من البالماريوم إلى الجاحظ! .. خطاب القذافي وبورقيبة
بقلم: مالك التريكي
جلست مع الأستاذ محمد مزالي في بيته نشاهد تسجيلا لخطاب 'البالماريوم'. وقصة هذا الخطاب الشهير، الذي يعود إلى نهاية عام 1972، أن القذافي أتى تونس في إحدى زياراته المفاجئة. كان بورقيبة مريضا، فلم يقابله. خطب القذافي أمام كوادر الحزب الحاكم. كان بورقيبة ينصت، على عادته، إلى الراديو. راعه هول ما سمع. فارتدى ثيابه على عجل وأرسل في طلب السائق. فوجىء الحضور في قاعة 'البالماريوم' ببورقيبة داخلا عليهم. ذهب رأسا إلى المنصة. وألقى، والقذافي وحاشيته شهود، محاضرة في أصول العلاقات الدولية. محاضرة لم يستوعبها النظام الليبي إلا بعد تأخير. ولو أنه تأخير طفيف: مجرد ثلاثين سنة من الهدر والتهويم. بل إنه لم يستوعبها إلا على مذهبه الخاص: قفزا طويلا، عقب الإقرار بالبرنامج النووي في كانون الأول (ديسمبر) 2003، من نظام الركض 'الثوري' في كل اتجاه إلى نظام الأخذ العادي بأسباب 'البزنس'.
كانت محاضرة من الطراز 'الماجسترال'، الذي يتقنه كبار الأساتذة، إلى حد أن مزالي التفت إلي بعد نهاية التسجيل وقال: 'أرأيت مدى عمق ثقافة بورقيبة ومعرفته بالتاريخ؟...' وما أنا بالذي يحتاج في هذا إلى إقناع. وإنما أطربني أن الشاهد لبورقيبة بالتميز المعرفي (علاوة على اعترافه له بالفضل الوطني وثباته، رغم عظم المظلمة، على البرّ به والوفاء له) هو الأستاذ محمد مزالي الذي كنت قد نشأت معجبا، منذ سنوات التكوين، بثقافته العروبية ومأخوذا بجمال أسلوبه الكتابي الفرنسي المعزز بحسن فصاحة لم أر لها مثيلا، عند الساسة العرب العارفين بلغة موليير، إلا لدى الملك الحسن الثاني... لاحظت أن مزالي يحمل ذكريات طيبة عن علاقات تونس مع جميع الدول العربية. إلا أنه كان يعاني جرحا لم يندمل من تصرفات النظام الليبي، خاصة تلك العادة القومية الوحدوية التي كانت تتمثل في طرد عشرات الآلاف من العمال التونسيين كلما حدثت جفوة بين النظامين.
تشعب الحديث. أطلعني على صور قديمة. شعرت أنه لم يكن هناك بينه وبين محمود المسعدي كبير مودة، رغم أن المسعدي كان أستاذه في المدرسة الصادقية. لهذا لم أر داعيا للتعبير عن رأيي الشخصي بأن المسعدي هو عملاق أدب القرن العشرين في تونس بدون منازع. لكن ذلك لم يمنع من الحديث عن مؤتمر الأدباء العرب الذي عقد في القاهرة عام 1957 وشارك فيه هو والمسعدي ممثلين عن تونس. آنذاك دافع مزالي عن المسعدي الذي حاصرته الانتقادات بسبب قوله بأن الالتزام السياسي، حتى لو كان وطنيا أو قوميا، هو مضر بالأدب إذا كان مجرد إلزام مفروض على ضمير الأديب من الخارج. وذكر مزالي أن طه حسين كان متفهما لهذا الموقف. كما تطرقنا لزيارته إلى القاهرة عام 1965 مع بورقيبة، ضمن وفد تونسي كبير، وعن الكلام الصريح إلى درجة الحدة الذي قاله بورقيبة لعبد الناصر بشأن حرب اليمن وعن إبلاغه إياه مسبقا، قبل أيام من خطابه الشهير في أريحا، بأنه سوف يدعو الفلسطينيين إلى قبول قرار التقسيم.
ثم تحدث مزالي بمرارة عن مسؤولية حركة الإسلام السياسي التونسية عما قاسته البلاد منذ أوائل الثمانينيات. قال لي إنهم شطّوا في المطالب واستعجلوا المواجهة. ومضى يشرح أنهم لم يريدوا أن يفهموا أنه كان من المستحيل في مرحلة الاحتقان تلك قبول إنشاء حزب سياسي على أساس ديني، وأنهم لو تجنبوا التصعيد لتبيّن لهم أن وجوده في السلطة عهدئذ قد كان فرصة تاريخية بالنسبة لهم. وأضاف أن 'هذا بالضبط هو ما قاله لهم أمامي قيادي إسلامي مغربي معروف نسيت اسمه الآن'. قلت: 'لعله عبد الإله بن كيران؟' أجاب: 'أظن أنه هو'.
ثم أنبأني، ولسان حاله يقول 'ليت قومي يعلمون'، بأن زوجته السيدة فتحية مزالي، التي لا تدّعي في الدين شيئا والتي لا تصنف 'إسلامية' بأي حال، قد كانت المسلمة الوحيدة التي مثلت تونس في مؤتمر الطالبات المسلمات في فرنسا أواخر الأربعينيات... لم أقابل زوجته لأنها كانت آنذاك في زيارة قصيرة إلى البلاد. أخبرني، بكل عفوية، أنها أعدت له من الطعام ما يكفيه لمدة، ثم دعاني لأن أتناول معه 'طبيخة' (أكلة شعبية من الخضر والبقول) من صنع يديها. فشكرت واعتذرت لضيق الوقت. عند ذاك روى لي قصة تذكّرها من نوادر بخلاء الجاحظ. فتوادعنا ضاحكين. لكأن تلك كانت بمثابة ما يسميه أبو حيان بـ'ملحة الوداع'...
القدس العربي – 19 يوليو 2010
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية Copyright 2010 Libyaforum.org