الرقابة القضائية لدستورية القوانين في ليبيا
بقلم: محمد سالم دراه
طرح المجتمعون في اللجنة التحضيرية عنواناً للمؤتمر "أزمة التشريع في ليبيا" واعترض البعض على هذا التوصيف (بالتلطيف) واقترحوا "نحو تطوير التشريع في ليبيا" في وجهة نظر الباحث العبرة بالعمل على دراسة "التشريع" وإشكالياته في ليبيا، ومحاولة إيجاد آليات ومقترحات للتطوير، نظراً إلى أن التوصيف سواء (بالأزمة) أم (نحو التطوير) لا يخلو من آثار درجة الإحساس بالمشكلة.
تأتي هذه الورقة لمعالجة مسألة بدأت مبكراً في تاريخ التشريع والقضاء الليبي، وعبرت عن مدى استقلالية القضاء في ليبيا، وقدرته على الوقوف على مسافة ما من السلطة السياسية، أو الذوبان فيها. ويستطيع المتتبع لهذه المسألة أن يلتمس ذلك بوضوح من خلال تاريخ المحكمة العليا القضائي، والذي يتميز بدورة عشرية، أي بتغيير ما كل عشر سنوات تقريباً، حيث تشهد المحكمة العليا تغييراً في الاختصاص.
هذه الدورة العشرية تنصب على المسألة المطروحة "الرقابة القضائية" لدستورية القوانين أكثر من غيرها، إذا ما استثنينا، التغيير الحاصل في شكل الدولة سنة 1963، وكذلك سنة 1969.
وتقتصر هذه الورقة على دراسة الوضع الحالي قدر الإمكان، نظراً إلى أن التجربة التاريخية في مجال الرقابة القضائية لأعمال التشريع وإن كانت لا تخلو من الفائدة، إلا إنها تبتعد عن الواقع نطرح التساؤلات التالية:
كيف يتأتى للمشرع الليبي أن ينص على (الرقابة القضائية) لدستورية القوانين في ظل اعتناقه لنظام وحدة السلطة ، وأن السلطة للشعب يمارسها من خلال نظام المؤتمرات؟، وهل يعني إقرار المبدأ قبول المشرع بآثار الرقابة، سواء كانت رقابة إلغاء، أم رقابة امتناع؟، أم أن الأمر خلاف ذلك وقد حسم بصدور القانون رقم 17 لسنة 1423؟.
وكيف يتم تشريع الرقابة لدستورية القوانين في ظل غياب دستور مكتوب، بالرغم من أنه ليس شرطاً، ولكن في ظل قيام المحكمة العليا بالتقليل من كتلة المشروعية في أحد مبادئها ونقصد، اعتبار الوثيقة "خطاب موجه للمشرع"، وفي ظل عدم احترام الأخير للأدوات القانونية المنصوص عليها لتفعيل الوثيقة، خاصة القانون رقم 5 لسنة 1990 وقانون تعزيز الحرية رقم 20 لسنة 1992، وضرورة الالتزام بما ورد فيهما من نصوص وأن تكون التشريعات بما يتواءم معهما؟.هل يفسر اتجاه المشرع بالنص على الرقابة القضائية استجابة للمتطلبات الدولية في ظل الهيمنة، أم استجابة لدعوات الفكر القانوني والسياسي الداخلي والذي يرفع صوته مطالباً بالإصلاح التشريعي والسياسي ولو بصورة محتشمة، وبحسب التفسيرات والاجتهادات التي تجنح إليها التيارات المختلفة؟ أم أن القول ماذا تريدون من المشرع أن يفعل بالضبط أيها الليبيون، وصدور القانون (17) لسنة 1423 أعاد الاختصاص للمحكمة وما عليكم إلا تحمل مسؤوليتكم القضائية؟.ليكن واضحاً أن طرح هذه الأسئلة لا ينطلق من رؤية الباحث بعدم جدوى نظام الرقابة لدستورية القوانين، أي اتخاذ موقف ضد رقابة دستورية القوانين، حيث لا يمكن لقانوني في ظل الظروف الموضوعية الراهنة إلا أن يزكي هذه الرقابة، وينادي بها، ويتم طرح الأسئلة حول فاعليتها ودراسة آلياتها، والتنبيه لما يراه من أوجه قصور في النظام القانوني، وأن يحذر مما يعتقد أن يضر بمصلحة الفرد والجماعة.
هذه هي مجموعة الأسئلة التي تحاول هذه الورقة التصدي لها وذلك من خلال دراسة مسألة الرقابة لدستورية القوانين في ليبيا في ظل القانون رقم (17) لسنة 1423.
الرقابة القضائية لدستورية القوانين:
الرقابة القضائية لدستورية القوانين من أخطر الاختصاصات التي يمنحها المشرع للسلطة القضائية وينقسم الفقه الدستوري حول هذه المسألة، حيث يعدها البعض من "الحلول الخداعة" التي مر عليها الزمن باعتبارها العلاج الناجح والكامل لالتزام السلطات بالحدود الواردة على اختصاصها.ويراها البعض الآخر على الدولة الرشيدة التي تلتزم بتطبيق القانون، وتفتح باباً مشرعاً باستمرار لمراجعة سياساتها التشريعية، وتملك قدرة الدفاع عن تلك السياسات بالأساليب العلمية والمنطقية أمام المحاكم ولا تخاف من عرضها أو نقدها وتعريضها لمعايير تم الاتفاق مجتمعياً عليها.
أساس الرقابة هو مبدأ التقيد بالحدود التي وضعها الدستور للسلطة التشريعية بحيث لا تتجاوز تلك الحدود، وهي لا تشمل ما تصدره السلطة التنفيذية من قرارات، وقواعد تنظيمية، وهو ما يدخل في رقابة الشرعية ولكن في نطاق القانون الإداري وليس الدستوري.وعندما نضيف مصطلح "القضائية" للرقابة فإننا في الواقع نقصي الرقابة السياسية لدستورية القوانين. والرقابة القضائية لدستورية القوانين (سلطة تقرير) فيما إذا كان قانوناً ما مخالفاً للدستور أم لا أو (سلطة إلغائه) من خلال آلية أو آليات قانونية منصوص عليها.
والرقابة القضائية لدستورية القوانين إما أن تكون رقابة سابقة أو رقابة لاحقة، أو تكون رقابة امتناع أو تكون رقابة إلغاء، وتكون بامتناع القاضي عن تطبيق القانون أو النص الذي يحكم بمخالفته للدستور، أما رقابة الإلغاء فهي أخطر أنواع الرقابة حيث يملك القاضي إبطالها.
الأساس التشريعي للرقابة القضائية لدستورية القوانين في ليبيا:
ينص الباب الرابع من القانون رقم (6/1982) بموجب القانون (17) لسنة 1423و.ر في المادة (23) على :
أولاً: الطعون التي يرفعها كل ذي مصلحة شخصية مباشرة في أي تشريع يكون مخالفاً للدستور.
ثانياً: أية مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو بتفسيره تثار في قضية منظورة أمام أية محكمة.
عرفت ليبيا مبكراً نظام الرقابة على دستورية القوانين، واستمر العمل بهذا النظام حتى سنة 1982 حيث صدر القانون رقم 6/1982 الذي سحب هذا الاختصاص من المحكمة العليا، ثم صدر القانون رقم 17 سنة 1423 وأعاد الاختصاص، والذي بقى مجمداً إلى حين صدور لائحة المحكمة العليا سنة 2004 حيث تم استئناف النظر في الطعون الدستورية.ونظراً إلى أن القانون رقم 17/1423 هو الذي أعاد الاختصاص للمحكمة العليا، وأن القانون رقم 6 سنة 1982 هو الذي سحب الاختصاص فالصحيح أن الإشارة إلى الاختصاص بناء على القانون الأول وليس الأخير حسب وجهة نظر الباحث، عكس ما ذهبت إليه منشورات المحكمة العليا .
القانون رقم (17) سنة 1423 وإعادة الاختصاص:
الطعون التي يرفعها كل ذي مصلحة:
صورة الطعن في دستورية القانون الواردة في البند (أولاً: من المادة 23 من القانون رقم 6/1982 المعدل، يأخذ صورة الدعوى المباشرة أمام المحكمة العليا ابتداء بصحيفة موقعة من أحد المحامين أمامها تقدم إلى المسجل المختص من أصل وعدد كاف من الصور.والجدير بالملاحظة هنا أنه لا القانون رقم 6/1982 المعدل ولا اللائحة الداخلية للمحكمة العليا حددا موعداً معيناً لرفع الطعن بعدم الدستورية، فقد نص الباب الخامس من القانون رقم 6 على إجراءات الطعون الإدارية والطعون في المواد المدنية ومواد الأحوال الشخصية وإخضاعها للقواعد والإجراءات المقررة في قانون المرافعات، وتسري على الطعون الجنائية القواعد المقررة في قانون الإجراءات الجنائية، في حين تطبق في شأن تنازع الاختصاص الإجراءات المنصوص عليها في نظام القضاء، ولم يتعرض للطعون الدستورية من حيث المدة.ومن ناحية أخرى لم تتعرض اللائحة الداخلية للمحكمة العليا للدعوى المبتدأة من حيث مدة رفع الطعن عكس الدفع، مما يعني أن ذوي الشأن يستطيعون أن يرفعوا طعونهم الدستورية في أي وقت وبذلك يكون المشرع قد فتح الباب للطعن بصورة أبدية عن سهو أو قصد، ولا نملك هنا إلا أن نبارك هذا الاتجاه والذي يعد خطوة متقدمة عما هو وارد في المادة 13 من اللائحة الداخلية للمحكمة العليا في ثوبها القديم حيث أوجبت رفع الدعوى خلال (60) يوماً من تاريخ النشر أو الإعلان.
وعدت المحكمة العليا سكوت القانون عن عدم تحديد موعد لرفع الطعون الدستورية، لا يمكن أن يحمل إلا على أنه ترك تحديد الميعاد لتلك اللائحة، وحيث إن القانون رقم (6) لسنة 1982 لم يفعل وكذلك اللائحة وبالتالي لا يمكن أن يحمل إلا على أنه خطا خطوة إلى الأمام بإمكانية التقدم بالطعون الدستورية في أي وقت.
ويشترط في الدعوى بعدم دستورية قانون ما أن يرفعها كل ذي مصلحة شخصية مباشرة في أي تشريع يكون مخالفاً للدستور، وفي هذا الإطار تسأل الفقه الدستوري عما إذا كانت المصلحة المحتملة تكفي لصفة الطاعن طالما أن النص لم يشترط أن تكون المصلحة حالة، وطبقاً لمبادئ المحكمة العليا التي توسعت في تقدير المصلحة بالقول (والمصلحة… لا يلزم أن تكون حالة بل يكفي أن تكون محتملة… ويكفي أن تتحقق هذه المصلحة حالة أو محتملة في يوم رفع الدعوى).وبالرغم من هذه الجوانب الإيجابية سواء في تفسير المحكمة العليا (القديم) للمصلحة أم في عدم تحديد القانون المعدل لمدة معينة لرفع الطعن إلا إنه لابد من الإشارة إلى أن البند (أولاً) قد قصر الطعن على (التشريعات) خلافاً للمادة (16)؟ حيث كان محل الطعن يمتد بالإضافة إلى التشريع إلى أي إجراء أو عمل، والذي يشمل تصرفات الإدارة والسلطات العامة سواء كانت قواعد تنظيمية أم على شكل تصرفات مادية طالما أنها تنشئ مراكز قانونية.
الإجــراءات:
ترفع الدعوى كما سبق القول بصحيفة موقعة من أحد المحامين المقبولين أمام المحكمة العليا وتقدم إلى المسجل المختص وعدد كاف من الصور (م12) من اللائحة والتي يجب أن تتضمن البيانات المعروفة في قانون المرافعات المادة (13) من اللائحة كما يجب إعلانها بحسب طرق الإعلان ويتم تبادل المذكرات.
والملفت للنظر في مسألة الإجراءات المتعلقة برفع الطعن أمام المحكمة العليا بعدم الدستورية هو المادة (16) والتي تنص على:"يقوم المسجل المختص بعد انقضاء المواعيد المبينة في المادتين السابقتين بعرض ملف الطعن على رئيس المحكمة ليأمر بإحالته إلى نيابة النقض لتقديم مذكرة برأيها في الميعاد الذي يحدده، وبعد تقديم المذكرة يحيل الملف إلى أحد أعضاء الدوائر المجتمعة ليضع تقريراً يشتمل على الوقائع والمسائل القانونية محل النزاع".
والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الحل إذا ما لم يأمر رئيس المحكمة بإحالة الملف إلى نيابة النقض؟
وإذا كان من المستبعد أن يتراخى رئيس المحكمة العليا عن القيام بواجباته وهو في أعلى السلم القضائي من الناحية المنطقية، إلا أن عدم تحديد المدة في نص المادة (16) من اللائحة يعد قصوراً تشريعياً كبيراً، وذلك لحساسية المسائل الدستورية وإمكانية تصور أن يتعرض رئيس المحكمة العليا لضغوط، وبالتالي كان حرياً باللائحة الداخلية للمحكمة العليا أن تضع سقفاً زمنياً للإحالة.
إن امتناع رئيس المحكمة العليا عن اتخاذ إجراء قد يفرضه الواقع وليس الرغبة، وهو يضع ذوي الشأن ورئيس المحكمة في حرج كبير، وقد لمس الباحث هذا الأمر عندما تأخر صدور لائحة المحكمة العليا وتم مراجعة الرئيس السابق الأستاذ الفاضل حسين البوعيشي بعد تقديم طلب له من عدد من الأساتذة بخصوص تأخر صدور اللائحة، وإمكانية مخاصمته بصفته الإدارية، إلا أنه وعد بإصدارها في موعد قريب وقد فعل.وعلى خلاف ما سبق وضع مشرع اللائحة في المادة (17) سقفاً مدته شهر لرئيس المحكمة بعد إعادة الملف إليه من المستشار المقرر لتحديد جلسة لنظر الدعوى، ومن ناحية أخرى أناط مشرع اللائحة بالمحكمة العليا على عكس طبيعتها المستقرة أن تجرى تحقيقات تكميلية في الوقائع التي يرى المستشار المقرر لزوم تحقيقها، كما له أن يأمر باستدعاء الخصوم أو غيرهم ممن يرى سماع أقوالهم أو تكليفهم بتقديم مذكرات تكميلية أو مستندات إضافية، وهذا الأمر يأخذ طابع التحقيق النهائي للمحكمة خلافاً للقضاء الذي يكون دوره سلبياً في نظر الدعوى، ولا شك أن صيغة الرقابة الدستورية على القانون وما يتميز به من خطورة قد دفع مشرعي اللائحة لإعطاء هذا الاختصاص للمستشار المقرر.
المسألة الدستورية المثارة:وهذه هي الصورة الثانية لأعمال الرقابة الدستورية على القوانين التي تنعقد للمحكمة العليا، وذلك عندما تثور مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو تفسيره في قضية منظورة أمام أية محكمة.وطبقاً لقرار الجمعية العمومية للمحكمة العليا لجلستها المنعقدة بتاريخ 23/6/1373و.ر 2005ف رقم 285 قررت تعديل الفقرة الأولى من المادة (19) من لائحتها، بحيث لم يعد من صلاحيات المحكمة التي أثير أمامها الدفع بعدم الدستورية إحالة ملف القضية إلى المحكمة العليا بعد قرارها بوقف السير في الدعوى، خلافاً للمنهج السابق، وبذلك لم يعد النظر في المسائل الدستورية جائزاً عن طريق الدفع و/ أو أصبح محصوراً عن طريق الدعوى فقط، غير أن المحكمة التي أثير أمامها الدفع يتوجب عليها تأجيل نظر الدعوى لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر وعلى صاحب المصلحة أن يرفع الدعوى الدستورية، فإذا لم ترفع خلال هذه المدة تعد المسألة كأن لم تكن.
وبذلك تكون لائحة المحكمة العليا قد عدلت ضمناً المادة (23) من القانون رقم 6/1982 وهو أمر غير جائز طبقاً للمبادئ التي تحكم التشريع اللائحي، الأمر الذي لا نجد له تفسيراً في وجهة نظرنا إلا محاولة من الجمعية العمومية للمحكمة العليا الحد من نطاق اختصاصها، ولعل ما يفسر هذا الرأي ويسنده هو تباطؤ الجمعية العمومية للمحكمة في إصدارها لائحتها أكثر من عشر سنوات.
الفقه والرقابة القضائية لدستورية القوانين في ليبيا:
بصدور وثيقة إعلان سلطة الشعب سنة 1977 ثار جدل فقهي خلال حقبة الثمانينات والتسعينات حول مسألة دستورية القوانين في ليبيا، وانقسم الفقه مبكراً بين معارضين ومؤيدين للفكرة، حيث يرى بعض ، أنه لا يجوز لأية جهة – نظرياً على الأقل – وبما في ذلك المحكمة العليا سلطة الرقابة على دستورية القوانين، وتعزز هذه الاتجاه بعد ذلك بصدور القانون رقم 6 لسنة 1982 وقيام المحكمة العليا "بغسل يديها من هذه الرقابة".
والواقع أن الفكرة وفي ظل الطرح السياسي السائد في الثمانينات لا تطرح إلا على احتشام. غير أن جانباً من الفقه يرى "أن المحاكم في ليبيا تستطيع ممارسة سلطة رقابة الامتناع" صحة التشريعات "عن تطبيق التشريع إذا ما انطوى على عيب شكلي أو موضوعي يجعلها مخالفة شكلاً أو موضوعاً لإعلان سلطة الشعب والقواعد المستقرة في سن القوانين وإصدارها وتطبيقها".
إن الفقه وهو الذي يجب أن يكون أكثراً تحرراً في الإعلان عن أرائه لم يجد بداً إلا أن يسلم للمحكمة العليا برقابة دستورية القوانين بعد صدور القانون 17/1423، وإن لم يخرج فكرياً من ورطة مبدأ وحدة السلطة والجدل الدائر حولها وانتهى إلى انتهاء جانب من الجدل وليس الجدل كله قد انتهى، واقترح البعض لمعالجة هذه المسألة أن (تأخذ الرقابة أسلوبين رقابة دستورية القوانين (رقابة شرعية)، ورقابة شرعية المجتمع (رقابة المشروعية)، وإذا كانت الرقابة الأولى للمحكمة العليا فإن الثانية تتم عن طريق الجهة التشريعية ذاتها، والرقابة هنا شبيهه بالرقابة السياسية لدستورية القوانين في بعض الأنظمة المقارنة) ورقابة المشروعية حسب الرأي ليست محلاً للاجتهاد تأسيساً على كونها نابعة من الكتاب الأخضر، ويقترح آلية إدراج "الانحراف عن الشريعة" في جدول أعمال المؤتمرات الشعبية وبالتالي أعيدت الكرة إلى المربع الأول.استمر هذا الجدل على مستوى الفقه على أشده خلال الفترة الأولى من الثمانينات، غير أن الرأي المحافظ هو الذي ساد معززاً بعدد من أحكام المحكمة العليا والتي حيدت قسماً كبيراً من كتلة المشروعية من خلال إفراغ الوثيقة الخضراء من محتواها واعتباراها، خطاباً موجهاً للمشرع.
الجدير بالملاحظة أن الجدل الفقهي الذي نتحدث عنه يدور حول رقابة الامتناع، وليس رقابة الإلغاء، فهذه الأخيرة لا تزال تعاني من قلة أنصارها على مستوى الفقه حتى في ظل القانون رقم 17/1423 الذي أعاد الاختصاص للمحكمة العليا للنظر في رقابة دستورية القانون، غير أن الشراح على المثون لم يجدوا بداً من الإقرار بمبدأ الرقابة تحت مظلة من القلق الفكري ، نقول الشراح على المثون، وهذا ليس من باب التقليل من أراء الأساتذة الأفاضل، ولكن استناداً إلى مدارس فقهية بعينها من ناحية، ومن ناحية أخرى أنها تستند إلى وثيقة إعلان سلطة الشعب، وهي وثيقة تعلن مبادئ وبذلك يجب أن تكون مماثلة للوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان، والتي تم سحب البساط من تحت أقدامها قضاءً، ومن بعض هذا الفقه.
مظلة القلق الفكري رقيب ذاتي يمنع أي حديث عن الدستور، أو الرقابة الدستورية، وبالتالي ولدّ الفقه مصطلحات من خلال الازدواج مثل رقابة الشرعية، ورقابة المشروعية، ورقابة صحة التشريع، ورقابة التنبيه ورقابة الانحراف عن الشريعة، ومصطلح جماعية السلطة، وتوزيع الوظائف بديلاً عن بعض المصطلحات المتعارف عليها، والسياق نفسه حول المرجعية. والميثاق بدلاً عن الدستور، وهي لا شك ذات دلالات في سياق الخطاب السياسي ودون الدخول في الموازنة أو التفضيل ، أو التأصيل.إن الاعتقاد السائد بأن المصطلحات القديمة تشكل مساساً بسلطة الشعب التي تعمل وفق مبدأ السيادة للشعب، إن هذا القول ليس صحيحاً فوجود الرقابة (أي رقابة) لا ينفي السلطة في ذاتها بدلالة وجودها في ظل مبدأ الفصل بين السلطات، وبدلالة التناقض الذي يقع فيه مثل هذا الرأي عند الحديث عن أثر الرقابة حيث انتهى (ولكن ذلك لا يعني انعدام أثر هذه الرقابة على صعيد التطبيق استناداً للمادة (31) من قانون المحكمة العليا التي تجعل من المبادئ التي تقررها المحكمة العليا في أحكامها ملزمة لجميع المحاكم وكافة الجهات الأخرى في الجماهيرية)، ويخلص الرأي إلى القول (إن المحكمة العليا كجزء من مرفق القضاء تملك بحكم الاختصاص المقرر لها قانوناً الحكم بعدم دستورية تشريع ما وبالتالي يتوقف العمل به أمام كافة الجهات الأخرى في الدولة إلى حين تدخل المشرع وليس في هذا افتتات أو تدخل في عمل المشرع، بل إننا نرى في هذه الرقابة تعزيزاً لسلطة الشعب).
إن الفهم الظاهر لقارئ هذا الرأي ـ أي قارئ ـ لا يخرج عن القول بوجود الرقابة، وهي رقابة إلغاء المصطلحات المولدة من قبل الفقه أمر يثير الاهتمام، ويساهم في إنماء الفكر القانوني في ليبيا ولا نملك إلا أن نثني عليه ونباركه، غير أننا نلاحظ أن وظيفة الفكر ليست تفسيرية فقط لما هو كائن، بل يجب أن يدفع في اتجاه ما يطور النظرية التي يقوم عليها النظام السياسي، وظيفة الفقه ليست دفاعاً يتمترس تحت مظلة النظرية دون أن ينظر إلى جميع جوانبها الإيجابية والسلبية، أي اتخاذ موقف نقدي منها والذي لا يعني بالضرورة أن يكون موقفاً معادياً.غير أن الجديد في الرأي وإن لم يعلن، يستقى من الأحكام القضائية الصادرة حديثاً في مسألة الدستورية، الأمر الذي نعالجه في البند التالي أي: القضاء الليبي ومسألة رقابة القوانين في ظل القانون رقم 17 لسنة 1423و.ر.
القضاء الليبي ورقابة دستورية القوانين طبقاً للقانون 17 لسنة 1423و.ر
يستطيع الفقه أن يجادل ويطرح ما بدا له من الآراء معتمداً على السياسة، والفلسفة، والفكر، وقبل ذلك القانون، وله أن ينادي حتى بأكثر الآراء غرابة، ولا غضاضة عليه في ذلك، ويتجه القضاء إلى التحفظ، والتكتم الشديد في آرائه، والركون إلى التطبيق الحرفي لنصوص القانون وإرادة المشرع الظاهرة، وإن كان هذا لا ينفي أحياناً أن يكون للقضاء دور خلاق في بعض البلدان إلى درجة تسميته (القاضي المشرع) وبذلك يتولى القضاء الولوج في الحياة العامة بدور نشط من خلال التفسير الجريء لنصوص القانون، والتكييف للوقائع، ومن خلال المواءمة بين الأفكار النيرة والسائدة في المجتمع وأحكام القضاء.
هذا الرأي يساعدنا على توصيف الدور المحافظ للقضاء الليبي في مسألة الرقابة، خاصة بعد صدور القانون رقم 6 لسنة 1982 بسحب اختصاص المحكمة العليا النظر في دستورية القوانين، وفي ظل غياب دستور مكتوب ينص صراحة على ذلك، وطرح سياسي معين، وتجربة تاريخية وقضائية وسياسية أدت إلى خروج مجموعة في مظاهرة تهتف "بسقوط العدالة" عندما أعلمت مسألة الرقابة إلى مداها في القضية رقم (1)؟ نتيجة لذلك لم يستطيع القضاء الاقتراب من هذه المسألة حتى في حدها الأدنى – رقابة الامتناع – بالرغم من أن الفرصة كانت سانحة أكثر من مرة لكي يساهم القضاء في ريادة الفكر القانوني في ليبيا بتطبيق طرحات الفقه الذي مهد الطريق أمام القضاء.
وإذا كان القضاء الليبي يلتمس العذر في هذا المجال المشحون بالألغام السياسية خلال فترة الثمانينات، فلا يعتقد الباحث أن له العذر بعد أخذ المشرع ذاته زمام المبادرة وأعاد الاختصاص خلال فترة التسعينات، بل إن القضاء تنكب بشكل أو آخر عن القيام بتطبيق القانون طبقاً للمعايير القانونية المتعارف عليها حتى في أكثر التوجهات محافظة لدور القاضي.بالرغم من عودة المشرع بموجب القانون رقم 17/1423 وإعادة هذا الاختصاص، غير أن المحكمة العليا لم تمارس اختصاصها بنظر الطعون الدستورية لصعوبات مختلفة يعلن على أنها تتعلق بإصدار اللائحة الداخلية، وحتى صدورها في شهر يوليو 2004 أي بعد مرور أكثر من عشر سنوات على إعادة هذا الاختصاص الذي لم يمارس، وبذلك فقد القضاء الليبي عشر سنوات أو أكثر من ممارسة اختصاصات مهمة كان يمكن أن يكون له دوراً اجتماعياً قانونياً وسياسياً.ومن وجهة نظر الباحث إن تأخر صدور اللائحة الداخلية للمحكمة العليا بما يتماشى مع ويعكس التعديلات الواردة في القانون رقم 17 سنة 1372 يرجع إلى التردد في قبول مبدأ رقابة القضاء على العمل التشريعي، لما يعطيه هذا المبدأ من آثار بعيدة المدى ربما لا تتساوق مع الخطاب السياسي السائد.
ويرى الباحث من خلال الحصيلة الزهيدة التي تمكن من الإطلاع عليها للأحكام الصادرة في الطعون الدستورية بعد إعادة الاختصاص . تؤكد الاتجاه نحو الابتعاد عن تفعيل الرقابة، بالرغم من السياق القانوني في تسبيب بعض الأحكام لا غبار عليه من الناحية التقنية القانونية الصرف، مثل المبدأ الوارد في الطعن الدستوري رقم 1/46 بعدم جواز إحالة الدعوى من محكمة الموضوع إلى المحكمة العليا من تلقاء نفسها، مما يعني إضافة طريق ثالث للطريقين اللذين نص عليهما المشرع، غير أن سلامة هذا المبدأ والذي يتعزز بصراحة المادة (23) من القانون رقم 6/82 المعدل في الفقرة ثانياً والتي تشير إلى (أية مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو بتفسيره (تثار) في قضية منظورة أمام أية محكمة)، وذلك إذا أخذنا بالتفسير الضيق لمصطلح (تثار) على اعتباره مقصوراً على الخصوم وليس المحكمة، بالرغم من أن وجهة نظر الباحث إمكانية التوسع في التفسير وأن (مصطلح تثار) يمكن أن يشمل المحكمة وهي بصدد تكييف الوقائع ولا تقتصر على الخصوم، غير أن تعديل المادة 19 من اللائحة كما سبق القول والذي قامت به الجمعية العمومية للمحكمة العليا ذاتها دعم هذا الاتجاه بالرغم من التساؤل المشروع حول صراحة الفقرة الثانية من المادة (23) من القانون رقم 6/1982 المعدل.
الأكثر مرارة في اتجاه المحكمة العليا هو ما ذهبت إليه في الطعن المدني رقم 11/47 حيث انتهت المحكمة إلى أن الدفع بعدم الدستورية ليس من النظام العام، بحيث يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض، وإنما يتعين على كل من يرى أن هذا العيب متوافر في قانون أو نص تشريعي، أن يسلك الطريق الذي رسمه المشرع… والقول بغير ذلك يترتب عليه تفويت الغرض الذي ابتغاه المشرع من رسم هذا الطريق وهو اختصاص المحكمة العليا.
يرى الباحث أن نص المادة (23) في القانون رقم 6/1982 المعدل في الفقرة ثانياً المشار إليها أعلاه، وإن كان يسعف اتجاه المحكمة العليا في الطعن السابق لا يسعفها في هذا الطعن، حيث يشير إلى أية مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو بتفسيره في قضية منظورة أمام (أية محكمة) وكان يمكن تسهيلاً للتقاضي أن توقف السير في الطعن المدني بصفتها محكمة نقض وتترك الفرصة للخصم الذي أثار الدفع أمامها بتلك الصفة ليرفع الدعوى خلال المدة المحددة قانوناً، لا أن تصفعه بالحكم خصوصاً وأن قضائها باتاً في مسألة ربما يكون فيها وجهاً للفصل في مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور مما يدفعنا إلى الرجوع إلى الذاكرة التاريخية للمحكمة عندما كانت تتصدى لموضوع الطعن من باب إثراء الفكر القانوني بالرغم من عدم قبولها للطعن شكلاً ويدفعنا للتساؤل عن تطبيق المادة (19) من لائحة المحكمة العليا نفسها.
محل الرقابة القضائية لدستورية القوانين:
التشريع في ليبيا:
لمبدأ وحدة السلطة (ويسميه البعض جماعية السلطة) آثار بعيدة المدى تتعلق بإصدار القوانين، وهي أداة الدولة في تنفيذ سياستها، ليس هذا فحسب بل إن المبدأ يثير إشكاليات نظرية وتطبيقية في ظل السياسة المعتنقة أي، سلطة الشعب، ومسألة المشروعية .
تعرض مبدأ وحدة السلطة المعمول به إلى نوع من التفسيرات الضيقة نتيجة للخطاب السياسي السائد دون الأخذ في الاعتبار مصلحة العمل التشريعي الذي لا يزدهر إلا في ظل رقابة فاعلة تمنع التعارض، وتخلق انسجاماً ومواءمة بن القوانين المختلفة، ويعتقد الباحث أن عديداً من القوانين سواء تلك التي خالفت مبادئ الدستورية، أم تلك المتعارضة حتى مع المبادئ القانونية العامة، أو تلك التي تتعارض بشكل صارخ تجعل مبدأ احترامها جميعاً أمر من الصعوبة بمكان.وفي ظل مبدأ وحدة السلطة يثير إصدار التشريعات من قبل المؤتمرات الشعبية الأساسية إشكاليات قانونية، وفنية، وعملية تجعل ممارسة هذه السلطة في سياق التشريع بشكل يحقق أغراضها أمر يكاد يصل إلى حد المستحيل، خصوصاً وأن اشتراطات صدور تشريع يحتاج إلى كفاءة علمية في تخصص بعينه، وعمل دؤوب يستمر لزمن ليس بالقصير، ومناقشات أحياناً كثيرة تتميز بطابع الجدل الفكري، الأمر الذي لا يتسنى لمؤتمر شعبي يتكون من آلاف أو حتى مئات من غير المختصين للوصول إلى مسائل يشترط فيها الوضوح والترتيب المنطقي. نعم الفكرة في شكلها النظري العام ومن خلال التبسيط تبدو رائعة وجذابة وتحقق الديمقراطية في شكلها الطوباوي، إلا أن الواقع العملي والتجربة أثبتا عكس ذلك تماماً، وتنتهي بموافقة الحاضرين، دون علم أكثرهم بخطورة ما تم الاتفاق عليه.إضافة أخرى من الصعوبة التفريق بين درجات التشريع أي فيما هو دستوري (وأساس) وفيما هو تشريع عادي، (قوانين).
آلية التشريع:
آلياً يتم اقتراح مشاريع القوانين من مؤتمر الشعب العام حيث تضمن جداول أعمال المؤتمرات الشعبية الأساسية التي تتولى مناقشتها وإقرارها، وتخاطب بها مؤتمر الشعب العام الذي يتولى صياغة القوانين وإصدارها. وبالرغم من البساطة الظاهرة لهذه الآلية إلا أنها لا تسلم من أوجه النقد والتساؤل بالشكل التي هي عليه من نواحٍ عدة:
1ـ مدى قدرة المؤتمرات الشعبية الأساسية على الإلمام بتقنيات المعالجة القانونية، ومعرفة السوابق، والمصطلحات، العام والخاص… إلخ، وهو شأن يجب أن يتم في مناخ علمي هادئ لا يعتمد على الخطابة، وإنما على الجرأة في إبداء الرأي، الأمر الذي لا يحقق للمشارك عضو المؤتمر والذي يضع مجموعة من الاعتبارات الاجتماعية والسياسية نظراً للجموع الحاضرة.
2ـ الافتقار إلى مضابط الجلسات بما يعني غياب الرجوع إلى محاضر الجلسات، سواء في المؤتمرات الأساسية أو حتى في مؤتمر الشعب العام، (الأعمال التحضيرية).
3ـ النواحي العلمية تفرض الاستغناء عن كثير من الآراء لاستحالة الاستماع إليها جميعاً، لينتهي الأمر إلى نوع من الانتقائية، وهي انتقائية من غير مختصين، وتؤدي في نهاية المطاف إلى إفراغ التجربة من محتواها الحقيقي، وتغيب الإرادة الحقيقية للمشرع – وهو هنا المؤتمرات الشعبية الأساسية.
والأمثلة كثيرة في هذا الشأن لعل أبرزها القانون رقم 17 لسنة …. بشأن إلغاء محكمة الشعب، حيث غاب الشكل تحت مظلة مصطلح إلغاء المحكمة، وبقي مضمون الأخيرة كما هي فأين الإرادة الحقيقية للمشرع؟، هل هي إلغاء هذه المحكمة نتيجة عدد من السلبيات المعروفة؟، أم الإبقاء عليها؟ وفي هذه الحالة ما هي الحاجة أصلاً لإشغال المشرع بنوع من العبث.
4ـ نظرياً لا دور لمؤتمر الشعب العام سوى صياغة القوانين التي تقرها المؤتمرات الشعبية، ولا يملك تغيير، أو تبديل ما تصل إليه المؤتمرات لكي تحقق النظرية السياسية السائدة فعاليتها ومداها، غير أن الواقع يشهد ربما بخلاف ذلك، وتكون النتيجة وهذا هو المهم أن مضمون الإرادة الذي وصل إلى مؤتمر الشعب العام وعلى علاته قد تعرض للتبديل والتغيير، والأخطر من ذلك أن تفعيل الرقابة الدستورية لن يجد معطيات معينة يمكن الاستناد إليها في ظل غياب الأعمال التحضيرية ومضابط الجلسات.
5ـ عملياً مؤتمر الشعب العام هو الذي يقترح مشاريع القوانين وهو الذي يصوغها، وفي حدود المعلومات المتاحة تم رفض مشاريع قوانين تم اقتراحها من المؤتمرات، مما يجعل مسألة التشريع في يد الأمانة العامة لمؤتمر الشعب من حيث الواقع… ولكنها تمت من الناحية النظرية باسم المؤتمرات الشعبية الأساسية مما يخلق تصادماً صارخاً بين النظرية والتطبيق.
مجموعة الإشكاليات المطروحة وغيرها كثيراً سواء تعلق الأمر بمضمون التشريع، أم بآلياته، أم تعلق الأمر بصعوبة بسط الرقابة أم الصعوبة على مستوى الفكر بعدم جواز إعطاء أية جهة مهما كان نوعها سلطة بسط الرقابة على ما تنتهي إليه المؤتمرات يدعو إلى القيام باجتهاد سياسي وقانوني أصيل متحرر من مظلة الخوف سابق الإشارة إليها، ورفع القداسة، والتحريم سواء المنطلق من الرقيب الذاتي، أم الناشئ عن الاعتبارات الموضوعية للطرح السياسي السائد، اجتهاد أصيل يجد حلاً، يحقق الشعارات المطروحة باعتبارها أهداف يمكن الوصول إليها، أو على الأقل مقاربتها، ويتجاوز السلبيات ويناقش تحت الشمس بحرية ودون خوف أو وجل، اجتهاد أصيل يجد حلاً لمسألة الدستور، ويفتح الباب لإعادة النظر في آلية التشريع.
هذه مجموعة ملاحظات عامة فرضها السياق وتتولى أوراق أخرى دراسة المسألة نحيل إليها، غير أن تعرضنا هنا جاء في سياق أحد مقترحات هذه الورقة وهي المناداة بالرقابة السابقة لدستورية القوانين في ليبيا، هذا المقترح يجب أن لا يفهم على أنه للرقابة القضائية اللاحقة، والتي تعد عملاً علاجياً لأي خلل تشريعي لما عسى أن يكون قد وقع في حين أن الرقابة السابقة تعد عملاً وقائياً من الوقوع في مثل ذلك الخلل ويتلخص المقترح في التالي:
تشكيل هيأة متخصصة ومستقلة استقلالاً كاملاً عن كافة الأجهزة الشعبية والرسمية من عدد من أساتذة الجامعات، والمحامين، والمستشارين بأعداد متساوية يتم اختيارهم من جمعياتهم العمومية وهيآت التدريس من كليات القانون، ويراعى في اختيارهم التخصص، والخبرة ومن هم أهل للقيام بهذه المسؤولية الوطنية الجسيمة من حيث الكياسة، والعقل، والوطنية، والمشهود لهم بالجرأة في قول كلمة الحق.
ويتمتع أعضاء الهيأة في معاملتهم الوظيفية بما في ذلك معاشاتهم التقاعدية، بالحصانة المقررة لرجال القضاء، وتخصص لهم مكافآت مجزية جداً، ولا يتقاضوا أية مبالغ أخرى مهما كان نوعها من أية جهة بما يكفل لهم تحصينهم ضد الخضوع لأية ضغوط من أية جهة.وتختص هيأة الرقابة الدستورية السابقة بمراجعة مشاريع القوانين واللوائح من حيث الصياغة، والشرعية، والمشروعية قبل عرضها على المؤتمرات الشعبية الأساسية للمناقشة والإقرار، وفي حالة عدم إقرارها من المؤتمرات بالحالة التي هي عليها، تحال مجدداً للهيأة مشفوعة بالملاحظات. وللهيأة أن تدخل كل أو بعض التعديلات على مشروع القانون أو ترجعه إلى المؤتمرات الشعبية الأساسية مشفوعاً بأوجه اعتراضها، وللمؤتمرات أن تقرر بشأنها ما تراه.
ويتفادى المقترح في حالة قبوله وتنفيذه عديداً من الاعتراضات على آلية التشريع في ليبيا، ويكون له دور وقائي بالإقلال من القضايا الدستورية التي يمكن أن ترفع فيما بعد، بالإضافة إلى رفع مسألة تعارض القوانين وسوء صياغتها، ومنع البعض من التدخل في صياغة النصوص وإفراغها من محتواها، وهو في سياق النظرية السياسية السائدة.
مراجع:
ـ طبقاً للقانون رقم (17/1423) - فقهــاً وقضــاءً - ورقة عمل مقدمة من: أ. محمد سالم دراة المحامي على هامش مؤتمر:(نحو تطوير التشريع في ليبيا) - المركز العالمي لدراسات وبحوث الكتاب الأخضر -طرابلس – ليبيا
ـ مجلة المحامي – العدد 69 – 70 – رئيس التحرير المحامي عمران بورويس
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية Copyright 2010 Libyaforum.org