Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12
دولة المستقبل ومستقبل الدولة في ليبيا: رؤية قانونية

دولة المستقبل ومستقبل الدولة في ليبيا: رؤية قانونية

دولة المستقبل ومستقبل الدولة في ليبيا: رؤية قانونية

  بقلم: د. جمعه أحمد عتيقة 

مجلة عراجين: العدد الثامن

 

مقدمة

تنطلق هذه الرؤية من محاولة لتحديد الأطر القانونية المؤسسة للدولة وتحديد مفهومها وتعيين موقعها فى حركة تاريخ الإنسان الساعية إلى بلورة وإعمال أدواته لتنظيم حياته وعلاقته التبادلية وتحقيق أهدافه الحياتية ... وفيها سيتم التركيز على الموضوع فى إطاره القانوني باعتبار أن القانون هو الصياغة العليا لحركة المجتمع والتجسيد المحكم لمفردات عملياته التفاعلية.

وذلك انطلاقاً من أن أى استقراء للواقع فى ليبيا أو أى استشراف للمستقبل أو سعي للإصلاح لابد وبشكل حتمى أن ينطلق من تحديد قواعد وأسس البناء القانوني وقواعد الضبط التشريعي فى الدولة بخصائصه الكلية والجزئية، وعمومية أحكامه التشريعية وإلزامية إنفاده على أرض الواقع. ونحن سوف نعتمد منهجاً يجمع بين التأصيل المنهجى والعرض التبسيطى الذى لايبعدنا عن قواعد المنهج ولا يلج بنا فى براثن البحث الأكاديمى باعتبار أن هذه الرؤية تهدف فى غاياتها النهائية إلى وضع تصور مستقبلي يؤسس لرسم (بانوراما) عامة قد تعين أصحاب القرار فى تحقيق أهداف التطوير والإصلاح والتغيير والسير بالبلد إلى الأمام... آخدين فى الاعتبار أنها ستشكل مع غيرها من الرؤى أفقا مستقبلياً عماده خصوصية مفرداته من حيث الطرح والتناول ووحدته العضوية من ناحية أهدافه ومراميه.

واستناداً إلى الخطوط العريضة والعلامات الدالة لهذا البحث فسوف يتم تناوله على النحو التالى:

أولا - الدولة فى القانون

1- مفهوم الدولة:

دون خوض تفصيلي في تاريخ الفكر السياسي ووقائعه وإحداثياته التي يتضمنها مسار الإنسان فى رحلة سعيه لتأسيس المنتظم الاجتماعي والسياسي وصولاً إلى بناء الدولة.. وهو الأمر المعروف (من علم السياسة بالضرورة) فإننا سوف نركز على عرض المفاهيم فى حركتها التاريخية وتعينها فى الواقع المعاصر.

ولن نضيف جديداً إذا قلنا أن بناء الدولة تاريخياً كان ميداناً للصراع بين نزعة الفرد إلى ممارسة حريته المطلقة والتى تعود فى جذورها الأولية إلى حالة الطبيعة التى ترفض الجبر والتنميط وتنزع إلى حالة الحرية الفردية المطلقة، ومن هنا نشأ ومنذ بواكير محاولات بناء الدولة صراع بين الفرد والدولة.. وكلما أوغل الإنسان فى رحلة بناء الحضارة كلما ظهرت ضرورات وموجبات لوجود شكل من أشكال التناغم (الهرموني) الذي يحمي الفرد ويوازن بين مصالح أطراف الشراكة... مما أفرز مجموعة من المفاهيم والاجتهادات والترسيمات التي أنتجت ما يسمى (بالفكر السياسي).

وتسمى عملية تنظيم هذه العلاقة بما يتفق مع أهداف القائمين بها (بالسياسة) وتاريخ الفكر السياسي جزء منها"(1). ولايمكن النظر إلى الدولة باعتبارها مركبا بنيويا مؤسساتيا فحسب دون الأخد في الاعتبار المضامين الفلسفية والإيديولوجية في عملية الاندماج والتشكيل.."فمن يظن أن حقيقة الدين أو حقيقة الفلسفة تسمو على حقيقة الدولة خاطئ لأنه يرى الأمور بمنظور ... وهو منظور تجزيئى تسطيحى ولو كان تعمق فى الأمور بمنظور العقل الشمولى لأدرك "أن مفهوم الدين هو مفهوم الفلسفة مصوراً متمثلاً وأن مفهوم الفلسفة هو مضمون الدولة ملخصاً مجردا،ً وأخيراً أن مضمون التاريخ مجسد فى الدولة"(2). بهذا الاقتباس من المفكر المغربي الشهير عبد الله العروي نصل إلى تحديد مفهوم الدولة وبيان ملامحه العامة والتي تتجسد من جهة الإطار القانوني في أن الدولة هي تلك المنظومة المركبة من عناصر الفكر ومكوناته في المجتمع، مجسداً من وجهة نظر أخرى في مركب آخر من القوانين والتشريعات والآليات التي تحقق أهداف المجتمع وتوجه حركته وتكشف عن مفاصل الحركة فيه.

 

2- قواعد البناء المؤسساتي للدولة قانوناً:

بعد إيرادنا للمفهوم العام للدولة لابد لنا من بيان القواعد التي يقوم عليها البناء المؤسساتي للدولة الحديثة والتي تعتمد على جملة من الأصول والمرتكزات القانونية التي تحدد المسارات والتوجهات والأهداف التي تسعى الدولة لتحقيقها من خلال موسوعة من القوانين واللوائح والقرارات المنسقة والمتناغمة وفق تدرجها وهرميتها وضرورة الزاميتها وأي خلل أو انفراط في هذا العقد المتناغم سوف يفضى بنا إلى خلل آخر، وهو ضعف أو هشاشة البناء القانوني للدولة فالعلاقة بين هذه القواعد وبين عملية البناء المؤسساتي للدولة هي علاقة السبب بالنتيجة، ومن المحتم أن ينجم عن هذا الخلل حالة من الفوضى وعدم التناسق بين المكونات المؤسسة للدولة .

وعليه فيمكننا تلخيص هدف القواعد المؤسساتية في الاتى:

1- القواعد الدستورية:

وتعد مرجعية للضبط والمراجعة والمراقبة وتصحيح الانحرافات والتجاوزات وبيان التدرج التشريعي فى الدولة.

2- القواعد القانونية:

وهى خلق حالة من المواءمة بين متطلبات الواقع واحتياجاته وتجسيد ذلك فى نصوص وقوانين ولوائح.

3- القواعد القضائية:

وهى ضمانة تتيح للدولة من خلال مؤسسة القضاء المناط به تطبيق القوانين أن تنتبه إلى مواطن الخلل التشريعي الذى يؤدي إلى تضارب وتناقض يؤثر على البناء المؤسساتي الذى يقوم على الوحدة العضوية، مما ينجم عنه حالة من الانفصام في مفاصل الدولة ويؤدي إلى نشوء حالة من التضارب قد تؤدي إلى وقوع مظالم واختلالات (قانونية!).

4- القواعد الإدارية:

وهي التي تتيح للدولة ‘مكانية تطبيق هذه القوانين من خلال أدوات التنظيم الإداري التي تجسد القوانين في حالة الحركة... للوصول إلى الأهداف العملية لتي تتوخاها.

5- السلطة كمفهوم حقوقي وبناء دستوري وتركيب قومي:

منذ أن عرف الإنسان شكل الدولة وإلى أن وصلت إلى صورتها الحديثة وهي تقوم علي فكرة (الحاكم والمحكوم)، والسلطان والرعية. وهو ما أطلق عليه اصطلاحا الحكومة والشعب، والسلطة كمفهوم حقوقي، هي تلك المنظومة والشبكة المعقدة التي تتجسد في أداة للحكم تحوز على خصائص قانونية وواقعية تمكنها من إصدار القوانين وتنفيذها وتوجيه مسار المجتمع نحو تحقيق أهدافه. ومن هنا تباينت التجارب الإنسانية في ممارسة هذه السلطة وفي محاولات إيجاد حالة من التوازن بين السلطة المطلقة وبين إشراك جموع الناس في هذا التركيب، الأمر الذي أجد حالة من التجاذب والصراع ومحاولات إيجاد حلول لهذا الصراع ومن هنا فإن شكل البناء الدستوري المؤسسي يعتبر قاعدة البناء وأرضية انحو إيجاد حالة التوازن المنشود، وعليه فقد صار (القانون الدستوري) ( بإجماع الفقه القانوني) حجر الزاوية في فهم فلسفة النظام السياسي تشريعا وممارسة، فضلا عن أن (الدستور) صار يشكل مرجعية هامة في قضايا التشريع، وقوة القاعدة القانونية وفي تبيان مدى علاقة مؤسسات الدولة فيما بينها وبين منظمات المجتمع الدولي. كما أن القانون الدستوري صار (فوق ذلك كله) ضامنا لحقوق وحريات الافراد)(3).

مما تقدم نخلص إلى أن السلطة في الدولة لا تكتسب مشروعيتها ولا تحقق متطلبات وجودها القانوني إلا إذا مارست دورها من خلال وضعها كتركيب فوقي في المجتمع يقوم على قواعد دستورية مؤسسة وضامنة لعدم التجاوز والتغول والانحراف.

وإذا تناولنا النظام السياسي في ليبيا من حيث بنائه الدستوري فإننا نستطيع القول أن التجربة السياسية الليبية منذ صدور دستور (1951) قد عمدت إلى البناء الفوقي منقطع الصلة بالمرتكزات الدستورية الصحيحة. فقد كان الملك محمد إدريس السنوسي بما له من خلفية دينية تعتمد على تراث الحركة السنوسية يشكل المصدر الرئيسي للقيادة السياسية في لـيـبيا، بحسب د. زاهي المغيربي (4) مما أدى إلى نشوء تجربة دستورية معلقة في فضاء الهيمنة (البطريركية)، والولاء القبلي، وغياب المشاركة الحقيقية، فلجنة الستين التي أصدرت الدستور كان اختيار أعضائها انتقائياً وبشكل متساو بين الولايات.. مما جعل هذه التجربة بعيدة عن وعي ومشاركة واهتمام الناس خاصة وأنها لم تعرض للاستفتاء الشعبي كما جرت العادة عند إصدار الدساتير(5). وبعد ثورة الفاتح 1969 – أصدر (مجلس قيادة الثورة) وعدد أفراده آنذاك (اثنا عشر عضوا) الإعلان الدستوري في 11- ديسمبر 1969 الذي جاء كسابقه بعيدا ومعزولا عن المشاركة الشعبية، وصادرا عن إرادة منفردة لا تصلح كأساس دستوري صحيح لبناء الدولة، بل إنه لمن المفارقة أن يصدر في نفس اليوم الذي صدر فيه الإعلان الدستوري قانون أخر تحت اسم (قانون حماية الثورة) الذي يعد بمثابة إعلان للأحكام العرفية وحالة الطوارئ مما جعل الوليد الدستوري مشوها ومعاقا. والملاحظ أن الإعلان الدستوري قد حوى في ديباجته "أن هذا الدستور أساس لنظام الحكم في مرحلة استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية في انتظار (اعداد دستور دائم) يعبر عن الإنجازات التي تحققها الثورة ويحدد معالم الطريق أمامها"(6).

وأمام حالة عدم صدور هذا الدستور الدائم وتجاوز الإعلان الدستوري (دون إلغائه) بإعلان سلطة الشعب في 2 مارس 1977، أصبح هناك فراغ مرجعي دو طبيعة دستورية لازلنا نعاني آثاره على صعيد المجتمع والدولة، بالرغم من تكرار المحاولات والدعوات والجهود لسد هذا الفراغ مما خلق وضعية استعصاء وتخبط تشريعي صارخ.. ونحن نرى أنه لا يمكن استشراف آفاق مستقبلية لبناء الدولة في ليبيا دون معالجة هذا الخلل الدستوري الذي ينقذ سفينة الوطن من براثن الأمواج المتلاطمة التي قد تنأى بها عن شط الأمان. ولا يمكن الاحتجاج بأن (سلطة الشعب) لا تحتاج إلى هذه الضوابط الدستورية، فذلك أمر مردود عليه بأن سلطة الشعب تحتاج كغيرها – باعتبارها (سلطة) بصرف النظر عن اختلاف المضامين – إلى قواعد دستورية عليا تضبط الإيقاع وتحد من تغول أجهزتها التنفيذية والإدارية (والأمنية)، وتمنع الفساد والعبث بالمال العام الذي استفحلت ناره حتى كادت تأتي على الهشيم. وبعد إقرار ما تقدم كمدخل لإبراز أهمية هذا الموضوع فإننا نورد بعض الاقتراحات الاجتهادية حرصا على أن يلد المخاض كائنا دستوريا سليما ومعافى:

1/ الرجوع إلى المعرفة والخبرة القانونية في مجال القانون والفقه الدستوري في ليبيا.

2/ الاستعانة ببيوت الخبرة القانونية الدولية المتخصصة في هذا المجال .

3/ طرح الموضوع على( النخبة) السياسية والفكرية في حوارات هادفة.

4/ طرح المشروع على الناس في المؤتمرات الشعبية والجمعيات الأهلية والروابط المهنية ومنابر الرأي في جلسات (حوارية معمقة) يقودها خبراء متخصصون في هذا المجال قبل عرضه عليهم لإصداره باعتبارهم أداة للتشريع حسب الآلية المعتمدة.

5/ الاهتمام بنشر الثقافة الدستورية عبر وسائل الإعلام والمنابر الثقافية بغية ترسيخها وتجديرها في الوجدان الوطني.

6/ إنشاء محكمة دستورية عليا، بعد إصدار الدستور، تكون منصة للعدالة تراقب دستورية القوانين وتمنع أي خلل تشريعي أو تجاوز قانوني صادر من أي جهة كانت، كما تختص بإصدار المشورة الدستورية والفتاوى الفقهية التي تحل المنازعات الدستورية التي تنشأ بين مؤسسات الدولة، كما تغني تراكم المعرفة وتحل الإشكاليات العالقة وتحمي حقوق المواطنين.

7/ إدراج مادة القانون الدستوري في مراحل التعليم المتوسط بغية تربية الأجيال القادمة على ثقافة قانونية تحترم قواعد الدستور وترسخ قيم المواطنة.

 

إن مرور الوقت دون تحقيق هذا المطلب الوطني الملح قد يؤدي إلى عرقلة جهود الإصلاح والتطوير وتعطيل مشاريع التنمية واستفحال التضارب التشريعي وتعارض القوانين الأمر الذي يشكل إرباكا لا يحله حسن النوايا وسلامة القصد كما أن الرهان مع الزمن صار ضلعا جوهريا في عملية التنمية والتحديث في هذا العالم المتعولم.

 

ثانيا: القانون في الدولة:

1- قواعد ضبط المنظومة التشريعية في الدولة:

تعتمد هذه القواعد على الآتي:

أ- وحدة مصدر التشريع والذي يجب أن يمثل إرادة الأمة.

ب- المرجعية الدستورية (وقد اشرنا إليها).

ج- الرقابة القضائية والمجتمعية وتتمثل في رقابة الإلغاء والامتناع قضائيا، ورقابة الرأي العام من خلال وسائل التعبير وإبداء الرأي ومراكز سلطة الرأي العام (الصحافة والأعلام، المنابر السياسية، مؤسسات المجتمع المدني ...ألخ).

 

2- الفصل بين السلطات كمفهوم حقوقي ودستوري:

تقوم فكرة الفصل بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية على محاولة منع الافتئات والتغول واغتصاب السلطة من جانب أي من هذه السلطات على حساب الأخرى. خاصة السلطة التنفيذية التي تشكل غالبا المصب الذي تتركز فيه مكنة الجبر والالزام بكافة وسائل القوة الجبرية. ورغم ما يثار حول هذا المفهوم من جدل سياسي، وما يفرزه الواقع العملي للتجربة، فان جوهر المعضلة التي حاولت هذه النظرية حلها تعتبر هاجسا لازال يشكل أحد العوائق نحو تحقيق الأهداف والغايات في إطار من الشرعية والمشروعية كما يشكل دافعا للبحث عن حلول جدية تحقق ما أشرنا إليه.

 

3-الدمج بين السلطات كمفهوم واقعى ورؤية مستجدة:

شكل هذا المفهوم ردة فعل لسلبيات نظرية فصل السلطات تحت مقولة أنه لا يلبي طموح إشراك كل الناس في السلطة وما يعتريه من قصور في تحقيق دور حقيقى فاعل للشعوب مما يستوجب دمج السلطات في الدولة واختزالها في سلطة يتولاها (الشعب) ولا يخلو هذا المفهوم من تحليق طوباوي حالم -إلا أنه يجد استجابة لدى مجموع الناس الذين صادرتهم أدوات الحكم التقليدية وإن ظل التحقق العملي بعيد المنال، ولا يتجاوز الرغبات والتناول النظري - وهو ما نلمسه من التجربة الليبية فى إطار (سلطة الشعب) والتى رست بنا على مشارف مرحلة نبحث فيها عن مخارج من أزمات وارتباكات بل انحرافات هذه الممارسة بدءاً من التقسيم الإداري... وتحديد اختصاص السلطات... واستئثار السلطة التنفيذية، "اللجنة الشعبية العامة" بكل مفاصل القرار والتنفيذ وأحيانا التشريع (القرارات التي تلغى قوانين على سبيل المثال). الأمر الذي أبرز اتجاهات ومحاولات وصلت إلى حد تشكيل لجان لبحث إمكانية العودة للتقسيم الإداري للبلاد حسب ما كان سائداً قبل إعلان سلطة الشعب باعتبار ما اعترى الإدارة من ضعف وتفكك وازدواجية في غياب تداخل ودمج السلطات.

 

ثالثاً: العقد الاجتماعى كاطار للتوافق:

تقوم فكرة العقد الاجتماعي التي عرضها وتناولها فلاسفة التنوير (جان جاك روسو، وجون لوك ومونتسكيو) باختلاف رؤاهم ومشاربهم على أنه لكي تستقيم الحياة في المجتمع ويتمكن من إدارة شؤونه بشكل يوفر أوسع قدر من المشاركة فلابد من أن يتوافق أفراد المجتمع على صياغة واقرار مايسمى (بالعقد الاجتماعى)، وهو افتراض يقوم على المواءمة بين الفرد والجماعة، ولن نتناول فى هذه الورقة خلفياته التاريخية ولا تباين واتفاق الرؤى حول مضمون أو مراحل تطوره (فهو متاح لمن أراد الاطلاع)، وما يهمنا فى إطار هذه الورقة هو تناول فكرته العامة وأركانه والقواعد التي يرتكز عليها:

1- أطراف التعاقد( الحاكم والمحكوم):

إن تصور فكرة هذا العقد لايمكن أن تتم إلا بتصور أطرافه التى تقوم بالتوقيع المجازي عليه، وهذه الأطراف تقوم بين الأفراد كمجموع يتوافق على فكرة التنازل عن بعض الحقوق الفردية لصالح المجموع الذي يكوّن أفراد الشعب (كطرف أول)، وبين الدولة التى يفرزها هذا التوافق، بما يضمن الحريات والمبادئ الأساسية وفلسفة الحكم، لتحقيق أكبر قدر من الديمقراطية (كطرف ثانى)، وبتطبيق هذه الفكرة على الواقع السياسي حالياً، نجد أنه قد تم (نظريا) القفز على المفهوم التعاقدي المفترض، وعلت نبرة الترويج الإيديولوجى غير المنضبط لفكرة (سلطة الشعب) بما يوحي بإلغاء فكرة أطراف العقد واختزالها فى طرف واحد ذي ملامح هلامية تلامس حدود (اليوتوبيا)، مما نجم عنه خلل فى مضمون العقد ومواده، وغدا الواقع التنظيمي والتأسيسي للدولة مترجرجا، لايلبي حاجات الواقع ولا يوفر متطلبات الأحكام التشريعية، مما أهدر كثيراً من قواعد التأسيس القانوني والقبول الجمعي لفكرة الدولة بمفهومها الحديث، وجعل المواءمة بين التطورات النظرية والواقع الموضوعي مشوبة بالتناقض والاضطراب وتلفيق الحلول.

 

2- محل العقد (تحقيق المشاركة الديمقراطية):

من المعلوم أن غاية العقد الاجتماعي الذي يتجلى في أشكال عدة من الوثائق التأسيسية (دستور – مرجعية – ميثاق وطني...الخ) هي تحقيق القدر المنبثق من المشاركة الديمقراطية، ومن هنا توجب أن يكون محل العقد الاجتماعي كفكرة من العقود الرضائية غير مشوب بعيوب الإرادة كالغش والتدليس والتزوير التى قد تبطله أو يتعذر معها تطبيق وإنفاد أحكامه بطريقة قانونية صحيحة.

 

3- مجلس العقد – ويتمثل في حيز زماني ومكاني:

حيث يشمل الحيز الزماني، فترة من الممارسة السياسية المفتوحة على مكنة التغيير والتطوير حسب مقتضيات ومتطلبات التجربة السياسية دون أي سقف نهائي أو (دوغمة) جامدة.

ويشمل الحيز المكاني، الرقعة الجغرافية التى يجرى فيها تطبيق وإعمال نصوص وفصول ومواد هذا العقد وذلك من خلال مؤسسات التشريع التي تضع القوانين وأدوات التنفيد التى تطبقه وآليات الرقابة التى تمنع الانحراف والخلل. ومن المعلوم بداهة في علم القانون والسياسة أن نظرية حكم الشعب تقوم على فكرة أن مصطلح الشعب هنا هو غاية لتوفير إطار ديمقراطي يتيح للجميع مكنة المشاركة والمساهمة في التشريع، وهو في الوقت ذاته وسيلة لتحقيق الأهداف المعتمدة والمنشودة من خلال تشكيلاته ومؤسساته وهياكله التي تنص عليها قواعد (العقد الاجتماعي).

 

رابعاً- ملامح الرؤية المستقبلية لبناء الدولة في ليبيا:

1- الأهداف والمستهدفات في إطار السياسة التشريعية المستقبلية للدولة في ليبيا:

إن الأسئلة الجوهرية الأساسية التي يجب تحديدها بدقة عند الحديث عن السياسة التشريعية المستقبلية تتلخص في كيف؟ ومتى؟ وأين؟ فتحديد الكيفية التي يتم بها رسم السياسة التشريعية وطريقة إصدار القوانين أمر هام جداً، فلا يمكننا أن نتصور سياسة تشريعية ترنو إلى الأمام وتخاطب المستقبل دون آليات محددة دستورياً، ومسارات شرعية لهذه السياسة تحدد على ضوئها الأهداف والمستهدفات التي تسعى الدولة إلى تحقيقها فى المستقبل، وذلك للخروج من حالة راهنة تراكمت على مدار عقود من الزمن اتسمت بانعدام أو ضعف الاهتمام برسم السياسة التشريعية للدولة. فتقليدية الأطر المؤسساتية في العهد الملكي والتي لم تتجاوز إلا قليلاً الشكل النظري، وكذلك الاندفاعية واقتحام هذه الأطر الــــــــتقليدية وتـسريع وتيرة ( الإنجاز) (زمنياً) فى عهد الثورة، بالإضافة إلى الخلط بين نوازع الايديولوجيا وموجبات التأسيس القانوني، قد خلق حالة من الفوضى التشريعية فى أجلى صورها حتى وصل الأمر إلى حد إصدار القوانين لمعالجة حالات ووقائع فردية، ومن هنا صار لزاماً على أولي الأمر في الدولة إعادة النظر في مستهدفات السياسة التشريعية، والوصول بها إلى استيعاب وضبط حركة المجتمع ومساراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفق منظومة محكمة تنطلق من فكرة أن القوانين والتشريعات التى لا تلبي حاجة الواقع في حركته الدائبة سوف تشكل عبئاً ثقيلاً تكون محصلته النهائية انحسار هيبة وقداسة واحترام القانون في الذهنية السائدة مجتمعياً.

ونود أن نشير إلى أن وجود إدارة للفتوى أو التشريع فى الدولة يمثل حاجة ملحة حيث تضطلع بمهمة إدخال النصوص القانونية في المجال الحيوي الذي يحكمها وهو السياسة التشريعية العامة للدولة باهدافها ومستهدفاتها.

 

2- سيادة العولمة وعولمة السيادة:

في إطار تناولنا لمستقبلية البناء القانوني للدولة فى ليبيا نرى لزاماً علينا أن نشير إلى أن الواقع الموضوعي ومتغيراته المعاصرة قد بدأت وبقوة تفعل فعلها وتنتج آثارها فى ظل ماصار يعرف (بالعولمة)، والتي تعني "تحولاً مهماً من الشكل المكاني للتنظيم الإنساني إلى أنماط علاقات وتفاعلات وممارسات قوة عبر قومية وعبر إقليمية"(1). ولعل من أهم تجليات ظاهرة العولمة هو ما بدأت تحدثه من تأثير وتبديل وتحول فى مفهوم السيادة والذي صار يؤسس لمفهوم السيادة العالمية التي بدأت تنفك من إطار قواعد نظام (وستفاليا)(7) الذي تأسست عليه العلاقات الدولية منذ أكثر من 350 سنة.

 

وبدأت تنحسر وتتآكل سيادة الدولة القومية لحساب سيادة تمثلها قوة المركز الذي يوجه دفة هذه العولمة ويحدد مضامينها ويدفع الأطراف إلى الالتحاق الطوعي أو الاستباحة القسرية. ولا شك في أن هذا العامل الذي صار يسحب رداءه لاحتواء العالم، وبغض النظر عن ثنائية القبول أو الرفض لم يعد بالإمكان تجاهله أو غض البصر في مواجهته، ونحن في ليبيا لانملك من هذا الأمر فكاكاً مما يتطلب منا إعادة ترتيب المفاهيم والبدء في تركيب المنطلقات الجديدة، ومن أهمها البحث والتأصيل والتأسيس لمفهوم جديد للسيادة خارج قواعده التقليدية التي ستصبح بأسرع مما يتوقع البعض أثرا من آثار التاريخ السياسي.

 

3- علاقة البناء القانوني للدولة في ليبيا بمتغيرات النظام الدولي (جدلية الجدب والتناف):

إن التركيب القانوني للدولة الليبية يندرج تحت ما يعرف (بالدولة البسيطة) فهى واحدة في تركيبها من حيث ممارسة السلطة، وعنصرها البشري واحد من حيث مخاطبته من طرف السلطة بغض النظر عما به من اختلافات عرقية أو إثنية، وحدودها الجغرافية موحدة تخضع لسلطات الدولة (8) .

وهو أمر يوفر كثيراً من التعقيدات التى تواجهها (الدولة المركبة) مما يتيح مجالاً أوسع ومكنة أيسر للتعديل والمواكبة والاندماج في مسارات العولمة، والاستفادة من مؤثراتها الإيجابية دون إغفال حتمية تحمل تبعة المؤثرات السلبية. وكي لاتبقى الدولة في ليبيا أسيرة (لجدلية الجدب والتنافر) التي ينجم عنها وجود حالة من الارتباك والتخبط وعدم المواءمة بين متطلبات الواقع الوطني ومتغيرات الواقع الدولي، ينبغي صياغة سياستنا التشريعية انطلاقاً من هذه الاعتبارات وأن تكون هذه السياسة منفتحة ومشرعة وقادرة على استيعاب التغيرات الدولية وهضمها والخروج من حالة الأماني الطوباوية الحالمة أو الارتدادات العاطفية المنغلقة.

 

4- االخصوصية الوطنية (خطوط التمايز والاندماج):

ترى هذه الورقة بأن الخصوصية الوطنية يجب ألا تشكل هاجساً (نوستلجياً) يدفع بنا إلى إبراز سلاح (الهوية) وإشهاره في وجه التحولات المستقبلة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية إبراز الخصوصية والتباهي بها وتضمينها بمضامين إنسانية تجعلها لوحا في فسيفساء المسار الحضاري الإنساني. وفيما يتعلق بالبناء القانوني للدولة فإن الخصوصية تبرز وتتشكل وتتجدر كلما انطلقت من فهم منفتح، وضوابط تشريعية تحوي مفردات هذه الخصوصية بهدف الحماية والدفاع عن الذات والهوية.

كما يجب الانتباه إلى ضرورة إعادة النظر في المنظومة التشريعية في الدولة بالتعديل والإلغاء لكثير من القوانين العقابية والتجارية والمدنية والإدارية بما يتواءم ويستوعب مستجدات تطور الفلسفة الجنائية، وتعدد المبادلات التجارية والمدنية، ومتطلبات دخولنا لمنظمة التجارة العالمية. وكذلك ثورة التقنية الحديثة وما أحرزته من واقع ووقائع تستلزم الضبط التشريعي (جرائم الانترنت مثلاً). وتخليص تشريعاتنا العقابية من النص على العقوبات البدنية (كالحدود مثلاً) والسير بها نحو مضامين الإصلاح والتهذيب، وصون حقوق الإنسان. إن أي تأخير أو نكوص في هذا الشأن سوف يؤدي بنا إلى عدم المواكبة والتخلف عن ركب التطور وقد يخلق حالة من الاستعصاء والفصام (القانوني) النكد.

 

خلاصة:

حاولت هذه الورقة أن تقدم رؤية قانونية لموضوع المفاهيم والأطر والأسس الدستورية والتشريعية التي تتعلق بمرتكزات بناء الدولة في الحاضر، وتبيان متطلبات التأسيس المستقبلي الذي يتيح لها المواكبة واستشراف المستقبل مع الإشارة إلي واقع الحال في ليبيا.

ولعل مكمن الأهمية هنا يتمثل في أنه لابد لأية محاولة للإصلاح والتطوير، أو وضع سيناريوهات للمستقبل، أن تنطلق في أسسها الجوهرية من إصلاح منظومة الوثائق الدستورية والتشريعات واللوائح والقرارات التي تحدد مسارات هذا التوجه، وفق تراتبية منطقية، تبدأ بإقرار دستور دائم للبلاد يعبر عن إرادة الناس، ويلبي متطلبات الواقع، ويستوعب طموحات المستقبل، نزولا إلى تشريعات أخرى بمختلف تدرجاتها. ونرى أن يتم ذلك عن طريق إدارة الفتوى والتشريع التي أشرنا إليها في هذه الورقة، وأن تكون هذه الإدارة هيئة مستقلة تضم خبرات قانونية إلى جانب خبرات في مختلف التخصصات تكون مهمتها المراجعة الدقيقة والضبط المحكم والاقتراح الفعال، حتى نتجنب هذه الفوضى التشريعية التي أربكت مسارات الدولة وشكلت عقبة في وجه كل محاولات الإصلاح.

وتكمن الخطوة الأخرى في إصلاح الجهاز القضائي وإعادة الهيبة لهذه المؤسسة التي وقعت ضحية لفوضى التشريع وتداخل السلطات حتى تعود للأحكام الصادرة عنها قوتها وحجيتها، مما يوفر مناخا من الاستقرار وضمانة للأمان تساهم في تحريك المبادرات الهادفة إلى الإصلاح والتطوير. كذلك فإن ترتيب الأولويات في عملية بناء الدولة مستقبلا لابد أن يأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي وتنمية مستدامة والوصول إلى مستهدفات (ليبيا الغد) دون إعادة النظر في المنظومة السياسية، فلا يمكن تصور أي إصلاح للاقتصاد بمعزل عن السياسة، وأن أي تردد في هذا الجانب مهما كانت بواعثه سوف يفضي إلى مزيد من التخبط والضبابية ومن ثم إلى نتائج سلبية مهما كان بريق الشعارات وصفاء النوايا وصدق العزم.

وفي الختام.. فإن هذه الورقة المتواضعة ربما مثلت إضاءة لموضوع على جانب كبير من الأهمية وكلنا أمل في أن تنير مع غيرها من الإضاءات التي تحويها الرؤيا طريق المستقبل للخروج ببلادنا من واقع الإرباك والتخبط نحو آفاق واعدة، تعالج سلبيات الواقع وتستوعب مفردات العصر وتصنع للأجيال القادمة مستقبلا زاهرا يليق ببلادنا الغالية.

هوامش:

1-انظر تاريخ الفكر السياسي.. د. إبراهيم دسوقى أباظه، د.عبدالعزيز الغنام منشورات (دار النجاح) بيروت 1973.

2- انظر عبدالله العروى مفهوم الدولة (المركز الثقافى العربى ) الطبعة السادسة 1998

3- انظر الوجيز في القانون الدستوري – دراسة تحليلية في النظرية العامة لفلسفة القانون الدستوري ( الكتاب الاول ) د . ميلود المهدبي و د. ابراهيم بو خزام – الناشر مكتبة طرابلس العلمية العالمية الطبعة الاولي (1996) طرابلس.

4- انظر زاهي المغيربي الدولة والمجتمع المدني في ليبيا إصدارات ( مجلة عراجين 2004).

5-انظر الوجيز في القانون الدستوري – دراسة تحليلية في النظرية العامة لفلسفة القانون الدستوري ( الكتاب الاول ) د . ميلود المهدبي و د. ابراهيم بو خزام – الناشر مكتبة طرابلس العلمية العالمية الطبعة الاولي (1996)، طرابلس).

6- انظر د. هنري حبيب – ليبيا بين الماضي والحاضر ترجمة شاكر ابراهيم المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع ولالعلام والمطابع (الطبعة الاولي 1981).

7--انظر د. زاهي المغيربى (العولمة والدولة الوطنية 11/10/2007 مدونة سريب الإلكترونية"

8- انظر الوجيز فى القانون الدستورى .. مصدر سابق.

4 نوفمبر 2010- مجلة عراجين العدد الثامن


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh