تاريخ ليبيا المفترى عليه ـ 1

 بقلم: محمود أحمد أبوصوة

 

  

ملاحظات منهجية حول كتاب الدكتور المولدي الأحمر

الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا

الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية

الحلقة الأولى:

لم يحظ تاريخ ولاية طرابلس/ ليبيا الحديث ببعض الاهتمام إلا في فترة متأخرة، تحديدا منذ القرن التاسع عشر*؛ فبالإضافة لعمل شارل فيرو الذي أنجز ما بين سنتي 1883 و 1884، والذي تطرق فيه لتاريخ البلاد (ولاية طرابلس) من سنة 642 م، إلى سنة 1879، نوهت العديد من كتب الرحلات (على سبيل المثال لا الحصر كتاب جوستاف ناختيجال**) بتاريخ الصحراء "الليبية" وببعض مدنها في ذات الفترة تقريبا؛ وخلال الاحتلال الإيطالي أنجز أتوري روسي بحثا مطولا عن تاريخ طرابلس (ليبيا) منذ الفتح حتى سنة1911؛ ولكن الكتابة وبشكل مكثف عن تاريخ ليبيا اقترنت وإلى حد كبير بمرحلة ما بعد الاستقلال. وأقول بشكل مكثف إذ أن البداية الحقيقية لكتابة تاريخ ليبيا تعود إلى عشية استقلال البلاد؛ ففي هذه الفترة، فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي أصبحت فيها جميع الدول العربية مهيأة أكثر من أية فترة سابقة للمطالبة بالاستقلال، شرع بعض الليبيين كغيرهم من أبناء المنطقة العربية في كتابة تاريخ البلاد من منظور لم يكتف أصحابه بإدانة أعمال المحتل فضلا عن دوره في تجزئة البلاد وتخلفها فحسب، بل والمساهمة أيضا في كتابة تاريخية من نوع خاص، كتابة تفترض وجود كيان ليبي تعود نشأته الأولى إلى مرحلة ما قبل الاحتلال بكثير. فالمتمعن على سبيل المثال في دافع الأستاذ مصطفي بعيو لكتابه تاريخ ليبيا / لوبيا يخلص إلى أنه كان في الأساس دافعا "وطنيا"؛ ففي مقدمة عمله الذي نشر في سنة 1947 يقول الأستاذ بعيو إنه كثيرا ما كان يشعر بالخجل "إذا حان درس التاريخ وتناول الحديث مختلف الموضوعات" إذ كان عليّ، يقول الأستاذ بعيو "أن أعيها وأن أعرفها في الوقت الذي كنت أجهل ما يجب أن أعرفه من تاريخ بلادي ولو بتلك الصورة العامة التي كانت تعطى لنا في المرحلة الثانوية"[1]. لذلك قرر وفور التحاقه بقسم التاريخ بكلية الآداب بالقاهرة تخصيص جزء من اهتماماته لتاريخ ليبيا؛ وما أن أنهى المرحلة الجامعية حتى تكونت لديه معرفة لا بأس بها بتاريخ ليبيا مكنته في مرحلة لاحقة من إعداد كتاب عن تاريخ ليبيا الشامل. والمتصفح لهذا العمل تشده العديد من المشاهد التي تؤكد حرصه على كتابة تاريخ بلاده من منظور قطري/ وطني؛ من ذلك، وعلى الرغم من أن الكتاب نشر في مصر وأن الأستاذين عبد الحميد العبادي ومحمد عبد الهادي شعيره قدما له، فإنه لم يكتف بالتطرق لتاريخ ليبيا منذ أقدم العصور من منظور قطري فحسب، بل وحرص أيضا وبشجاعة تحسب له على دعم فكرة مشروعية ضم واحة الجغبوب للأراضي الليبية.

وبعد الاستقلال مباشرة، وبسبب اقتران التاريخ بالشأن السياسي، إذ أن من بين أشهر تعريفات علم التاريخ أنه علم يبحث في سياسات الماضي (History is past politics) شمر الجميع، من أجانب وعرب وليبيين، عن ساعد الجد وأنجزوا العديد من الدراسات الخاصة بتاريخ ليبيا السياسي. هذا وفي الوقت الذي اكتفى الإيطاليون، فترة الاحتلال، بصياغة تاريخ ليبيا السياسي ضمن تاريخ الوافد، وهي ذات الرؤية التي اقترحتها مدرسة الاستشراق الفرنسية من قبل لدراسة تاريخ دول المغرب/ شمال أفريقيا، فإن جهودهم في مرحلة ما بعد الاستقلال اقتصرت على إرسال البعثات العلمية للتنقيب عن الآثار الرومانية/ البيزنطية. وبسبب علاقة ليبيا بالقوتين العظميتين بريطانيا وأمريكا حظي تاريخ ليبيا السياسي بمزيد من الاهتمام من كتاب وأكاديميين من هذين البلدين. فدولة الاستقلال كانت في أمس الحاجة لأعمال تضفي الشرعية على رأس الدولة، وتزوده بمعطيات تضفي المزيد من المصداقية على مؤسسات دولته. ولكن العديد من هذه الأعمال، التي تشكو من عيوب منهجية مختلفة أقلها إعادة صياغة تاريخ ليبيا ضمن تاريخ الوافد، لم يكتف أصحابها بلفت النظر إلى تواضع الاهتمام بالتاريخ الليبي في السابق فحسب، بل وشددوا أيضا على أهمية النفط في جميع مرافق الحياة.

من ذلك أن جون رايت (John Wright ) الصحفي الإنجليزي الذي عاش في طرابلس وعمل بها مراسلا لجريدة (Sundy Ghibli) في الستينيات، فترة ما قبل الثورة*، يذكر بأنه لم يعثر على كتاب واحد يغطي تاريخ ليبيا العام رغم وجود عدد من الأعمال التي تغطي جزءا من تاريخها، ككتاب (Haynes) عن آثار طرابلس، أو كتاب (Evans-Pritchard) عن السنوسية، أو كتاب (Kubar) عن صناعة النفط. هذا ويضيف في تمهيد الكتاب بأن التجارب السياسية التي عرفتها ليبيا في فترة الاحتلال وتحديدا بين سنتي 1911- 1951، فضلا عن التطور الدستوري الذي رعته الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، على أهميتهما لا يمكن مقارنتهما بالحدث المركزي الذي عرفته البلاد بعد الاستقلال، ويعني بذلك حدث اكتشاف النفط واستغلاله. إن النفط، يقول رايت، أضفى على تاريخ البلاد المعاصر أهمية أكبر بكثير من تطور هذه الأمة السياسي منذ الاستقلال[2]. ليس هنا مجال الرد على وجهة نظر رايت التي يشاطره فيها معظم من كتب بعده عن ليبيا من الأمريكيين والبريطانيين[3] في مرحلة ما بعد الاستقلال، فالوقفة هذه لا هدف لها سوى التنبيه إلى أن تاريخ ليبيا السياسي عرف نموا مطردا منذ العقد السابع للقرن المنصرم.

في هذه الفترة، وقبلها أيضا، وسواء كان السبب ظهور النفط واستغلاله أو غيره من الأسباب، فإن عددا غير قليل من الباحثين العرب كانوا قد كرسوا جهودهم وأبحاثهم لدراسة تاريخ ليبيا السياسي. والأعمال كثيرة ولا يمكن حصرها في هذا السياق، لذلك سأكتفي بالتنويه ببعض العناوين التي تؤكد أولوية تاريخ البلاد السياسي حتى قبل ظهور النفط[4]. بالتأكيد إن الاهتمام بتاريخ ليبيا بعد ظهور النفط شهد تطورا ملحوظا، من ذلك أن الأعمال العربية الصادرة بعد سنة 1963 لم يتضاعف عددها فحسب، بل وتنوعت مواضيعها أيضا[5]. ولكن النفط بمفرده لا يفسر حالة النهوض هذه، فالعامل السياسي، أي قيام دولة الاستقلال وبعث العديد من المؤسسات العلمية (الجامعة الليبية مثلا في سنة 1955) كان، في اعتقادي، أهم بكثير من بقية العوامل. ففي ظل هذا المناخ سعت جميع رموز الدولة، من سنوسيين ورؤساء قبائل وزعامات سياسية حضرية وريفية، إلى إضفاء الشرعية على مطالبها من خلال مجموعة من الوسائل أبرزها، في اعتقادي، المساهمة في كتابة التاريخ الليبي الذي كتبوا بعضه أو أوكلوا مهمة كتابة بعضه الآخر للأقارب والأنصار والمؤيدين[6]؛ والأمثلة كثيرة أذكر منها في هذه العجالة ما كتبه الشيخ الطاهر الزاوي (جهاد الأبطال في طرابلس الغرب، وعمر المختار، وجهاد الليبيين في ديار الهجرة)، وما كتب عن سليمان الباروني (سليمان الباروني في أطوار حياته[7]، وسليمان الباروني زعيم المجاهدين الطرابلسيين[8]، وصفحات خالدة من تاريخ الجهاد الليبي[9])، وما كتب عن رمضان السويحلي (رمضان السويحلي البطل الليبي الشهيد بكفاحه للطليان []10). 

وفي ذات المرحلة، أي في العقد السادس من القرن العشرين، وفي المرحلة اللاحقة أيضا أنجز العديد من الليبيين عددا لا بأس به من الأعمال التي كرست لتاريخ البلاد السياسي؛ وفي حين اهتم البعض بنشأة الحركة السنوسية وببعض رموزها (محمد الطيب الأشهب[11])، فإن العديد من الأعمال اللاحقة لم يكتف أصحابها بالتأسيس للدولة الليبية الحديثة انطلاقا من التجربة القرمانلية فحسب (عمر بن إسماعيل[12])، بل وبالتركيز على مرحلة الجهاد التي لم تحض كثيرا باهتمام دولة الاستقلال. والجميع يعلم أن البيان الأول للثورة الليبية لم يكتف بالتشديد على أهمية تلك المرحلة فحسب، بل وعلى الدور الذي أداه أهم رموزها؛ بناء عليه أسست الدولة مركز جهاد الليبيين في سنة 1977 وأوكلت إليه مهمة إعادة كتابة تاريخ البلاد بصفة عامة وتاريخ مرحلة الجهاد بشكل خاص*.

إن العمل الذي أنجزه المركز في مجال كتابة تاريخ ليبيا هو إنجاز كبير ويستحق التنويه، ويكفي أن يلقي المرء نظرة على قائمة الأعمال التي نشرت منذ التأسيس فضلا عن عدد الأعمال والوثائق المختلفة التي قام بترجمتها منذ النشأة حتى يتبين له حجم هذا الإنجاز وأهميته في مجال كتابة تاريخ ليبيا لمرحلة ما بعد الاستقلال. ولكن الإضافة الحقيقية في مجال كتابة تاريخ ليبيا، رغم جهود مركز الجهاد المادية والمعنوية في هذا المجال، تشكلت من تيارين أساسيين، الأول خارجي، وله علاقة بالطلبة الليبيين المبعوثين للخارج الذي عادوا إلى ليبيا وبشكل مكثف منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي؛ إن عودة هؤلاء وعلى الرغم من أنها لم تتم دفعة واحدة، فإنها أسهمت كثيرا في تحرير تاريخ البلاد بصفة عامة وتاريخها الحديث بشكل خاص من الجمود الذي فرضته كتابات مرحلة الاحتلال (روسي، ودي أغسطيني، على سبيل المثال لا الحصر). إن قيام العديد من هؤلاء بالترجمة والتحقيق والكتابة في تاريخ ليبيا، فضلا عن إشرافهم على الرسائل العلمية أنتج مجموعة متكاملة ومتنوعة من الأدبيات لا يمكن لأي باحث أن يتجاهلها؛ أما التيار الثاني، وهو تيار داخلي وله علاقة بالأول تشكلت أهم ملامحه من رسائل الماجستير التي أعدها طلاب التاريخ بالجامعات الليبية تحت إشراف الأساتذة الليبيين وغير الليبيين في العقود الثلاثة الماضية وتولى مركز الجهاد نشر العديد منها وتوزيعها. والمجال هنا لا يسمح في حقيقة الأمر للتنويه بكل ما كتبه أفراد هذا التيار أو ذاك، ولكن الأمر الجدير بالإشادة أن من بين الأعمال التي تستحق الذكر في هذا السياق عمل الدكتور صلاح الدين حسن السوري الذي ينتمي صاحبه للتيار الأول. والأهمية التي أعلقها شخصيا على جهده أنه لم يشكل قطيعة من حيث التناول في مجال كتابة تاريخ ليبيا السياسي وفق مقاربة امبريقية (empirical) مع جهد من سبقه من الباحثين فحسب، بل ومهد الطريق أيضا لكل من تطرق لتاريخ الدولة في ليبيا في الفترة اللاحقة.

إن اللافت للنظر في عمل الدكتور صلاح السوري أنه لم يكتف بوصف المؤسسات السياسية المختلفة للدولة الفتية فحسب، بل وقام بما هو أهم، أي أنه قام بتحليل الخلفية الاجتماعية للقيادات السياسية التي تولت إدارة مؤسسات الدولة المختلفة في الفترة (1952- 1969)؛ إن تركيزه على خلفية هؤلاء الاجتماعية من منظور غير أحادي، إذ أن الخلفية المقترحة تضمنت عناصر متنوعة شملت الديني والقبلي والأسري والإداري والتعليمي، قدم صورة حيوية وجد معقدة لمجتمع تعمدت الدراسات السابقة على تبسيط مشهده العام وتصنيفه تصنيفا تقليديا يكاد ينحصر في ثنائيات جامدة (A static dichotomy)، إنه وبفضل عمله هذا أصبح من الممكن الحديث عن تاريخ سياسي من نوع خاص؛ إن المجال هنا لا يسمح بالاستطراد، فمهمة هذا التنويه هي فقط من أجل التأكيد على أن عمل السوري لا تكمن أهميته في كيفية التناول فحسب، بل وفي الريادة أيضا*. ولكن وعلى الرغم من أهمية عمله فإن الأعمال اللاحقة، باستثناء عمل الدكتور علي عبد اللطيف حميدة، اكتفت بالإشارة إلى المعلومات التي تضمنها هذا العمل متجاهلة جهده العلمي الرصين والمميز. في هذا السياق يمكن التنويه بعمل الباحثة الأمريكية (Anderson (Lisa بكل تأكيد إن عملها، ورغم كل ما يمكن أن يؤخذ عليه، شكل هو الآخر قطيعة مع كل ما كتبه الغربيون عن تاريخ ليبيا السياسي من قبل. بناء عليه، وبالنظر إلى أن هذه الورقة تتعلق بمراجعة كتاب الدكتور المولدي الأحمر الذي يبحث في موضوع جذور الدولة الليبية الحديثة فقد رأيت التنويه بعمل أندرسون الذي رأى النور بعد عمل السوري، وقبل نشر عمل الدكتور علي عبد اللطيف حميدة الذي صدر قبل ظهور كتاب الأحمر.

بادئ ذي بدء إن ما يجمع بين عمل كل من ليزا أندرسون وعلي عبد اللطيف والمولدي الأحمر أنها في الأساس أطروحات دكتوراه ظهرت بعد أطروحة الدكتور صلاح الدين السوري وتولت فيما بعد بعض المؤسسات الخاصة والعامة نشرها. وأوجه الشبه في حقيقة الأمر لا تنتهي عند هذا الحد، فالأعمال الثلاثة تطرقت إلى بناء الدولة الحديثة في ليبيا من منظور التغيرات الاجتماعية التي أفرزت في ذات الفترة تقريبا كيانا سياسيا/ دولة لها خصوصية ميزتها إلى حد ما عن غيرها من دول المغرب العربي. مرة أخرى، إن التنويه بهذه الأعمال في هذا التمهيد هو فقط من أجل لفت النظر إلى أن المرحلة الجديدة والخاصة بمعالجة مسألة الدولة الحديثة في ليبيا تشكلت كما هو حال كتابة تاريخ ليبيا السياسي في المراحل السابقة من ثلاث تيارات، واحد محلي (السوري، وحميدة)، و آخر خارجي/غربي (أندرسون) وثالث عربي (الأحمر). هذا وفي حين كان تكوين السوري الأكاديمي تاريخيا، والأحمر في مجال علم الاجتماع، فإن تكوين حميدة، وبدرجة أقل أندرسون، كان في مجال العلوم السياسية[13].

لا أعلم على وجه التحديد متى ناقشت ليزا أندرسون أطروحتها، قد يكون التاريخ في واحد من فصول سنة 1981، ولكن الأمر الأكيد أن صدورها في كتاب كان في سنة 1986؛ والطبعة التي عدت إليها هي الطبعة الثانية/ الورقية التي صدرت في سنة 1987[14]. إن هذا العمل والذي تصدى لمناقشة بناء الدولة الحديثة في ليبيا من منظور يولي التغيرات الاجتماعية أهمية خاصة قسمته المعنية إلى مجموعة من الأبواب عددها خمسة؛ تناولت في الباب الأول مواضيع عامة تتعلق بنظرية/ منهج الأوربيين الخاص بماضي شمال أفريقيا، وفي الباب الثاني علاقة الإصلاح بتشكل الدولة في القرن التاسع عشر. أما بقية الأبواب فقد تم التطرق فيها وفق العناوين التالية: إلى مواضيع:

1-تونس في ظل الاحتلال، الاستمرارية والتعزيز؛

2- ليبيا تحت الحكم الإيطالي، التوقف والتفكك؛

3- ليبيا وتونس بعد الاستقلال، نتائج تكوين الدولة وتحطيمها.

ليس هنا مجال مناقشة عمل أندرسون، ولكن طبيعة مراجعة عمل الأحمر تستدعي التنويه بأطروحة هذه الأخيرة؛ وأطروحتها باختصار شديد تتكون من شقين رئيسيين، واحد يصب في تيار نظرية التحديث الأمريكية، أما الثاني، والمرتبط عضويا بالأول، فله علاقة بطبيعة الاحتلال الفرنسي والإيطالي التي لم تؤثر في تكوين الدولة الحديثة في تونس وليبيا فحسب، بل وفي جل سياسات هاتين الدولتين في النصف الثاني من القرن العشرين. وعلى الرغم من أن عملها شكل قطيعة مع الأعمال الغربية السابقة، فإن وقوعه بين فكي هاتين الفرضيتين جعلاه يعجز عن تفسير العديد من مظاهر النشأة المبكرة للدولة من منظور أكثر ديناميكية؛ وهذا القصور الذي يمكن عزوه من ناحية للمنهج الذي اعتمدته، ولتكوينها القانوني/ الدبلوماسي من ناحية أخرى، جعلها لا توفق، رغم إعلانها في مطلع الدراسة بأنها ستبحث في نشأة الدولة من خلال التغيرات الاجتماعية، في تحليل هذه التغيرات تحليلا حيويا يقدم رؤية بديلة عن القراءات الفرنسية السابقة*؛ ففي هذا العمل كما في غيره من الأعمال التقليدية ما تزال القوالب التقليدية/ الجامدة هي المهيمنة؛ فوفقا لهذا المنهج لا يمكن فهم التاريخ الاجتماعي لليبيا على سبيل المثال، فضلا عن أهم التغيرات الداخلية إلا من خلال عامل القبيلة وزعاماتها؛ والأسوأ من ذلك أنه في ظل هكذا تناول يتم التلميح، تارة، والإشارة الصريحة، تارة أخرى، إلى اقتران النظام القبلي بالنظام البدوي!! أما التغيرات الأهم، ومن منظور مدرسة التحديث، فهي التي تأتي من خارج البلاد؛ ففي القرن التاسع عشر وضعت الدولة العثمانية من خلال التنظيمات أسس الدولة الحديثة الأولى؛ أما في المرحلة الثانية التي عرفت فيها مؤسسات الدولة الحديثة تطورا أكبر فإن الفضل في ذلك يعود إلى الإيطاليين الذين احتلوا ليبيا في مطلع القرن العشرين. 

ولكن ولأن الدولة في إيطاليا كانت ذات طبيعة خاصة، مقارنة بغيرها من دول أوربا الغربية ذات الباع الطويل في مجالي الاستعمار والدولة القومية، فضلا عن أن الاحتلال لليبيا حدث في مرحلة متأخرة وجد قصيرة، فإن التأثير الأوربي على بنية المجتمع الليبي الفوقية كان جد محدود. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ولأن الخلفية الاجتماعية لزعامات ليبيا يغلب عليها الطابع البدوي "الرافض بطبعه للدولة ولمؤسساتها" فإن التجربة الليبية الحديثة كانت تتجاذبها قوتان واحدة محلية في غاية التواضع، وثانية خارجية، ولكنها، رغم أوربيتها، متواضعة هي الأخرى، وبالتالي فإن تأثيرها لا يمكن أن يقارن بتأثير فرنسا. مع ذلك، ورغم خصوصية الاحتلال الإيطالي، لم يتردد الباحثون الغربيون من غير الفرنسيين في فرض تأويل محبط على تاريخ ليبيا لا يرفع من شأن التأثير الغربي فحسب، بل والأخطر من ذلك يحقر التجربة المحلية؛ وهذا التأويل المأزقي كان قد فرض في السابق على غيره من دول المغرب (الجزائر على وجه التحديد)، وهو تأويل مستمد من المقولة الفرنسية الشهيرة "إما حضارة وعبودية، وإما حرية وبربرية" (Civilisation et servitude, ou liberté et barbarie). وهذه المقولة بالمناسبة كان قد صدر بها (Gaston Bouthoul) الطبعة الثانية لمقدمة ابن خلدون[15]. بناء عليه فإن أندرسون المتأثرة بهذه الصورة النمطية لا تجد غضاضة في وصف المرحلة الممتدة من 1951 إلى 1980 بأنها مرحلة تم فيها تفادي الدولة (The State avoided in Libya).

بعد صدور كتاب أندرسون بأقل من عقد ظهر كتاب الدكتور علي عبد اللطيف حميدة "المجتمع الليبي والدولة والاستعمار في ليبيا: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار 1830- 1932) ببيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية وذلك في سنة 1995. يتكون هذا الكتاب، الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه قدمت لجامعة واشنطن بسياتل بالولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1990، من أزيد من 200 صفحة، قسمه المعني إلى خمسة فصول ومقدمة وخاتمة. مرة أخرى، إن التنويه بهذا العمل لا علاقة له بمضمون الكتاب أو بأطروحته، بل هي مجرد إشارة أردت بها لفت النظر إلى أن الاهتمام بتاريخ ليبيا السياسي قبل أطروحة صلاح الدين السوري[16] ، وقبل نشر أطروحتي ليزا أندرسون وعلي عبد اللطيف حميدة كان يتمحور أكثر حول النظام السياسي[17]، أما ظاهرة تكوين الدولة في حد ذاتها فإنها، حسب علمي، لم تحظ بدراسة متخصصة قبل أعمال هؤلاء. لذلك وبصرف النظر عن كل ما يمكن أن يوجه لهذا العمل أو ذاك من نقد أو قصور، فإن تصديهم لتاريخ الدولة الحديثة في ليبيا من منظور مغاير، منظور الخلفية الاجتماعية المتنوعة للقيادات السياسية بالنسبة للسوري، والتحديثي بالنسبة لأندرسون، ومنظور الاقتصاد السياسي بالنسبة لحميدة والذي زاوج بينه وبين منهج التاريخ الاجتماعي، تستحق جميعها التنويه إذ أنها أضافت الكثير للباحثين اللاحقين في مجالي العلوم السياسية والتاريخ.

من جديد، إن الوقفة هذه لا يقصد بها مراجعة هذا الكتاب أو ذاك، ولكن، ولأن العمل الثالث، عمل حميدة على وجه التحديد، خص تاريخ ليبيا الحديث بمفرده بتحاليل تناقش العديد من القضايا ذات العلاقة ببنية المجتمع، فضلا عن بدايات التكوين الطبقي وتكوين الدولة، فقد رأيت من المناسب التنويه وفي اختصار شديد ببعض ملامح أطروحته. فالتنويه بعمله قبل الشروع في مراجعة كتاب الدكتور المولدي الأحمر هي عملية جد مهمة؛ فالعملان، وبصرف النظر عن خلفية صاحبيهما الأكاديمية/ الوطنية، تصديا بعد عمل السوري وأندرسون وبشكل أكثر مباشرة لموضوع تكوين الدولة تأسيسا على الخلفية الاجتماعية لليبيين/ ليبيا *؛ لذلك فإن أهمية التنويه بعمل حميدة في هذا السياق لا تكمن في مسألة تجاوزه لمنهج أندرسون فحسب، بل وفي مساهمته أيضا المهمة والتي من المفترض أن تمهد الطريق لكل من أراد الخوض في تاريخ ليبيا/ الدولة الليبية الحديثة من منظور اجتماعي[18].

فالمتمعن في فصول كتابه الخمسة يخلص إلى أنه كان حريصا على قراءة أهم التغيرات، على عكس منهج التحديث الذي اعتمدته أندرسون، من زاوية/ منظور يغلب الدور المحلي؛ فهذا الأخير لم يؤثر في ظهور الطبقات في ليبيا فحسب (طبقة الفلاحين في الأرياف، وطبقة عاملة في المدن)، بل وفي ظهور الدولة في مرحلة ما قبل الاحتلال الإيطالي. والدولة التي يؤرخ لجذورها حميدة هي دولة من نوع خاص، حتى وإن انتهت كغيرها إلى شكل من أشكال الدولة القطرية؛ والخصوصية المنوه بها، والمستمدة من المنهج الذي يعتمده تتمثل في ارتباط اقتصاد برقة وطرابلس وفزان، على التوالي، بأسواق مصر وتونس وبلاد السودان**. بناء عليه، فإن أية محاولة، يذكر حميدة نقلا عن رفعت أبوالحاج*، لفهم "التاريخ الاجتماعي للقرن التاسع عشر وكأنه داخل خطوط الدولة القطرية الحالية مخالف للدليل العلمي، وفرض خرافات الدولة القطرية القومية على الواقع التاريخي"[19]. هكذا إذا، وبفضل تبنيه لرؤية جد حيوية، يخلص حميدة إلى أن هذه التغيرات أفرزت تعددية أغفلتها الدراسات التقليدية؛ إن هذه التغيرات الاجتماعية، أو العديد منها على الأقل، والتي تعود لمرحلة ما قبل القرن التاسع عشر، قادرة على تفسير، وبشكل مغاير، ردود أفعال رموز هذه الطبقة/ الفئة أو تلك من الاحتلال الإيطالي.

من جديد، إن الطريقة التي عالج بها حميدة تاريخ ليبيا الحديث، والتي تشكل محاولة جادة في مجال البحث عن منهج بديل يبحث به تاريخ ليبيا، تستدعي تنويه الباحثين اللاحقين بهذا الجهد. فمنظرو نظرية المعرفة يشددون على أن المعرفة في الأساس هي عملية تراكمية. صحيح أن خلفية حميدة علوم سياسية، وخلفية الأحمر علم اجتماع، ولكن محور العملين، كما سبقت الإشارة، هو البحث في الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن اختلاف التكوين العلمي أو التدريب الأكاديمي للأستاذين مهم ولكنه، وفي عالم لجوء الجميع الآن لنظم معرفية متعددة/ متداخلة، لم يعد يشكل عائقا لمن أراد البحث في أي فرع من فروع المعرفة الإنسانية. بل بالعكس، إن إهمال مؤسساتنا لضرورة التعاون بين النظم المعرفية المختلفة هو الذي يشكل عائقا لأي تقدم ممكن في مجالي العلوم الاجتماعية والإنسانية. ليس هنا بكل تأكيد مجال بحث هذه المسألة، فلنرجئ الحديث عنها إذا، ولنشرع في عرض عمل الأحمر موضوع هذه الورقة.

* - إن القول بان تاريخ طرابلس/ ليبيا حظي باهتمام منذ القرن التاسع عشر لا يعني أنه لم يلتفت إليه قبل هذا التاريخ؛ فابن غلبون على سبيل المثال كان قد وضع في مطلع القرن الثامن عشر مؤلفا لطرابلس منذ القرن السابع حتى مطلع القرن الثامن عشر (التذكار)، عني بتصحيحه والتعليق عليه الطاهر أحمد الزاوي؛ هذا كما يمكن التنويه بصاحب كتاب المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب؛ فوفقا لما يذكره الدكتور محمد عبد الكريم الوافي في مقدمة الطبعة الأولى (الصفحة 26) لكتاب شارل فيرو الحوليات الليبية، أن فيرو كان قد اطلع على كتاب الأنصاري "وهو ما يزال مخطوطة في حوزة مؤلفه".

** - الصحراء وبلاد السودان: المجلد الأول، الكتاب الأول طرابلس وفزان، الكتاب الثاني تيبستي أو تو، ترجمه عن الإنجليزية د. عبد القادر المحيشي، راجعه على الأصل الألماني د. عماد غانم، طرابلس، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2007.

[1] مصطفى، المجمل في تاريخ لوبيا من أقدم العصور إلى العصر الحاضر، الإسكندرية، دار المعارف، 1947، الصفحة، ج.

إن ما يلفت النظر ويستوجب التنبيه أن جون رايت هذا على سبيل المثال، وبعد أن أنجز عملا تفوح منه رائحة الكتابة التاريخية لمرحلة الاحتلال، أنجز بعد قرابة الخمسة عقود عملا لا يكرر فيه نفس الصور السلبية القديمة فحسب، بل وخاليا حسب وجهة نظر الدكتور علي عبد اللطيف من أية فرضية مركزية؛ لمزيد من التفاصيل انظر مراجعة هذا الأخير للكتاب :

The Emergence of Libya: Selected Historical Essays. By John Wright. London: Silphium Press, 2008. pp. 368 ( في العدد المقبل لمجلة دراسات أفريقية)* يذكر هذه المعلومة في مقدمة كتابه:

Libya, Chad and the central Sahara,Totawa, New Jersey, Barnes& Noble Books, 1989.

[2] - Libya, New York and Washington, 1969, 9.

[3] يمكن التنويه بعمل كل من (Paul W. Copland) ليبيا: الأرض والشعب الذي صدر في سنة 1969، وعمل (John Wright) ليبيا وتشاد والصحراء الوسطى والذي صدر في سنة 1989.

[4] في هذا السياق يمكن الاستشهاد بعملي محمد فؤاد شكري؛ ففي حين خصص الأول للحديث عن السنوسية باعتبارها دين ودولة، وهو كتاب صدر بالقاهرة في سنة 1954، خصص كتابه الثاني عن تاريخ ليبيا الحديث "ليبيا الحديثة" والذي صدر بدوره في القاهرة في سنة 1957؛ كما يمكن التنويه أيضا بعمل كل من إبراهيم أحمد رزقانه، المملكة الليبية، الصادر بالقاهرة، دار النهضة، سنة 1964، ونقولا زيادة: ليبيا في العصور الحديثة (محاضرات) القاهرة، 1966؛ أعمال سامي حكيم: هذه ليبيا، القاهرة (د.ت)، واستقلال ليبيا بين جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، 1965، ومعاهدات ليبيا مع بريطانيا وأمريكا وفرنسا، القاهرة،1964.

[5] يمكن الاستشهاد في هذا السياق بعمل جميل هلال الباحث الفلسطيني الذي أعد دراسة اجتماعية عن الواقع الاجتماعي الليبي في كتابه الموسوم "دراسة في الواقع الليبي" الذي صدر بطرابلس عن مكتبة الفكر في سنة 1967.

[6] بكل تأكيد إن الكتابة عن مرحلة الجهاد وعن بعض رموزها لم تقتصر على الفئة المنوه بها في المتن، إذ كتب العديد من الباحثين الليبيين وغير الليبيين عن هذه المرحلة وعن أهم رموزها، ولكن المتمعن في تواريخ ظهور هذه الأعمال يخلص إلى أن معظمها صدر في العقد الثامن للقرن الماضي، أي في الفترة التي أولت فيها الدولة الليبية اهتماما خاصا بمرحلة الجهاد وبالعديد من رموزه.

[7] هذا الكتاب المكون من جزئين صدر في الجزائر في سنة 1959.

[8] مجهول مكان الطبع، صدر في سنة 1948.

[9] يتكون هذا الكتاب من جزئين من دون تاريخ، جمع ونشر زعيمة الباروني.

[10] محمد مسعود فشيكة، طرابلس، دار الفرجاني، الطبعة الأولى، 1974.

[11] السنوسي الكبير، القاهرة، مكتبة القاهرة، 1956.

[12] انهيار حكم الأسرة القرمانلية في ليبيا (1795-1835)، طرابلس، مكتبة الفرجاني، 1966.

* غير أن القول بأن اهتمام مركز الجهاد بالتاريخ الليبي تمحور حول العصر الحديث لا يعني إغفال القائمين عليه لبقية المراحل؛ ليس هذا فحسب بل إن المركز ما انفك يشدد منذ النشأة على أن مهمته هي أيضا مهمة / مسؤولية قومية؛ بناء عليه فإن المركز يقول مديره الدكتور محمد الجراري في العدد الأول لمجلة البحوث التاريخية ، مطالب "بربط كفاح هذا البلد وحضارته بكفاح وحضارة أمته العربية المجيدة" .

* إن إصرار الدكتور السوري على عدم نشر أطروحته لم يقلل في حقيقة الأمر من أهمية عمله الذي لم يشكل سبقا في هذا المجال فحسب، بل وجعل الكثير من الباحثين اللاحقين من الغربيين خاصة يبنون جزءا كبيرا من فرضيات عملهم على المعطيات والتحاليل التي تضمنها عمله غير المنشور؛ وسبق عمل السوري لا يكمن في تناوله لتاريخ ليبيا السياسي من منظور مختلف فحسب، بل والأهم من ذلك أنه يحلل ظاهرة الدولة الحديثة من خلال دور الزعامات المحلية وخلفيتها الاجتماعية . كما أن عدم نشره للأطروحة، الذي سهل على الغير من الأجانب استعمال أفكاره بحرية أكبر، فضلا عن حرصه على نشر بعض القضايا التي لا تتعلق بخلفية الزعامات الليبية في الفترة ما بين 1952 و1969، تسببا حسب اعتقادي في جهل الباحثين الليبيين قبل غيرهم لحقيقة مساهمة الدكتور صلاح الدين السوري.

[13] أقول بدرجة أقل إذ أن إن تدريب أندرسون الأكاديمي الأول، أي على مستوى مرحلة الليسانس ، لم يكن في مجال العلوم السياسية، بل كان في مجال القانون؛ أما في مرحلة الماجستير فإنها ،وإن درست الدبلوماسية، ولكنها لم تتخل عن دراسة القانون؛ من ذلك أنها عند تعيينها أستاذة بجامعة كولومبيا في سنة 1986، درست مادة العلاقات الدولية.

[14] - The State and social transformation in Tunisia and Libya, 1830- 1980, Princeton University Press, Princeton, New Jersey, Paperback printing, 1987.

* هذا وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور علي عبد اللطيف كان قد نوه في مراجعة له لكتاب ليزا أن سبب عجز هذه الأخيرة عن معالجة موضوع الدولة الحديثة في ليبيا أنها اعتمدت على المصادر الأوربية (القناصل) التي "تعطي صورة محددة عن المجتمع كما يراه هؤلاء القناصل الذين يعملون في حدود مصالحهم التجارية والسياسية". لمزيد من التفاصيل انظر:" الاستعمار وتكوين الدولة العربية القطرية، التجربة الليبية التونسية (مراجعة نقدية لأطروحات الباحثة الأمريكية ليزا أندرسون) في: مجلة البحوث التاريخية، السنة الرابعة عشر، العدد الثاني، يوليه 1992، 211.

[15] نقلا عن كتاب :Sahli, Mohamed C, Décoloniser l'histoire (introduction à l'histoire du Maghreb) Paris, Maspero, 1965, 17.

[16] - The genesis of political leadership of Libya, 1952- 1969, Ph.D dissertation, George Washington University, 1973.

[17] بكل تأكيد تمحورت العديد من رسائل طلبة العلوم السياسية والتاريخ حول موضوع النظام السياسي في ليبيا لمرحلة الاستقلال، ولكن جهلي بالعديد منها وبسبب عدم نشرها، سأكتفي بالتنويه ببعضها في هذا السياق؛ فمن بين هذه الأعمال رسالة الدكتور مالك عبيد أبوشهيوة "النظام السياسي في ليبيا:1951-1969"، وهي رسالة ماجستير نوقشت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة في سنة 1977؛ هذا كما يمكن التنويه برسالة سالمة عبد العالي الجاضرة، الجماعات السياسية الليبية 1943- 1951، (التي نوقشت بقسم التاريخ ، كلية الآداب، جامعة قاريونس، 1983) إشراف الدكتور صلاح الدين حسن السوري.

* غير أنه تجدر الإشارة إلى أن العديد من الباحثين العرب كانوا قد تطرقوا لجوانب كثيرة من تاريخ ليبيا الاجتماعي ؛ صحيح أن هذه الأعمال عالجت تاريخ ليبيا الاجتماعي ضمن تاريخ المغرب ولكن الباحثين اللاحقين، في هذا السياق عمل كل من علي عبد اللطيف حميدة والمولدي الأحمر، أفادوا منها كثيرا؛ فمن بين هذه الأعمال يمكن التنويه بعمل لوسات فلنزي، المغرب العربي قبل احتلال الجزائر(1790- 1830) نقله إلى العربية حمادي الساحلي، صدر في تونس، عن سراس للنشر، في سنة 1994؛ هذا وتجدر الإشارة إلى أن الأصل كان قد صدر باللغة الفرنسية بباريس عن دار فلامريون في سنة 1969 ؛ كما يمكن التنويه بعمل محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي الذي صدر ببيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية في سنة 1987.

[18] وهنا أيضا يجب التنويه بما قام به العديد من الباحثين الليبيين في مجال كتابة تاريخ ليبيا بصفة عامة وتاريخها الحديث بوجه خاص من منظور مغاير استفاد منه علي عبد اللطيف كثيرا؛ ولا أريد أن أتوقف كثيرا عند أسماء كل هؤلاء وسأكتفي بما ذكره علي عبد اللطيف في واحدة من مقابلاته التي نشرت على شبكة الانترنت؛ ففي هذه المقابلة وفي إجابته عن السؤال التالي : يلاحظ في كثير من الكتابات الليبية التاريخية أن الباحث الليبي يغرق في الوقائع التاريخية في حدث كذا و كذا.. ولكنه لا يطرح أسئلة لماذا حدث وما أسباب ذلك بحيث نستطيع أن نتبين حركة ومساهمة مجمل العناصر الدافعة لحركة التاريخ؟ فكانت الإجابة" إن الجيل الثاني الذي أكمل دراسته في الغرب وعاد في مطلع الثمانينيات على سبيل المثال الدكتور محمد الجراري والدكتور عقيلة البربار والدكتور محمود أبوصوة والدكتور عبد المولى الحرير والدكتور عبد الله إبراهيم والدكتور صلاح الدين السوري والدكتور حبيب وداعة هم كبار مؤرخينا وإلى حد كبير ليس من الإنصاف القول بأنهم يغرقون في التفاصيل والهوامش. إن هؤلاء بدؤوا بالفعل في تأسيس المدرسة الليبية الحديثة في كتابة التاريخ وكتبوا في المسائل نفسها التي تضمنتها أطروحاتي وجهودهم جيدة من الناحية العلمية ولا شك أن أعمالهم تقدر على مستوى عالمي معاصر؛ ولهذا لا أعتقد أن هؤلاء المؤرخين الليبيين الكبار من الجيل الثاني والذين أنا أقف على أكتافهم... لم يحاولوا كتابة موضوعية وعلمية للتاريخ الليبي ولم يستهدفوا استنطاق القوانين الاجتماعية التاريخية للمجتمع الليبي.. ولكنهم ولظروف عديدة ربما لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أقصى نضجهم وعلمهم".* وبصرف النظر عن مدى فاعلية هذه المقاربة التي يعتمدها حميدة فإن الاعتماد عليها في تفسير جذور تكون الدولة الليبية الحديثة لا علاقة له بالمقاربة الانقسامية كما ذهب إلى ذلك الدكتور الأحمر في عمله؛ ففي الصفحة 45، وتأسيسا على أن الأعمال ذات التوجه الانقسامي كانت قد توصلت إلى نتائج "مهمة تتعلق بالتصور العام الذي أفرزته..بخصوص التجربة السياسية التاريخية لسكان البلاد المغاربية" يذكر الأحمر في الحاشية 21 بأن حميدة واجه صعوبات في التخلص من وطأة النموذج الانقسامي في كتابه.** - " The Social uses of the past: recent Arab Historiography of Ottoman rule" in: international journal of Middle East Studies, v.14 (1982) 197-198.

[19] "الاستعمار وتكوين الدولة العربية القطرية، التجربة الليبية التونسية. مراجعة لأطروحات الباحثة الأمريكية ليزا أندرسون" في: مجلة البحوث التاريخية، السنة الرابعة عشر، العدد الثاني، يوليه 1992، 210.

 22 سيتمبر 2010 - أويا 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh