نحو أمية منظمة

بقلم: د. عوض محمد القويري

 

لا أدري هل يعلم المسؤولون عن قطاع التعليم في بلادي إلى أي مدى وصلت الأمية في بلادنا بعد أن قادت ليبيا حربا شعواء ضد الأمية منذ أن بدأت خطواتها الأولى نحو إنشاء دولة بالمفهموم الحديث، من نهاية أربعينيات القرن الماضي. شارك فيها أبناء ليبيا في المهجر عندما لبوا نداء وطنهم وعادوا ليشاركوا في بناء ليبيا وطن العطاء. وخير مثال على ذلك المرحوم علي خليفة الزائدي مؤسس الحركة الكشفية في ليبيا الذي عاد من مهجره بلبنان ملبيا نداء وطنه ليبيا، وكانت نعم التلبية. ثم وصلت هذه الحرب ضد الأمية والجهل ذروتها مع بداية سبعينيات القرن الماضي. وشهد التعليم أوج ازدهاره خلال هذه الفترة وتألق طلبتنا في مختلف مستويات التعليم. وأقبل الليبيون بكل شغف على التعلم، وفتحت فصول محو الأمية للكبار رجالا ونساء.

وكانت المدارس المسائية لمن ظروفه لا تسمح له بالانتظام في الدراسة. بل كان عندنا نظام الانتساب. وسمح هذان النظامان للكثير من أبناء ليبيا بالتعلم والتفوق، حتى أن الكثيرين ممن يتقلدون مناصب قيادية في الدولة الليبية، هم من خريجي هذين النظامين. وكان عندنا نظام المعاهد الفنية دون المتوسطة التي كانت تؤي أؤلئك الطلبة الذين لم تكن قدرتهم على الاستيعاب في المستوى المطلوب الذي يمكنهم من إكمال تعليمهم العادي، وحتى لايضيعوا، يتم تدريبهم في تلك المعاهد التي كانت تسمى معاهد التلمذة الصناعية. وقد خرجت شبابا بنائين ونجارين وكهربائيين ومكانيكيين وغيرها من المهن التي كان المجتمع يحتاجها، وبذلك غطى خريجوا هذه المعاهد سوق العمل الليبية، واستوعبت الشباب ومكنتهم من خلق فرص عمل لأنفسهم بدون أن يشكلوا عبئا على خزينة المجتمع، أوعلى الكادر الوظيفي للدولة الليبية. وكانت الأمور على مايرام، والجامعات والمعاهد العليا قائمة بدورها على أحسن وجه. وكذلك المدارس الابتدائية حتى المدرسين المعارين من الدول العربية للمشاركة في العملية التعليمية كانوا من أفضل العناصر التعليمية في بلدانهم، وكان لهم دور فعال في رفع المستوى التعليمي في بلادنا إلى جانب إخوانهم من الليبيين من المدرسين الأوائل الرائعين، الذين أعطوا ليبيا بدون منة وتفضل، وصنعوا جيلا قويا ساهم بقوة في بناء ليبيا الحديثة، جزاهم الله عنا كل خير.

وكان الغش في الامتحانات عار ما بعده عار. ولازلت أذكر جيدا أننا كنا في امتحانات الثانوية العامة سنة 1980 وأذكر أن لجنتنا نحن طلبة شهداء يناير الثانوية بمدرسة الشهيد امحمد المقريف (في التوريللي على البحر)، وحدث أن مسك أحد الزملاء الطلبة في حالة غش. هل تعرفون ما حدث؟ لقد غضبنا منه نحن أصدقاءه وقاطعناه حتى أتى إلينا في بيوتنا معتذرا عن فعلته هذه التي اعتبرناها له خيانة، وعاهدنا على عدم تكرارها. وأحكي لكم حكاية عن رجل كان مسؤولا عن الامتحانات هو الأستاذ فتحي شتوان (رحمه الله)، كان يشغل منصب رئيس قسم الدراسة والامتحانات في تعليم بنغازي، وكان هذا الرجل (رحمه الله) يترك بيته وينام في مكتبه أيام الامتحانات. وكان مكتبه في إحدى عمارات حي سعدون في منطقة سيدي حسين والمعروفة بين الناس بعمارات الكعب العالي. وحدث في إحدى السنوات أن تفاجأ المسؤولون في التعليم باعتذار مقدم من الأستاذ فتحي (رحمه الله) عن رئاسة مكتب الدراسة والامتحانات ورفض ذكر الأسباب إلي أن أخبرهم أحد زملائه بأنه اعتذر لأن ابنته "رقية" طالبة بالشهادة الإعدادية ذلك العام، فلم يعط نفسه الحق بأن يكون على رأس لجان الامتحانات احتراما لنفسه وللأمانة التي يحملها، مع العلم أن طلب اعتذاره رفض من قبل المسؤولين.

هؤلاء هم رجالات التعليم الذين كانوا، وأعتقد أنهم مازالوا في بلادي - لنفاجأ الآن بأن الغش في الامتحانات هو حق مكتسب، بل هناك من أؤلياء الأمور من يساعد أولاده عليه، ومن المسؤولين من يطلب تسهيله على الطلبة. بل وصل الأمر في إحدى سنوات الماضية أن فصل عدد كبير من الطلبة من بعض الجامعات الليبية لاستنفاذ فرص نجاحهم ولرسوبهم المتكرر، فكان أن صدر قرار ببعثهم للدراسة في الخارج، ورجع الكثيرون منهم يحملون شهادات الدكتوراة، ومنهم من تولى مناصب قيادية في الدولة الليبية. وهكذا وبدون مقدمات استمر انقلاب المعايير فألغيت التربية، والغي التعليم الإلزامي ليصبح الأمر منوطا بالتلميذ ورغبته وقل إنشاء المدارس ليصبح عدد الطلبة في الفصل الواحد يزيد عن الأربعين تلميذا، وألغيت معاهد التلمذة الصناعية والدراسة الليلية ونظام الانتساب، وزاد عدد المتسربين من تلاميذ مرحلة التعليم (الإلزامي) المتوسط لتزداد الأمية بين مواليد السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات. وبشكل كبير جدا لوحظ في كثير من المواقف منها عندما طلب للخدمة الوطنية مواليد السبعينيات والثمانينيات والتسعينات حيث كان الكثير منهم لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، وكذلك مانراه نحن من علاقاتنا الاجتماعية بدون أن نحرك ساكنا. في إحدى المرات كنت في مصرف التجارة والتنمية فرع البركة ببنغازي وكنت أريد صرف صك فتقدمت مني سيدة وطلبت مني كتابة صكها لتصرفه، وكان معها شاب فكتبت لها الصك، وسألت الشاب أليست أمك؟ قال لي نعم، فقلت له لماذا لم تكتب لها الصك؟ فقال لي لا أعرف الكتابة. فسألته أنت من مواليد أي سنة؟ قال سنة 1990. اندهشت وخرجت متحسرا على أجيال من بلادي فقدناها.

إن العالم الآن يعد الأمية هي عدم معرفة طريقة استعمال الحاسوب على أساس أن العالم محى أمية الحرف. في إحدي المرات كانت الإذاعة المرئية الليبية تبث برنامجا عاما تستضيف فيه طلبة إحدى الجامعات الليبية فسأل المذيع الطلبة سؤالا هو: من هي أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب الطالب بدون تردد السيدة (السيدة خديجة بنت وهب)، بدون خجل وبكل ثقة، ولو استمريت في - جلب الأمثلة لما كفتني صفحات - يا آسفي!

   سادتي إن الوضع ينذر بخطر أكيد ووشيك، ويتطلب منا تدخلا سريعا وحاسما لإنقاذ أبنائنا وبلادنا من الجهل.

15 يولبه 2010

Add comment


Security code
Refresh

تسجيلات ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

 العدد الجديد من المنتدى الليبي

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

أجزاء مختارة من كتاب

المؤتمر الوطني لحوادث الطرق في ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات أخبار ليبيا

من إصدارات الشفافية ليبيا

صفحة المجلة والملفات