|
تداعيات ثقافة الخرس
د. عبد الحكيم الفيتوري : الخرس من الناحية العضوية خلل في أعصاب اللسان أو تشويه في العضو ذاته ؛ يسبب عدم القدرة على الكلام جملة ؛ أو التحدث بتعتعة يصعب عليه التعبير عما يدور في خلده . أما الخرس من الناحية الثقافية فهو لب ظاهرة الاستبداد ، والالغاء ، والاقصاء ، وتكميم الأفواه ، وسد مسامات الجلد ، سواء كانت هذه الثقافة الخرسية تمارس من قبل ثالوث التخلف مجتمعة أو متفرقة ؛ الانظمة الطاغوتية ، والأعراف الجاهلية ، والمناهج التقليدية التي تعطل عقل الانسان وتجعله في عداد آلات النقل !!
ومن هنا إذا أردنا أن نتحسس تداعيات ظاهرة الخرس العضوية والثقافية في واقعنا المعيش ، فإننا نجد أن أبرز معالم تداعيات ظاهرة الخرس العضوية ؛ حيث يكون فيها اللسان أما مشلولا أو معطلا جملة مما يجعله في عداد الأعضاء الفاشلة في جسم حاملها لعجزه عن أداء وظيفته التي من أجلها خلق ، وبالتالي ليس له إمكانية البيان والإيضاح عما في نفس صاحبه . أما في حالة الخرس الثقافية فإننا نجد اللسان في حالة جيدة ، لكنه قد مورست عليه ثقافة التعطيل ووجوب الخرس وذلك عبر منظومة ثقافة الخرس من ؛ تجريم حرية التعبير ، وخنق روح الابداع ، وقتل عملية التفكير ، وزهق ابداء المخالفة ، وممارسة تعطيل دور اللسان بكافة أشكاله ، من خلال دهاليز الانظمة والاعراف والمناهج التي تغذي الاستبداد والاقصاء وتحيي فقه الخرس ؛ فقه السمع والطاعة المطلقة !!
فإذا كان ذلك كذلك، فكيف تتصور إن يكون المشهد إذا عفى اللسان من عاهته بنسبة ما ، والثقافة من وعكتها الاقصائية بدرجة ما ، وبدأ العيي ينطق ، ويتكلم ، ويعبر عن نفسه ؟!!
لا شك أنه سوف يتكلم ، ويخرج أصوات ؛ لكنها في الغالب غير مفهومة ، وحروفا قد تكون من غير مخارجها ، وألفاظا ليست مناسبة لعمره ومكانته واهتمامه ، وهو معذور للوهلة الأولى لأنه في حالة تدريب على النطق بعد سكوت طويل ، وفي درجة من الزهو بأجواء الحرية ، ونسيم التعبير عما يجول في نفسه ، لكنه غير معذور إذا استمر على طريقته هذه التي لا تقدر دور اللسان والبيان ، ولا نعمة الحرية ، ولا تعرف كيفية استثمار وسائل الحرية المتاحة !!
بيد أننا نفاجأ في أول أختبار للذين خرجوا لتوهم من ثقافة الخرس وتكميم الأفواه ، أنهم يعشقون ممارسة ثقافة الخرس ثقافة الطواغيت على خلق الله سبحانه بذات الوسائل التي كانت تجلد بها ظهورهم وجنوبهم ، ويسمر بها ألسنتهم وعقولهم (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمامهم أحرارا ) !!
وهكذا باتت تداعيات ثقافة الخرس من النطق الأعوج ، والتعبير الأعرج ، والإعراب الانتقامي هي السمة الغالبة للذين يستخدمون وسائل التعبير وأبداء الرأي عبر(الفضائيات ، وغرف الكلام ، والانترنيت ).وبالتالي يحق للأمة أن تعلن على الملأ فقدان ثقتها في هؤلاء النواب الذين ظنت فيهم يوما ما أنهم يقومون بدور رشيد منوط بهم ، كتوعية الأمة وتطويرها ، ورفع معاناتها وتبني قضاياها ، والحيلولة بينها وبين ثقافة الاستبداد ، واساليب الأقصاء ، وأخلاق الجهلاء !!
فهل من سبيل إلى إعادة النظر في كيفية شكر نعمة اللسان والبيان ( أيحسب أن لم يره أحد ، ألم نجعل له عينين ، ولسانا وشفتين ، وهديناه النجدين ) ، وحسن استعماله (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ، واتقان استخدام وسائل التعبير الحديثة بما يحقق شكر نعمة الحرية ومجالات البيان ( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ) ، ونحرص ألا نكون من الذين (بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ) ؟!!
المصدر: موقع نقد معرفي للكاتب
http://www.maktoobblog.com/redirectLink.php?link=http%3A%2F%2Fwww.a-znaqd.com%2F
15 نوفمبر 2009 |