English Articles
 

الرئيسة arrow تنموية arrow قضايا تنموية arrow تخطيطهم بعد المدى .. وقصير تخطيطنا
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا تنموية
Written by رمضان جربوع   
Jan 14, 2026 at 08:03 PM

تخطيطهم بعيد المدى .. وقصير تخطيطنا

رمضان جربوع: من الملفت للنظر أننا عندما نخطط، يبني مخططونا على معطيات حاضرة ويرسمون المشاريع وكأن الحال سيدوم على ما هو عليه. من نافلة القول أن "المخططين" جلّهم من الموالين للسلاطين والحكام والملوك والأمراء والرؤساء، ويشعرون بضرورة رسم صورة براقة عن المستقبل الذي قلما ما يستشروفنه كما يجب،

 

أي استكشاف وسبر غور ما قد يستجد من تطورات تظهر الكثير من مؤشراتها لو بذلوا الجهد في التقصي والبحث ولو استمدوا شجاعة من الناس الذين يخططون لهم – أي عامة الناس- عوضا عن الاستغراق في تبجيل أولياء الأمور والتصفيق لكل ما يقولون.

 

هؤلاء وإن صدقت نواياهم المعلنة، إلا أن تلك المضمرة مبنية هي الأخرى على راهن الحال ، وفقا لما يراه أو فلنقل على إملاء؛ "حماتهم" المفترضين أو إن شئنا بتهذيب أكثر: على إيحاء  "أصدقائهم" من الغرب الذين اختلقوهم أصلا وأسبغوا عليهم شارات وأعلام وأناشيد ومنحوهم مقعدا في الأمم المتحدة.

 

الأصدقاء الحماة!

الأصدقاء الحماة، يتعاملون مع الواقع السائد الذي سبق علمهم به، فهو داخل في خططهم السابقة على المدى الطويل، وأي حدث طاريء أو ظرف مستجد، وضعوا له مسبقا آليات للتعامل معه وإن كانت الآليات لم تعد تجدي فنراهم قد وضعوا قواعد عمل وتصرف لاستغلال ما يتيحه الواقع الجديد.

 

ليس هناك من طاريء على الساحة العالمية خلال القرنين الماضيين ... وكشاهد على ما نقول نورد الواقعتين التاليتين:

 

توني بلير الزعيم الذي لم يكن

في رواية سياسية بعنوان "الكاتب الشبح"* سرد علينا الصحفي والكاتب الفذ "روبرت هاريس" قصة وقائع تشير بوضوح إلى التخطيط بعيد المدى الذي نتحدث عنه، ففي الرواية تتعاقد دار نشر مع كاتب متخصص لتحرير قصة حياة أحد زعماء الدول الغربية بعد خروجه من المنصب، والكاتب في هذا النوع من التأليف يعرف بالكاتب الشبح الذي لا يظهر اسمه إطلاقا فمن المفترض أن المؤلف هو الشخصية المعنية ذاتها، ويكتشف كاتبنا بأن غيره قد تم استخدامه إلا أنه قتل في حادثة غامضة، ويبدأ من حيث انتهى في ظروف سرية مطلقة ليعثر على ما يفيد بأن الزعيم المذكور قد تم تجنيده من قبل وكالة المخابرات الأمريكية على احتمال أن يتم توصيله إلى أعلى مرتبة في بلده ليكون ضامنا لسير سياسة هذا البلد وفقا لإملاءات معينة قد تأتي فيما بعد ويقوم بتنفيذها لثقل وسائل الضغط الموضوعة عليه أصلا، مع التنويه بأن نفس التكتيك يطبق على العديد من المرشحين من مختلف التيارات السياسية عسى أن يصل أحدهم، ويكتشف أيضا أن البرنامج موضوع من قبل أساتذة وباحثين من كبرى الجامعات الأمريكية وتنتهي القصة بفضح البرنامج وبمقتل الزعيم كحبكة روائية كما هو مفترض من "رواية". لن يحتاج الأمر إلى علماء صواريخ وذرة للتعرف على "الزعيم" المقصود، أي "هو توني بلير" رئيس وزراء بريطانيا الذي جرّ بلده إلى حروب لا شأن لها بها، مخترقا كل ما كان ينادي به من احترام لحقوق الإنسان وإعمال القانون الدولي وغير ذلك من توجه كان يساريا في يوم ما ...قصة هذا البرنامج الأمريكي تتردد كثيرا منذ ستينات القرن الماضي، وهي وإن شابتها شبهة "نظرية المؤامرة" إلا أن الكثير من الوقائع قد تصب في صالح من يصدقها، وقد يكون مفيدا الإشارة إلى واقعة أخرى تجعلها قابلة للتصديق أكثر

 

ثورة 1968 واشتراكيو الشمبانيا

في نهاية ستينات القرن الماضي فيما صار يعرف بثورة الطلاب (مايو 1968) ظهر جيل جديد من الشباب عالمي التوجه، يساري العقيدة مضاد لكل ما يمت بصلة للمخططات الإمبيريالية والهيمنة على العالم الثالث أن أنه باختصار كان "عولمي" التوجه بنزعة إنسانية، واستطاع الشباب في ثورتهم الإطاحة بزعيم فرنسا "شارل ديغول" الذي شعر بالخطر فحاول الاستعانة بالجيش الذي خذله بحجة أنه لا يتدخل في السياسة. كان من المتوقع أن يحدث الجيل الجديد ثورة كبيرة على مستوى العالم، ولقد شرع فيها بالفعل إلا أن الذي حدث أن زعماء التيار الجديد تحولوا "بقدرة قادر" إلى نواب في البرلمان ووزراء (كوشينير على سبيل المثال) ورجال أعمال وأصحاب شركات، يشار إليهم في هذه الأيام باسم "اشتراكيو الشمبانيا"

 

التحكم بالاستلاب

لكي تتضح الرؤية باعتماد نصيب من الصواب في التحليل الداعم لنظرية "البرنامج" والتخطيط بعيد المدى الذي يتوخى احتمالات التغيّر والطواريء وكيفية تفريغها واستلابها لصالح "جهة" ما، يجدر بنا أن نلفت أنظار السادة أولياء أمورنا في جلّ بلدان العرب بأن أوضاعهم ووصولهم لمقاعد الحكم السلطة، أو السماح به، أو مجرد القبول به، وحتى نعتهم أحيانا بالأصدقاء أو الحلفاء أو الأعداء، قد سبق احتسابه وخطط له ووضعت آليات للتعامل مع الأوضاع إياها وما يستجد عليها، بتغييرها أو تعديلها أو استغلالها لصالحهم (انظر تجارب بن لادن الدموية كمثال)

 

المخططون في الغرب، في ظاهرهم، لا يخدمون إلا مصالحهم، فلا صديق لهم على الإطلاق إلا مصلحتهم، وولي الأمر في أي بلد عربي لن يجد صديقا صدوقا له إلا ضمن مواطنيه وبالحرص على مصالحهم والذود عنهم وإيفائهم حقوقهم، المواطن عندما يشعر بالعدل ولا يشكو من ظلم سيلتف على زعيمه ويسانده، مقاعد العروش لا تدوم، هكذا يقول لنا التاريخ! ولن تحميها جدران فوق الأرض أو تحتها، ولن تحميها أساطيل "المخططين" ولن تزدان ويزيد بريقها بالإطناب في المديح ونظم الشعر والخطب العصماء أو حتى "الفتاوي" الدينية تحت الطلب!

 

وماذا عن مخططونا؟

إلى أن نصل إلى حالة معادلة لما سبق من حيث التعامل مع المواطن بصفته "سيدا" وجعله يتفاعل بعد إثبات الشفافية وإعمال التشاور وطلق العنان لحرية التعبير وتقديس للقانون وتسييده على غيره لن نستطيع أن نخطط لمستقبلنا

 

التخطيط الصائب هو الذي يأخذ في حسبانه واقع الحال كما هو بدون "بهار" واستشراف ما يمكن أن يحدث ، ثم وضع الخطط لما يجب أن يكون عليه الأمر، لنخلص إلى وضع برنامج عمل واقعي لا يضرب في الخيال والمثاليات التي لا يمكن تحقيقها في ظل وجود عناصر سيئة لم تثبت سوى الفشل وراء الآخر... المخطط الأمثل هو الذي يأخذ في اعتباره معطيات الفشل السابق واعتماد مبدأ ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع، بعد التخلص من كل من لم يثبت جدارة وكل الأعوان من أرض النفاق والجهل والدجل.

 

الصورة ليست قاتمة كما قد يتخيل البعض، هنالك قواعد للعبة، هناك إمكانيات عمل وسلوك، نستطيع أن ندركها بدراسة تاريخ "الآخر" الذي نشكو منه كلنا، حكاما ومحكومين، إلا أنها ستظل قاتمة إذا قعد حكامنا راسخين في معتقد أن الآخر سيحميهم ويتكفل بمصالحهم، أي الحكام

 

قد يستغرب القاريء أن الذي يخطط ليس بالضرورة حكومات الغرب، بل هي مؤسسات غير مرئية ولكن وجودها محسوس دون شك، هم من يشكلون "أحواض التفكير" وكبار المتنفذين اقتصاديا، وعن هؤلاء وعن قواعد اللعبة سيكون هنالك حديث آخر .

 

*Ghost Writer by Robert Harris

http://jarbou.maktoobblog.com

 

أويا/ القدس العربي/ الخميس 14/1/2026

 

Last Updated ( Jan 14, 2026 at 08:06 PM )
<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.