ظاهرتان خطيرتان في الوطن العربي .. الاغتيال السياسي ومصادرة الحق في الحياة  

بقلم: عبد الحسين شعبان

 

نصّت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 (ديسمبر) 1948 على ما يلي: ''لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه''. وجاء حق الحياة والحرية والسلامة الشخصية في مادة واحدة وبصورة لا تخلو من التلازم، وأوضحت المواد التي تلتها تأكيداً لحق الحرية والسلامة الشخصية بعض الحقوق التكميلية كعدم جواز الرق (المادة 4) وعلى تحريم التعذيب والمعاملات القاسية الحاطّة بالكرامة (م ـ 5) وحق الاعتراف بالشخصية القانونية (م ـ 6) والمساواة أمام القانون (م ـ 7) وحق اللجوء إلى المحاكمة للإنصاف من الاعتداء على الحقوق الأساسية (م ـ 8) وعدم جواز القبض على الإنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً (م ـ 9).

ونصّت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966, الذي دخل حيّز التنفيذ عام 1976 على أن ''حق الحياة حق ملازم لكل إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً''. إن هذه الحقوق, إضافة إلى حقوق أخرى، ملازمة لحق الحياة ومكمّلة له في أي مجتمع متمدن، إذ لا يمكن الحديث عن تلك الحقوق من دون حماية حق الحياة، الأساس الذي تصب فيه وتتمحور حوله بقية الحقوق.هذه المقدّمة كانت تمهيداً لمحاضرة ألقيتها في لندن في الكوفة كاليري بمناسبة اغتيال الشيخ طالب السهيل التميمي في بيروت. ولا أهدف من وراء هذا التقديم الحديث عن ظاهرة الاغتيال والقهر السياسي في التاريخ العربي, فذلك أمر عويص، لكنني أود أن أشير إلى أن الظاهرة، تطورت كثيراً بتطور وسائل العلم والتكنولوجيا، الا أن الهدف ظل واحداً وإن اختلفت الوسائل، ألا وهو إلغاء حق الخصم في التعبير، والإجهاز على الرأي الآخر حتى إن تطلب الأمر التصفية الجسدية، أو إذلاله للتخلي عن أفكاره وآرائه ومعتقداته.

وأياً كانت الذرائع المستخدمة سواءً سياسية أو فكرية، وأياً كانت المبررات سواءً كانت '' طبقية'' أم قومية'' أم '' دينية'' أم '' مذهبية''، وأيا كانت الوسائل المتبعة: رصاصة أو سكيناً أو كاتم صوت أو كأس ثاليوم أو حادث سيارة أو تفجيراً أو مفخخةً أو عبوة ناسفةً، فإنها من زاوية علم النفس الاجتماعي تلتقي عند عدد من النقاط هي باختصار:

الأولى: أنها تستهدف تغييب الخصم وإلغاء دوره ومصادرة حقه.

الثانية: أنها تعتمد على الغدر وإخفاء معالم الجريمة في الغالب.

الثالثة: أنها تتسم بسرّية كاملة, وربما يقوم بها بعض المحترفين.

الرابعة: أنها تستخدم كل الأساليب لتحقيق أهدافها من أكثرها فظاظة وبربرية إلى أكثرها مكراً ونعومة، بحيث يمكن إخفاء أي أثر يستدل عليه من الضحية.

الخامسة: الحرص على إخفاء هوية المرتكبين, وقد يمشي المجرم في جنازة الضحية, وقد يدفع الذهن للانصراف إلى أطراف أخرى بهدف التمويه ودق الأسافين وتوريط جهات أخرى.

السادسة: أنها تتجاوز على القانونية والشرعية سواءً كانت حكومات هي المسؤولة عن تطبيق القانون والشرعية وهكذا يُفترض, أو كانت من قوى التطرف التي عانت الانتهاكات والتجاوزات والإرهاب، فأقدمت هي الأخرى على إصدار أحكامها بعيداً عن المحاكم والشرعية والقانون، منصّبةً نفسها كجهاز تنفيذي وقضائي في الآن ذاته، بل كجهاز تشريعي ''مخوّل''، محللة استخدام كل الوسائل للقضاء على الخصم.

ومهما كانت المبررات والأسباب التي استخدمت لتبرير الاغتيال وظواهر العنف والعنف المضاد والقهر، فإن هذه الظواهر تنتشر في ظل غياب الديمقراطية وعدم الاعتراف بالتنوع وإنكار التعددية الفكرية والسياسية والدينية، وانعدام حالة الحوار بين السلطة والمعارضة وبين الجماعات والتيارات العقائدية والسياسية.

لعل اللجوء إلى تصفية الخصم إنما يعكس حالة الضعف والخوف من جانب الجهات التي تلجأ إلى وسائل العنف والاغتيال والقهر لحل خلافاتها السياسية والفكرية، فالحكومات أو القوى التي تثق بنفسها وتشعر بأنها تحظى بتأييد الرأي العام ومؤسساته، ناهيكم عن الشفافية والرقابة والمساءلة ووجود قضاء مستقل، لا تلجأ إلى مثل هذه الأساليب, لأنها ستغامر بواقعها ومستقبلها، ولا سيما إذا كانت تحكم بصورة شرعية أو وصلت إلى الحكم عن طريق الانتخاب واختيار الشعب، ولذلك فهي لا تفكر في اللجوء إلى وسائل العنف أو الاغتيال لإلغاء حق الخصم في التعبير الذي قد يصل إلى إلغاء حياته.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن الاغتيال السياسي ومصادرة حق الحياة هما أسوأ درجات انتهاك حقوق الإنسان، وهما دليل ضعف وليس وسيلة قوة، ولذلك فإن الجهات التي تلجأ إليهما أحياناً، تحاول التنصّل منهما رسمياً أو تنفي مسؤوليتها عن أعمال ترتكب باسمها، بل تحاول خلط الأوراق لضياع هوية المرتكب.

كما لا بدّ من الإشارة إلى أن القوى التي تلجأ إلى الاغتيال ومصادرة حق الحياة في الغالب، تزعم أن لديها أفضليات وتقوم بممارسة تلك الأعمال استناداً إلى الإيمانية المطلقة أو اليقينية الثابتة، وهي جزء من الفكر الشمولي، الإطلاقي وحيد الجانب، وهي لا تؤمن بالتعددية وبحق الآخرين، بل تعطي نفسها الحق أحياناً في تأثيم وتحريم وتجريم الآخرين، أو مصادرة حقوقهم تارة باسم ''الشعب'' وأخرى باسم الأمة أو القومية أو مصالح الكادحين وثالثة باسم الدين.ولا يربط القوى والجماعات التي تعتمد على الاغتيال والعنف رابط مع العقلانية والمدنية والديمقراطية أو الموضوعية، فالانحياز المسبق والتفكير المعلب المصنوع خصيصاً من نسيج التصورات الناجزة هو الذي يفعل فعله ويحكم علاقة هذه القوى والجماعات بالآخرين وبالموقف منهم، خصوصاً أنها تستخدم أساليب القهر السياسي وسيلة لحل الخلافات مع الآخرين. أما الآخر بالنسبة لها فهو المريب الغريب، الخارج على ما تؤمن به وتسعى إلى تحقيقه، ولهذا فهي تبرر ما تقوم به ضده وما تفعله بخصوصه.

ولم يكتفِ من يزعم أن الحقيقة بجانبه باستخدام الاغتيال وسيلة لتغييب الآخر، بل يلجأ أحياناً إلى اعتماد محترفين للقيام بمهمات الاغتيال ويلجأ إلى استئجار مرتزقة, وشاعت فضيحة بلاك ووتر في العراق وما قامت به من أعمال قتل في وضح النهار أحياناً, إضافة إلى عملياتها السرية, وذلك بعد احتلال العراق، وأحياناً يقوم هؤلاء بإجبار الضحايا على القيام بارتكاب جرائم للنجاة بأنفسهم، مقابل اغتيال خصوم تختارهم هي.

كما تعتمد بعض الجهات الإرهابية أحياناً على بعض الدبلوماسيين والبعثات الدبلوماسية التي تتمتع بالحصانة الدبلوماسية بموجب اتفاقية فيينا لعام 1961 حول ''العلاقات الدبلوماسية'', وفي كثير من الأحيان أسهم بعض الموظفين الدبلوماسيين في تهريب الأسلحة والمعدّات ووسائل القتل بالحقائب الدبلوماسية، مستفيدين من المزايا التي تمنحها اتفاقية فيينا.هكذا تتحول الدبلوماسية, التي هي جناح من أجنحة الدولة تطير بها لإظهار حسن علاقتها مع الآخر ولحماية مصالحها الوطنية ورعاياها خارج البلاد ولتعزيز وتطوير علاقاتها الدولية، إلى جهاز من أجهزة القمع يجمع بعض المحترفين من القتلة بحيث تساوي الدبلوماسية ''عين المقر'' على حد تعبير حسن العلوي في كتابه ''دولة المنظمة السرية'', وهي لا تعني سوى عين استخبارية مصحوبة في لغة فكر - الاستبداد - بالعنف والإرهاب.

وحين نكون أمام حالة انعدام المعايير واختلاط الرغبة في تطويع الآخر بتبرير حق تصفيته وادعاء امتلاك الحقيقة والرغبة في الحفاظ على المواقع بمصادرة حق الآخرين بما فيها حياتهم، فإنها الخطوة الأولى لمصادرة القانونية والشرعية، بل الإنسانية في الإنسان، وهي مقدمة لإلغاء حياته ووجوده حتى إن كان بريئاً أو مظلوماً، سواءً كان الهدف خلق الرعب في صفوف الآخرين أو ''بتمثيل'' الله لزرع العدل على الأرض، كما سمعنا كثيرا من المسوّغات، ولا سيما من قبل الإسلامويين في إيران أو غيرها من القوى المتطرفة.

أغلب الظن أن الذين يمارسون الإرهاب والعنف ويصدرون أوامر الاغتيال يريدون أن يصوروا الأمر لنا على هذه الشاكلة: هكذا يموت الإنسان دون مرتكب، بالمصادفة يشرب كأس الثاليوم وعن طريق رصاصة طائشة تستقر في رأسه يفارق الحياة, وبقدر غاشم تصطدم سيارته أو تسقط طائرته أو يلقى على قارعة الطريق أو عن طريق حزام ناسف وانتحاري غير معروف الهوية، وتلقي السلطات القبض على الضحية ويهرب الجناة.

هكذا يريدون أن نصدّق أن الأشياء تحدث من دون مرتكب سوى المصادفة المجنونة، وفي الواقع ليس ذلك سوى إهانة للعقول وتماد في الزيف واستخفاف بالمنطق.

والاغتيال لم يعد فردياً، فقد وسعت الحملات الجماعية من مفهومه وتحول إلى نوع من العقوبة الجماعية، حروب إبادة لجماعات عرقية أو دينية أو مذهبية وأحياناً لشعوب بكاملها، فلم تكتفِ إسرائيل والصهيونية العالمية بإلغاء وجود شعب فلسطين وحقه في الحياة وتقرير المصير، بل اقتطعت أجزاء عربية عزيزة في جنوب لبنان والجولان السورية وغيرهما، وامتدت يد الإرهاب الصهيوني لتحاول اقتلاع بعض رموز ثقافة المقاومة ولتجهز على مثقفين بارزين أمثال غسان كنفاني، الذي طارت أشلاؤه في بيروت بانفجار سيارته, وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، الذين اغتيلوا في وضح النهار بقرصنة إسرائيلية في بيروت، وماجد أبو شرار في روما وخليل الوزير (أبو جهاد) الذي اغتيل في تونس وباسل الكبيسي في باريس وناجي العلي في لندن ومحمود المبحوح في الإمارات وآخرين.

وكان رد الفعل الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام إزاء أحداث 11 (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية، التي حصلت في الولايات المتحدة، عنيفاً، وهو لم يكتفِ بالضغط على الجاليات العربية والمسلمة، والتضييق على بعض الحقوق المدنية، الأمر الذي استفزّ منظمات حقوق الإنسان في العالم أجمع، بل ذهب بعيداً حين برّر احتلال أفغانستان وغزو العراق واحتلاله بحجة مكافحة ''الإرهاب الدولي'' في حين أن العالم العربي والإسلامي كان من أكثر ضحايا الإرهاب الدولي على مدى عقود، وهو ما لم تأخذه واشنطن في الاعتبار قبل أن تمتد يد الإرهاب إليها وإلى الغرب عموماً.

كما لم تكن حكومات عربية أكثر رحمة مع الفلسطينيين من غيرها، كما أن بعضها لم يكن أقل عنفاً من '' الغرباء''، ولا سيما في الصراعات العربية - الفلسطينية والفلسطينية ـ الفلسطينية. وكان الرصاص المشبوه الهوية قد تكفلته الصراعات الداخلية، وحلّ محل الحوار والعقلانية وحق الاختلاف وحرية التعبير .. رصاص ملتبس ومتسلل وإن تعددت المصادر والجهات، ولعل صراع حماس مع فتح (غزة والضفة) الذي لا يزال مستمراً منذ أكثر من ثلاث سنوات خير دليل على ما نقول في حين تمارس الآلة العسكرية الإسرائيلية قضماً تدريجياً للقدس والأراضي الفلسطينية، خصوصاً بناء جدار الفصل العنصري، كما يستمر الحصار اللاإنساني ضد قطاع غزة والعدوان المتكرر والمفتوح، ولا سيما بعد الحرب التي قادتها إسرائيل ضد سكان غزة أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009, التي دامت 22 يوماً.وشملت أعمال الاغتيال والإرهاب في الجزائر أعداداً كبيرة من المواطنين, خصوصاً من المثقفين, حيث اغتيل, إضافة إلى الكاتب الجزائري المعروف الطاهر جعوط, نحو 33 صحافياً وفناناً إضافة إلى عدد غير قليل من النساء اللاتي جرى اغتصاب عديد منهن ثم اغتيالهن، مع عشرات الآلاف من الضحايا.

وفي مصر امتدت قوى التطرف لتنال من الكاتب والمبدع الكبير نجيب محفوظ الذي حاولت سكين حاقدة أن تمتد إلى رقبته وتصادر حقه في التعبير، خصوصاً بعد محاولات ظلامية لتفكيره عن رواية ''أولاد حارتنا'' التي كان مضى على إصدارها أكثر من ثلاثة عقود، كما حدث مع الكاتب فرج فودة الذي اغتيل غدراً في القاهرة، وبتصاعد موجات التطرف تضاعف الحكومة من أعمالها العنفية والإرهابية، لتضيف ذرائع جديدة على كبت الحريات وتقليص دائرة المشاركة.

وفي لبنان يوم سقط الشيخ حسين مرّوة مضرجاً بدمائه وقف مهدي عامل مودعاً زميله أمام ضريح السيدة زينب في دمشق مخاطباً المثقفين بالقول إذا لم توحدنا الثقافة بوجه الظلام والتخلف فماذا سيوحدنا بعد .. أهو كاتم الصوت أم ماذا؟ ولم يدر بخلده أنه سيكون الضحية القادمة بعد مرّوة بثلاثة أشهر, سبقه الصحافيان خليل نعوس وسهيل طويلة وشملت عمليات الاغتيال والقهر عشرات الأسماء اللامعة التي تشكل منارة مشرقة في الثقافة اللبنانية والعربية.

وفي ليبيا ظلّت قضية منصور الكيخيا غامضة وتراوح بين اختفائه في مصر مع إشارات أعقبت ذلك، صدرت من طرابلس الغرب تدعو إلى هدر الدم وتصفية الخصوم وما زال مصيره مجهولاً حتى الآن، وفي السودان اغتيل الفنان الخوجلي عثمان بحجج واهية، كما أعدم الكاتب والمفكر الإسلامي محمد محمود طه لاعتبارات تتعلق بحرية الفكر وحق التعبير.

والقائمة تطول عربياً ولا يتسع المجال لذكر كل التفاصيل، لكنني سأتناول بشيء من التركيز الاغتيال كوسيلة من وسائل تعميم الإرهاب في العراق، حيث يكاد يكون النموذج الأصرخ ليس على صعيد العالم العربي وحسب، إنما على الصعيد العالمي.

ومثلما حصلت ارتكابات جماعية في جنوب العراق بخاصة في مناطق الأهوار وفي شمال الوطن كردستان، خصوصاً خلال الانتفاضة في 1991، وقبلها في حلبجة عام 1988، وعمليات الأنفال سيئة الصيت التي هي أقرب إلى عمليات الاغتيال الجماعي، فإن الاغتيال السياسي مورس ضد جميع القوى والتيارات والاتجاهات السياسية والفكرية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وشملت قائمة الذين تمت تصفيتهم رجال الدين وزعماء وقادة منظمات اجتماعية وأكاديميين وسياسيين، رجالاً ونساءً، وكانت الممثليات الدبلوماسية العراقية في كثير من الأحيان أداة لملاحقة المعارضين في الخارج.

وكشفت حادثة اغتيال الشيخ طالب السهيل (رئيس عشيرة بني تميم العربية) على أيدي عضوين من السفارة العراقية في لبنان مدى تورط البعض في أعمال الاغتيال والعنف السياسي، خصوصاً وقد ألقي القبض على المرتكبين، اللذين لجآ إلى السفارة العراقية، واعترفا بأنهما قدما إلى لبنان خصيصاً بهدف قتل الشيخ طالب السهيل. ونشأت أزمة دبلوماسية بين لبنان والعراق عام 1994 نجم عنها قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارة العراقية في بيروت في حينها.

هذه الحادثة تجعلنا نفكّر في أي زمن نعيش فيه حيث يتم اختلاط الأشياء وتداخلها وتنوّع وتبادل الأدوار والمواقف بقصد خلط الأوراق وإخفاء الحقيقة. وكانت إسرائيل منذ تأسيسها الأكثر استخداماً للدبلوماسية كحاضنة ذات حصانة للاغتيالات السياسية وهناك عشرات ومئات الأمثلة منذ اختطاف إيخمان من الأرجنتين ونقله سراً إلى إسرائيل ومحاكمته وإعدامه عام 1960.

هكذا يصبح الشرطي دبلوماسيا والدبلوماسي الذي يفترض فيه احترام قواعد القانون الدولي والبروتوكول الدبلوماسي، يتحول إلى قاتل محترف، والدولة التي يفترض فيها أن ترعى حقوق رعاياها تتحول إلى صياد للخصم ولانتهاك الشرائع والأعراف, والحجة تصفية الآخر.

ولعل ما حصل بعد الاحتلال الأمريكي للعراق فاق كل التصوّرات، ابتداءً من اغتيال دميليو ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق وبعدها السيد محمد باقر الحكيم، وكرّت المسبحة لتشمل علماء دين سنّة وشيعة ومسيحيين ويزيديين وصابئة وخطباء جوامع ورجال علم وأكاديميين وإعلاميين، من شتى التكوينات العراقية العربية والكردية والتركمانية والكلدانية والآشورية وغيرها، ولا سيما حين أصبح العنف ظاهرة مميزة في العراق، بل على الصعيد العالمي.

إن فضائح سجن أبو غريب وسجن الجادرية وسجن مطار المثنى كانت مثالاً صارخاً تجاوز جميع القوانين والشرائع السماوية والوضعية، بما استخدم فيها من أعمال تهدف إلى القهر السياسي، إضافة إلى القتل على الهوية والتطهير العرقي والمذهبي وغيرها، خصوصاً التي سادت على نحو منفلت من عقاله بعد تفجير مرقدي الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء في شباط (فبراير) عام 2006 وما بعده، وأدّت إلى هجرة مئات الآلاف من العراقيين ونزوحهم إلى مناطق داخل البلاد، أو اضطرارهم إلى التوّجه إلى المنفى.

وأمام ظاهرة الاغتيال والقهر السياسي عربياً، بخاصة في العقدين الماضيين, نتساءل: هل نحن حقاً أمام حكومات تمتثل للشرعية والإرادة العامة للناس وتسوسهم باختيارهم وتمثيلهم ومشاركتهم وهو ما يفعله المليشياويون والإرهابيون والمتطرفون لا فرق إن كانوا باسم الدين أو الطائفة أو الطبقة أو مصلحة الأمة أو المصلحة الوطنية العليا؟

وأمام بعض أعمال الاغتيال من جانب قوى التطرف والتعصب والإرهاب نتساءل أيضاً: هل يمكن كسب الجمهور وتحقيق البرنامج السياسي بقوة السلاح، وقد جرّبت قوى وأنظمة ذلك تحت واجهات مختلفة لكنها لم تصل إلى ما تصبو إليه؟ ألم يحن الوقت لمراجعة سسيوثقافية حقوقية لظاهرة العنف والاغتيال والقهر السياسي وانعكاساتها على المجتمع والفرد، استناداً إلى العقدين الأخيرين، خصوصاً أن الدولة، حكومات وجماعات سياسية ودينية، بل والشعوب العربية والإسلامية بكاملها كانت ضحيتها؟

ولا شك أن الاغتيال السياسي يمثل قمة الفشل السياسي للذين يقومون به سواءً كانت قوى سياسية أو جماعات مذهبية أو قيادات دينية أو أعمال إجرامية فردية، لأنه دليل توتر وفشل وعدم قدرة على خوض الصراع السلمي.لعل هذه أسئلة قاسية في حاجة إلى وقفة جدية سسيو- ثقافية حقوقية لقراءة تفاصيل مشهدها، مثلما هي في حاجة إلى حوار مفتوح وشفاف وتحت ضوء الشمس بين النخب الفكرية والسياسية والدينية، كما هي في حاجة إلى تراكم وتطور تدريجي طويل الأمد، والأمر يتوقف أيضاً على توفير بيئة تشريعية مناسبة، مثلما يحتاج إلى بيئة تربوية وتعليمية ومناهج دراسية مشجعة، ويمكن للإعلام والمجتمع المدني أن يلعبا دوراً كبيراً في نشر ثقافة التسامح والحوار والمشترك الإنساني.

الاقتصادية الالكترونية ـ 11 يوليو 2010

 

Add comment


Security code
Refresh

تسجيلات ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

 العدد الجديد من المنتدى الليبي

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

أجزاء مختارة من كتاب

المؤتمر الوطني لحوادث الطرق في ليبيا

يوجد 12 زائر حالياً

من إصدارات أخبار ليبيا

 2002  2003  2004  2005  2009

من إصدارات الشفافية ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

صفحة المجلة والملفات