التعددية السياسية في مجتمع جماهيري
بقلم إسماعيل القريتلي
تعرض مفهوم التعددية السياسية في ليبيا إلى الكثير من الأضرار بسبب سيطرة مفاهيم وأفكار بات من المهم إعادة النقاش فيها بوضوح وبلا تردد، فمفهوم تجريم الحزبية – الذي وُجد بسبب خلافات وظروف سياسية مرت بها ليبيا- تحول إلى أداة قمعية ترفض أي حديث عن التعددية في المجتمع الجماهيري، تبنت فيه النخبة السياسية أساليب وأدوات جديدة في ممارسة السلطة، الأصل فيها أنها تدعم الحوار والتثاقف بين المكونات المختلفة للمجتمع.
وحاول رافضو التعددية أن يحصروها في شكل محدد هو الحزبية، ثم قاموا بتعميم هذا الرفض ضد كل أشكال التعبير المنظم ولو كان شعبيا. ولم يدرك الرافضون أن إصرارهم على إقصاء التعددية سينتهي إلى احتقان واختناق سياسي انتهى في الواقع إلى الإضرار بالممارسة الشعبية نفسها، وبروز الكثير من الأفكار المتشددة سياسيا ترتب عليها وعلى رفض التعددية الكثير من الأحداث الأمنية شهدتها ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
ومع استمرار رفض التعددية عاشت ليبيا حالة تنظيمية سياسية واحدة، تم من خلالها ممارسة التعبير عن الآراء بشكل أحادي، وبات المنتمون إلى الحالة الجديدة بقوة الأمر الواقع، هم المؤهلون لممارسة السياسة، ومن ثم تولوا إدارة الدولة لقرابة ثلاثة عقود، وكانت النتيجة بعد تلك العقود من إدارتهم للمؤسسات الرسمية ما نراه اليوم من انهيار شبه تام في الإدارة والخدمات، وغياب مبدأ المحاسبة والشفافية، وهو أثر متوقع لمنطق الحالة السياسية الواحدة. وتفشت في المجتمع الليبي وليس فقط في إدارة الدولة ظواهر وسلوكيات ناقضت السلطة الشعبية نفسها، كالفساد والمحسوبية، والولاء للمصلحة الخاصة، أو الفئوية التي احتكرتها نخب محددة من الليبيين.
وفي الحقيقة فإنه باستثناء قانون تجريم الحزبية، وما قد يفهم من بعض مقولات الكتاب الأخضر - التي تدفع بالأساس إلى توسيع المشاركة الشعبية في التشريع والإدارة- لا يوجد أساس قانوني أو تنظيري في ليبيا يرفض أو يحرم التعددية السياسية. وكل ما هنالك حتى الآن، عبارة عن اجتهادات وأفكار يمكن أن توصف بالمحاولات التفسيرية لنصوص شكلت -ولا تزال -ضابطا للممارسة السياسية في ليبيا.
وقبل أن أستطرد أعود لأؤكد أن الحزبية لا تزال مرفوضة في ليبيا كتطبيق للتعددية، ولا أجادل هنا للسماح لهذا التطبيق المرفوض أن يعاد العمل به، فلا يوجد ما يدعوني للحماسة مع هذا المطلب، غير أنني أجزم بأنه يمكن لأي مجتمع أن يطور وسائله للتعبير وللتعددية السياسية والتجمع تحت رؤى متنوعة مادام هناك اتفاق على مبادئ عامة للممارسة السياسية التي تشكل السلطة الشعبية الحجر الأساس في المنظور السياسي الليبي.
ومن المهم أن نذكّر أيضا بالاعتراف السائد في ليبيا بالقصور الشديد في الوصول إلى تطبيق حقيقي للسلطة الشعبية والذي يعتبر أحد أهم أسبابه غياب التعددية السياسية ورفضها عمليا أثناء الممارسة الشعبية، حتى بات العزوف عن المشاركة في جلسات المؤتمرات هو الغالب! والجواب عند المواطن الليبي أنه لا جدوى من المشاركة فالأمور محسومة.
لكن حتى مع استمرار الرفض لمفهوم وتطبيقات التعددية السياسية، فإن شكلا منها قد تأسس رغم أنها ليست هي الشكل المطلوب في مجتمع يدعم المشاركة الشعبية للسلطة، فإلى جانب الحركة المسيّسة التي سمح لها بالممارسة السياسية الواسعة، كان ولا يزال هناك مؤسسات في ليبيا هي أقرب إلى التجمعات الثقافية والمهنية وإن كانت قد مارست دورا سياسيا بشكل أو بآخر كالنقابات والاتحادات والروابط.
وبتطور الأوضاع في السنوات القليلة الماضية بدأنا نلحظ بروز أفكار حملت شعار( ليبيا الغد) نادى بها الدكتور سيف الإسلام القذافي وعبر عنها في لقاءات مفتوحة وأخرى خاصة بضرورة التوسع في قبول حالة جديدة في ليبيا. وترتب على سنوات من العمل تحت هذا الشعار بروز فكرة الغد التجميعية التي نرى فيها اليوم عددا من الأفكار والشخصيات ما كانت لتجتمع تحت اتجاه أو مظلة واحدة لولا تأكيد سيف الإسلام المتكرر على حق الجميع في العمل والتعبير، مع تعبيره بوضوح عن أهمية احترام السلطة الشعبية.
اليوم، ليبيا بحاجة ملحة أولا إلى ترسيخ مفهوم التعددية السياسية وما يتبعها من تعددية واختلاف ثقافي، وثانيا إلى تطوير تطبيقات التعددية من خلال السلطة الشعبية بشرط تحديث وسائل الممارسة الشعبية للسلطة.
وربما التوسع في التجمع تحت أفكار تشترك في تشخيص المشكلات التي تعاني منها ليبيا، والوصول إلى حلول مشتركة يمكن من خلالها تفعيل الممارسة الشعبية للسلطة ودفع فئات المجتمع الليبي للمشاركة فيها والإسهام بقوة لما يجدونه في مختلف التيارات ما يتوافق مع رؤاهم في تقديم الحلول للمشاكل المزمنة وسواها في ليبيا. بل إن انتظام المجتمع في تيارات ذات رؤى مشتركة يفعل أداة المؤتمرات ويحمس الليبيين إلى الحضور بقوة وكثافة داخل أروقة المؤتمرات لإحساسهم بأن ما يصنع في داخلها هو ما سيشكل واقعهم ومستقبلهم.
لا شك أن الأوضاع ستتطور تصاعديا مع تواصل الممارسة التعددية للعملية السياسية إلى مغالبة وتزاحم في التصعيد الشعبي، سيكون الاحتكام فيها مع الزمن إلى البرامج المقدمة من تلك التيارات التي ترسخ وجودها في السلطة الشعبية بحضور دائم لآليات الممارسة الشعبية.
وهذا التغالب في التصعيد الشعبي سيدفع إلى تطوير أساليبه وشرائطه، وسيدعم عمليات إنهاء الولاءات الجهوية والقبلية، أو إضعافها على أقل تقدير، لأنها فشلت في خدمة المواطن وتوفير حاجاته، ومن الممكن أن تستبدل التعددية ببرامج سياسية تعرض على المجتمع أثناء ممارسته سلطته الشعبية وبوسائل تتناسب مع الوعي والنضج السياسي لدى الليبيين.
إن المقصود من كل ما سبق ليس طرح وسائل وتطبيقات محددة، بل الهدف هو التأكيد على وجوب البدء دون انتظار أو تردد في ممارسة التعددية التي هي حق طبيعي للإنسان، يناله بمجرد وجوده في هذه الحياة، ولا يمنح له من بشر مثله.
أويا - 22 يوليو 2010
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية Copyright 2010 Libyaforum.org