الأمن المغاربي بين الإسلام السياسي والإسلام العسكري- الجزء الأول

 بقلم: خالد إبراهيم المحجوبي

بسم الله الرحمان الرحيم

مقدمة

طوال عقود مضت ظل المغرب العربي ساحة لعمل ونشاط ما عرف بالإسلام السياسي ، المتمثل في بعض الأحزاب والحركات المنطلقة من منطلقات دينية ، والمتوجهة بتأثير منها .

ولم تكن نسبة مشاركتها في الحياة السياسية متماثلة بين دول المغرب العربي (الدول المغاربية) ولا كان تأثيرها في المجتمعات متساوياً . وعلى كل حال لم تخرج أي دولة من دول المغرب العربي عن كونها حاوية لنشاطٍ تحركه إما حركة أو أكثر للإسلام السياسي ، أو حركة أو أكثر للإسلام العسكري . هذا بالرغم من التفاوت الحاصل بين تلكم الحركات على مستوى : مقادير المشاركة ، والتأثير ، والتأثر ، والكم ، والكيف .

لم يغب عن أحد أنه بعد انتشار نشاط الأحزاب والحركات الإسلامية السياسية ، شهدت الساحة المغاربية تطوراً نوعياً في توجه بعض الجماعات (الإسلاموية) الإسلامية، حيث انتقل عملها ونشاطها من الساحة السياسية النظرية ، إلى الساحة العسكرية الحربية ، لاسيما بعد بدء التصادم، والمطاردة ، بين أميركا وتنظيم القاعدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وهو تغيّر، وتطور ألقى بآثاره على الساحة المغاربية مكوناً نوعا جديداً من أنواع التـهديد الأمني؛ فنشأت البدائل العنفية بدلاً من السلمية، أي البدائل العسكرية الصدامية، بدلاً من السياسية الحوارية،

في هذا البحث سنركز بإيجاز على المواضيع التالية :

1- رصد عام للتحول من ساحة الإسلام السياسي، إلى ساحة ما أسميه بالإسلام العسكري.

2- حال الأمن المغاربي في ظل نشاط الحركات المسلحة ذات التوجه والمنطلق الإسلامي.

3-الفروقات الحاصلة بين هذين النوعين ، أي السياسي والعسكري.

هاته المواضيع سنسبكها ضمن مبحثين:

- المبحث الأول: الإسلام السياسي

- المبحث الثاني: الإسلام العسكري

ثم نختم بخاتمة تحوي نتائج البحث.

مدخل مصطلحي :

سنستعمل في هذ البحث بعض المصطلحات المركزية ، التي تشكل أساس المصطلحات المستخدمة فيه ، وأهمها :

1- الأمن المغاربي : أعني به حالة الاستقرار على مستوى الدولة والمجتمعات القارة فيها ، مما شملته دول المغرب العربي، وتحديداً: ليبيا- تونس – الجزائر – المغرب- موريتانيا.

والمعتمد في التاريخ والجغرافيا أن مصطلح المغرب يطلق على كل ما يلي مصر غرباً من بلاد الشمال الأفريقي حتى المحيط الأطلسي ، وقليل يدخلون مصر في مسمى المغرب . منهم علي بن سعيد المغربي في كتابه (فلك الأرب المحيط على لغة العرب ) الأكثرون يبدؤون ببرقة في شرق ليبيا إلى الأندلس . .( )

2-الإسلام السياسي : هذا مصطلح شائع سنقصد به دلالته الشائعة ، أي جملة الأحزاب والحركات ذات المنطلقات والأهداف الإسلامية ، المشاركة في الحياة السياسية ، والحراك المجتمعي .

3-الإسلام العسكري : هذا التعبير أقترحه هنا ليكون دالاً إلى مجموع الحركات ،والجماعات التي تنتهج سبيل الصدام العسكري ،وتفضل الخيار القتالي في الوصول على مراميها ، وتجسيد آيديولوجيتها في ساحة الواقع الذي لا ترتضيه ، ولا تطيقه بمن فيه .

المبحث الأول: الإسلام السياسي

فيما يتعلق بمصطلح الإسلام السياسي ، فقد لقي اعتراضات وهجومات كثيرة من طرف باحثين ذوي توجهات دينية سلفية ، وهي اعتراضات-وجدتها-لا تحمل عمقاً فكرياً، ولا حمولات بديلة ، إنما هي أقرب للانطباعات العاطفية ،والاستثارية التي ولدها أمور أهمها :

1-استعمال العلمانيين –بكثرة- لهذا المصطلح ، وشدة نقدهم لمحتواه بوصفه محيلاً إلى التوجهات الدينية المتصلة بالدولة وشؤون الحكم .

2-إن هذا المصطلح جاء وليدًا لبيئة غير إسلامية حيث ولد غربياً ودخل ساحة العربية عن طريق الترجمة . فقد ورد أن أول من استعمله هو (هتلر ). و جاء عند بعض الباحثين أن هتلر هو أول من استعمل هذا المصطلح في حديث له مع الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين في وقته ، فقال (إنني لا أخشى من اليهود ولا من الشيوعية بل إنني أخشى الإسلام السياسي)) (. لكن يذكر محمد عمارة في كتابه (الإسلام السياسي والتعدية السياسية من منظور إسلامي): أن (أول من استعمله رشيد رضا للتعبير عن الحكومات الإسلامية ؛ فصار منذ ثلاثة عقود يقصد بعه الحركات الإسلامية التي تشتغل بالسياسة )، ويبدي محمد عمارة عدم ارتياحه للمصطلح ( (

كذلك يعترض على هذا المصطلح،علي صدر البيانوني ، مراقب الإخوان المسلمين في سوريا قائلاً((إنه مصطلح ناشئ أصلاً عن الجهل بالإسلام الذي جاء بالعقيدة والشريعة خلافاً للمسيحية )) ( ). كذلك يقول ساجد العبدلي ، الأمين المساعد للشؤون الإعلامية في الحركة السلفية الكويتية (هذا المصطلح يحمل تشويها كبيرا للمقاصد الشرعية من العمل السياسي. وقد يعطي إيحاء بأن هناك إسلاماً سياسياً وآخر دعوياً وآخر خيرياً ، بينما الإسلام واحد وهو دين شامل) . وقال جعفر شيخ إدريس : (عبارة الإسلام السياسي كأختها الأصولية، صناعة غربية استوردها مستهلكو قبائح الفكر الغربي ( ).

لا يظهر لي في هاته الاعتراضات على المصطلح متانة ولا وجاهة ، فهو على كل حال مصطلح تلقاه جمهور الكتاب بالقبول ، ولا يحمل في داخله كثيرا مما يتوهمه معادوه.

لقد وجد الإسلام السياسي ارضية نظرية قام عليها ، وهي مستندة إلى النصوص الدينية المرجعية ، وقد كان من بوادر التنظير للإسلام السياسي ما سطره حسن البنا في الجانب السني ، ثم-في الجانب الشيعي- ما كتبه السيد محمد تقي المدرسي بعنوان القيادة الإسلامية سنة 1962م وفيه فتح الباب لولاية الفقيه( ) وهي الفكرة التي أرسخها وطبقها الخميني بعد ثورته على شاه إيران ، ولا تزال حتى الآن موضع خلاف ، وتدافع بين علماء وسياسيي الشيعة في إيران خاصة .

في ظل الإسلام السياسي المغاربي لم يكن ثمت تصادم تنافري إلى الحد المؤذي والمؤثر في الأمن على مستوى الدولة ، ولئن اختلفت أولويات وبعض غايات الحكومات العلمانية مع برامج الأحزاب الإسلامية فإن ذلك لم يكن مزعزعاً للسلام والأمن على النحو الذي نراه مع الخلاف والتصادم مع الإسلام العسكري ؛ لذلك فكل مقارنة ومماثلة يجريها أحدنا بين الإسلام السياسي ،والإسلام العسكري ؛ فهي مجحفة وعائلة وغير موضوعية .

لقد توزعت في الدول المغاربية كثير من الأحزاب والتنظيمات المشمولة بما يسمى بالإسلام السياسي ، لا سيما في الجزائر والمغرب ، أما ليبيا فإن منهجها السياسي لا يرى شرعية إنشاء أي حزب من أي نوع؛ لذلك لم يُتحْ لأي من الأحزاب الإسلامية العمل في داخلها ؛ فاستوطنت - من ثم- دولاً أوربية أهمها بريطانيا ، ومارست دوراً مطابقاً للمعارضة السياسية ، لا المشاركة السياسية .

وأما تونس فلم يتح للأحزاب السياسية الإسلامية فيها مجال للمشاركة المتكافئة ، مما أدى لخروج ما بها من أحزاب إسلامية لممارسة المعارضة من الخارج ،دون أن يكون لها تأثير في الداخل. خلافاً للجزائر، والمغرب ، وموريتانيا-نسبياً – ، حيث أتيح لأحزاب هاته الدول أن تشارك في الحياة السياسية ، مشاركة ليست في المستوى المثالي ، لكنها على كل حال كانت موجودة ،ولها أثرها وشعبيتها التي لا يمكن إنكارها.

وهنا أسمِّي أهم وأشهر التنظيمات والأحزاب السياسية الإسلامية في دول المغرب العربي:

1-حزب العدالة والتنمية . المملكة المغربية.

2-حزب لإصلاح الوطني. الجزائر

3-حزب النهضة. تونس.

4- جماعة الإخوان المسلمين. ليبيا

5- حركة الجمع الإسلامي. ليبيا.

5- حركة مجتمع السلم . الجزائر .

6-الجبهة الإسلامية للإنقاذ. الجزائر

8- حزب النهضة الإسلامية. الجزائر.

ليس من الدقة ولا الإنصاف الكلام بإطلاق غير مقيد عن الحركات والأحزاب الإسلامية ، فراد من حيث تقييم أدائها ، وتشخيص أوضاعها ، والحكم عليها بعامة. فالمنتسبون للإسلام من حركات ،وأحزاب وتنظيمات وأفراد ليسوا على نهج واحد ،ولا لهم غايات متساوقة ، ولا منطلقات متفق عليها ؛كل هذا يقتضي منا اجتناب الإطلاق والتعميم في الكلام عن التجربة والممارسة السياسية للأحزاب الإسلامية.

ولنا في هذا المقام أن نعرض أنموذجاً يمثل طرفاً من قوانين إحدى حركات الإسلام السياسي ،وأنموذجا يمثل إحدى حركات الإسلام العسكري :

مثال (حركة مجمع السلم – الجزائر)، هذا جزء من نص قانونها الأساسي:( )

الباب الأول: التسمية، المبادئ الأهداف والوسائل

الفصل الثاني: المرجعية

المــادة 02 : تعتمد حركة مجتمع السلم في مرجعيتها على :

- الإسلام بمصادره ومقاصده باعتباره قوة جمع وتوحيد وضبط لتوجهات الأمة وتطلعاتها، ومصدر إلهام وتجديد وعنصر تفاعل للشعب ورعاية مصالحه عبر الاجتهاد الجماعي.

- تراث الحركة الوطنية بكل ما قدمته للشعب خلال عقود من الزمن كانت منبع إحياء روح الوطنية والجهاد من أجل السيادة الكاملة.

- بيان أول نوفمبر 1954 ببنوده وأهدافه وما يشكله من نظرة شاملة ومتوازنة للدولة الجزائرية المنشودة ودورها في المحيط العربي والإسلامي والعالمي.

- تراث الحركات الإصلاحية وتجارب الحركات الإسلامية المعتدلة في العالم،

- ما وصل إليه الفكر الإنساني من قيم حضارية تسعد البشرية وتحقق استقرارها.

الفصـل الثـالث: الثوابت و المبادئ

المــادة 03 : تنطلق حركة مجتمع السلم من المبادئ التالية:

- الإسلام عقيدة وشريعة ينبثق عنها تصور متكامل للإنسان والكون والحياة.

- الوحدة الوطنية ترابا وشعبا وتراثا واعتبار التنوع الموجود عنصر قوة انصهرت مكوناته عبر التاريخ.

- الانتماء للأمة والحضارة العربية والإسلامية.

- اللغة العربية كوعاء ضمن للأمة تراثها وحافظ على كيانها.

- اللغة الأمازيغية بكل أشكالها التعبيرية وتراثها الذي يضرب في عمق التاريخ.

- النظام الجمهوري الذي يعطي للشعب حقه في اختيار حكامه دون إكراه أو وصاية والتعددية السياسية في ظل التداول السلمي على السلطة.

- الحريات الخاصة والعامة باعتبارها مبدأ إسلاميا ومطلبا إنسانياً. العمل على تحسين المستوى المعيشي لأفراد الشعب،

- توظيف جميع المقدرات الوطنية لتوفير فرص الكسب النظيف والعمل على حماية الثروات العامة وحسن الاستفادة منها.

- انتهاج سياسة مالية واقتصادية توفر للشعب الجزائري الاستفادة من مقدراته وحسن توظيفها ومحاربة الفساد بكل أنواعه.

- ترقية العمل السياسي بما يخدم ثوابت الأمة ومبادئها.

- الاهتمام بالجالية الجزائرية بما يحفظ هويتها وقيمها ويشركها في التنمية الوطنية

- تمكين الجزائر من القيام بدورها المتقدم على المستوى الإقليمي والدولي من خلال مناصرة القضايا الإنسانية العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين وقضايا الأمة العربية والإسلامية.

- الدفاع عن حقوق الإنسان وصون كرامته.

الفصـل الرابـع: الأهداف و الأوليات

المـادة 04 : ترمي حركة مجتمع السلم إلى تحقيق الأهداف التالية :

- استمرار العمل لتحقيق وتجسيد الأهداف التي نص عليها بيان أول نوفمبر.

- الاهتمام ببناء المواطن وإصلاحه باعتباره العنصر الأساس في عملية الإصلاح والتغيير نحو الأحسن، وذلك عبر إيجاد المواطن الصالح والأسرة الصالحة والمجتمع الصالح لتحقيق الحكم الصالح والراشد.

- الدفاع عن قيم الشعب وثوابته ومبادئه وإشراكه في حل المشاكل والخروج من الأزمة.

- توطيد الأمن والاستقرار وذلك من خلال المصلحة الوطنية فكرا وسلوكا بين شرائح المجتمع وفئاته المختلفة وتحقيق الثقة بين الحاكم والمحكوم.

- تحسين المستوى المعيشي لأفراد الشعب، وتوظيف جميع المقدرات الوطنية لتوفير فرص العمل والعمل على حماية الثروات العامة وحسن الاستفادة منها.

- انتهاج سياسة مالية واقتصادية توفر للجزائر والشعب الجزائري الاستفادة من مقدراته وحسن توظيف علاقاته الإقليمية والدولية.

- ترقية التحالفـات السياسية بما يخـدم ثوابت الأمة ومبادئها ويحقق للحركة أهدافها.

- الاهتمام بالجالية الجزائرية بالخارج بما يحفظ هويتها وقيمها ويشركها في التنمية الوطنية في المجالات المختلفة.

- تمكين الجزائر من القيام بدورها المتقدم على المستوى الإقليمي والدولي من خـلال نصرة القـضايا الإنسانية العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين وقضايا الأمة العربية والإسلامية.

- الدفاع عن حقوق الإنسان بما يدفعها نحو المزيد من الحرية والكرامة.

13 يوليه 2010 (يتبع الجزء الثاني)

Add comment


Security code
Refresh

تسجيلات ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

 العدد الجديد من المنتدى الليبي

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

أجزاء مختارة من كتاب

المؤتمر الوطني لحوادث الطرق في ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات أخبار ليبيا

من إصدارات الشفافية ليبيا

صفحة المجلة والملفات