشد قبيل موته هذين البيتين :
نغمات مضين لي هل تعود ونسيم من الحجاز سعيـــــد
أذنت عيشتي بوشك رحيل هل لعلم الأسرار قلب جديد
رحل الشاعر والفيلسوف محمد إقبال عن الدنيا فشيعه الآلاف من المسلمين .. ووضع نعشه على خشبتين طويلتين ليتسنى للكثير من المشيعين المشاركة في حمل نعشه .. ودفن في فناء ( شاهي مسجد ) بمدينة لاهور التي درس وتخرج في جامعتها .
الشهيدة الليبية فاطمة بنت عبدالله :
في عام 1912 .. وأثناء وقوع إحدى المعارك بين القوات الإيطالية الغازية والمجاهدين الليبيين في مدينة طرابلس .. استشهدت فتاة ليبية تدعى فاطمة بنت عبدالله كانت تحمل الماء إلى المجاهدين .. وعندما وصل نبأ هذه الحادثة إلى الشاعر محمد إقبال تأثر كثيرا لموت الفتاة .. وألهبت الحادثة مشاعره فنظم قصيدة باللغة الأردية يصور فيها شجاعة هذه الفتاة التي كانت وسط المعركة تدعم أبناء وطنها فاختارها القدر لتنال شرف الشهادة .. حيث يقول في قصيدته ( فاطمة بنت عبدالله ) :
إنك يا فاطمة شرف للأمة الإسلامية
وإن كل ذرة منك لهي مفعمة بالبراءة
يا ملاك الصحراء .. كم كنت تحسدين على موقفك هذا
حيث اختارك القدر لأن تكوني حاملة الدعامة للمجاهدين المسلمين
إن رغبتك في الإستشهاد أثناء الجهاد كانت عظيمة
حتى أنك تقدمت إلى الأمام دون أن تحملي أي سلاح
يا إلهي .. هل عندنا مثل هذه الزهرة الصغيرة الجميلة في حديقتنا الذابلة ؟
وهل يوجد مثل هذه الشرارة اللامعة في نارنا الخامدة ؟
ياللعجب إننا لانزال نقابل غزالا متجولا في أراضينا الصحراوية ..
وبالرغم من أن السحب قد صبت مياه الأمطار بغزارة ..
لكن البرق والرعد لايزالان مختبئين تحت أجنحة تلك السحب
يافاطمة .. ولو أن دموعي تنهمر من عيني بحزن..
لكن هذه الأغنية الحزينة لايزال يسمع منها نغمة مفرحة
إن جسمك ميت .. لكن ترابك باعث للحياة .. ويخيم السكون على قبرك
لكن الأمة بأكملها تتحرك في ذلك السكون ..
إني لاأستطيع أن أرى هدفها الكبير المتسع في تلك اللحظة..
لكني أتصور بكل وضوح ضجتهم تعلو من قبرك
كما أن نجوما جديدة ارتفعت في السماء لتراها أعين البشر..
إنها علت الآن فقط من ظلمة الزمن
ولكن لمعانها ليس مستندا على نظام الليل والنهار ..
إن جمال بريقها يحمل مجد الماضي والحاضر
ولكن مصيرك هو نجمهم الذي يقودهم ..
شهداء مدينة طرابلس :
وكتب إقبال قصيدة أخرى باللغة الأردية يتخيل فيها قيامه برحلة إلى السماء حيث يقابل النبي صلى الله عليه وسلم ويحدثه عن الشهداء في مدينة طرابلس فيقول :
إن الملائكة أحضروني إلى الأمام ..
لأتمثل أمام نبي الرحمة والسلام محمد صلعم
فقال النبي صلى الله عليه وسلم
إنني سمعت كثيرا عن بلاغتك وعبقريتك الشعرية
حتى إنك استطعت أن تخترق السماء وتحضر هنا..
فماذا أحضرت لنا هدية من عالمك ؟
فأجبت .. ياسيدي يارسول الله
إننا لانجد طمأنينة قلب ولاسلاما في هذا العالم ..
والحياة التي نريدها قد تعبنا في البحث عنها ولانجدها ..
وفي حديقة الكون مئات الورود وشقائق النعمان
ولكنها للأسف خالية من عبير الوفاء والإخلاص .
لقد أحضرت هنا هذه الياقوتة
هدية متواضعة مني إليك
وهي ياقوتة ليس في الفردوس مثلها جمالا وحسنا
إنها تحتوي يارسول الله
على دماء شهداء طرابلس
وفيها صورة من كرامة ملتك ..
15 نوفمبر 2009
|