Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12
مؤسسات المجتمع المدني والثقافة في ليبيا

  مؤسسات المجتمع المدني والثقافة في ليبيا (مجلة عراجين:8)

بقلم: إدريـس المسماري، ورضا بن موسى

تنشغل بلادنا بالعديد من القضايا والهموم، علي رأسها قضية الإصلاح الحضاري المتعدد الأبعاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والذي يرتكز علي إقرار دستور وإلغاء القوانين المقيدة للحريات السياسية والاقتصادية والثقافية وإعادة النظر في بعض القوانين المنظمة لمؤسسات المجتمع المدني.

وتهدف هذه الورقة إلي محاولة المساهمة في وضع رؤية لمستقبل الحياة في بلادنا علي نحو أكثر عدلا وجمالاً وبهجة عبر مساهمة الموسسات الثقافية النقابية في إثرائها بفاعلية وإيجابية، ويتم ذلك انطلاقا من افتراض أن طبيعة العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني في ليبيا ملتبسة وشائكة حيث تهيمن فيها السلطة السياسية علي مؤسسات المجتمع المدني وتخضعها لسيطرتها، ويتبين وفقا لقراءة التجربة السياسية الليبية الحديثة والمعاصرة، بأنه لم يتم بعد استكمال بناء الدولة وهي المسألة الأساسية للتحديث والتي يشترط ألا يغيب فيها ركنان أساسيان هما المجتمع المدني والديموقراطية كقاعدة تتأسس عليها العلاقة التفاعلية بين المجتمع والسلطة السياسية، وحيث أن فاعلية المجتمع بكافة منظماته أو مكوناته ضرورية لتحقيق التطوير تأسيسا علي مبدأ المشاركة الشاملة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

ويلاحظ أن مفهوم المجتمع المدني في بلادنا قد صار يشهد اهتماماً متزايداً ضمن الخطاب الثقافي السياسي في العقد الأخير من القرن العشرين من خلال التوكيد علي ضرورة توسيع مستوى المشاركة المسؤولة وتأسيس قيم الاستقلالية والمساواة في إبداء الرأي والتحريض علي المبادرة الحرة في الكتابة والممارسة الثقافية النقابية الواعية والمنظمة. ويتم ذلك بإفتراض وتصور يستند إلى الخبرة والتجربة العالمية في أن للمجتمع المدني دوراً إيجابياً في تعزيز احتمالات التنمية الشاملة عبر زيادة هامش الحراك للجماعات والفئات والقوى الاجتماعية المختلفة والمنظمة في روابط إرادية، وباستقلالية عن الدولة، وبما يمكنها من الدفاع عن مصالحها، وتفعيل دورها تكاملا مع مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية في البناء العام تخطيطا وتنفيذا ورقابة بما يعزز الحرية ويضمن التطور المنهجي الواعي المنظم للمجتمع ككل علي ضوء الرؤى والممارسات الواعية المسؤولة.

وفعليا فإن النقابات المهنية وبالخصوص الأدبية الثقافية والصحفية والإعلامية والقانونية صارت تؤدي نسبيا دورا بارزا في الفترة الأخيرة، تليها جمعية حقوق الأنسان المعززة رسميا ثم الجمعيات الأهلية التي تنخرط في العمل العام من خلال ما تقوم به من أنشطة تنمويةـ فقد ظهرت هذه النقابات والثقافية منها بالخصوص بوصفها منابر استطاعت اجتذاب واستيعاب الفئات التي تنتسب إليها في نشاطات فاعلة تعبر عن طرح جديد ومتقدم لتطوير المجتمع يتمثل في تنمية ثقافة المشاركة عبر قيامها بدور أساس في إكساب أعضائها خبرة الممارسة الديموقراطية بإعلاء أهمية تنظيم الجهود والمبادرات في صياغة تنظيمية خلاقة تؤدي إلي الارتقاء بالوعي الثقافي يتمثل في السعي لوضع إستراتيجية للثقافة تمكنها من بلورة خطاب ثقافي وإعلامي وتربوي يمتلك القدرة علي التأثير في مختلف المجالات أو ما يعرف بالسياسات العامة.

وإن اختيار البحث في مستقبل الثقافة ومؤسساتها المدنية يأتي من كون أن الثقافة هي وعاء الإنسان، وكينونته، وتاريخه، وتعبيره عن نمط تمثله، وإدراكه لهذا العالم، وإعادته لبنائه علي نحو مختلف عن هيئته الطبيعية التي يوجد عليها خارج أي إدراك له، ويتم ذلك البناء من خلال عملية الإنتاج الرمزى، بأشكال ووسائل وأنحاء مختلفة: مكتوبا، ومنطوقا، وعلي نحو تجسيدي حركى. إنها جميعا أشكال مختلفة من الإفصاح عن الذات وعن الوجدان الفردي والجمعي، وعلي صفحتها، تمكن قراءة المجتمع الذي تعبر عنه، وبنيته العقلية- بتعبير كلود ليفي شتراوس- وشخصيته الحضارية. ففيها يخرج ما بداخل مستودع الذاكرة من معطيات قابلة للتحليل الاجتماعي.

ورغم تعدد تعريفاتنا للثقافة ومفاهيمنا حولها، يبقي الجوهر واحد، فلكل فرد أو جماعة، رجل أو إمرأة علي إختلاف عرقه ولونه وجنسه ثقافته الخاصة، المتجسدة في القيم والأفكار والتقاليد والملبس والمشرب، تتجلي بأشكال إبداعية شتى في الشعر والموسيقي والغناء والرقص والجنس، وغيرها.

إنها هي الإنسان في صيرورته عبر التاريخ ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وبدون فك شفرتها الوراثية ومعرفة تضاريسها الخاصة ومدي وطبيعة تفاعلاتها مع الثقافات الأخرى، واستجابتها لدواعي التقدم، سيكون الجهل هو محصلة معرفتنا لذواتنا ولتاريخنا ولمشاعرنا وأحاسيسنا، وانفعالاتنا، وبدلا من أن نبدأ بالقول: (اعرف عدوك) فإننا نبدأ بمعرفة الذات حسب تعبير سقراط "اعرف نفسك"، ولكي نعرف أنفسنا حق المعرفة، يجب علينا أن نسلم بموقعنا المتخلف دون أن يعني ذلك افتقادنا للمقومات الثقافية التي تلزم أي شعب من الشعوب ليكون متقدما ثقافيا، ويجب علينا أيضا أن نقوم بتشريح معارفنا وأفكارنا كأفراد وجماعات، وأن نقف علي إجابات واضحة حول الأنا والنحن، لندرك المشترك الذي يجمعنا كذوات فاعلة وإيجابية، لكل منا صفاته المختلفة عن الآخر، وما الذي يجعلنا نحس بنفس المشاعر والأحاسيس، وما خصوصيتنا كجماعة تتفق وتختلف مع جماعات أخرى، وكيف يمكن بلوغ إدراكنا لحدود الاختلاف والخصوصية دون الإغراق في نعرات ذاتية ضيقة تصل بنا إلي العزلة والإنغلاق، كما ندرك بوعي تام حدود التشابه والاتفاق دون الوقوع في مخاطر الانسحاق الفكري والثقافي لأية جماعة بشرية أخري. أين يكمن المشترك الإنساني وأين يتقاطع، ومتي وبأية كيفية يمكن وصول هذه المعاني عمليا للضمير الجمعى الثقافي لمجتمعنا الليبي؟

 

محاجة مبدئية:

1- تتعلق هنا بالتعبير الذي اتخذه مشروع" ليبيا 2025، رؤية استشرافية" شعارا له، ألا وهو "سويا علي كلمة سواء"، ونحن نتساءل في البداية: سويا علي أية سواء؟! والسؤال هنا بديهي بالنظر إلي أفق المشروع المهم وغاياته التي تفرض جدلا التنوع والاختلاف. وثانيا: هل المجتمعات الحديثة المبنية علي تعدد الثقافات والأفكار والميول والأهداف، تحتاج إلي كلمة "سواء" وإن كان كذلك فأية كلمة "سواء" يمكن اعتبارها في ظل البنية التعددية للمجتمعات الحديثة؟ ومن الذي يملك مصداقية صياغتها؟ وما المعيار الذي تقيس عليه أطراف التنوع المجتمعي الطبيعي "سواء مثل هذه الكلمة" من عدمه؟ وألا يمكن للبعض أن يعتبر الدعوة إلي كلمة "سواء"- بهذا المعني- بادرة لمصادرة آخر متوهم؟!

2- إن المثقف العضوي النقدي هو الباحث دوما عن الاختلاف ومع الإبداع ضد الاتباع، يدعم المتحول في مواجهة الثابت والمستقر من الرؤى والتقاليد والأفكار، دائم القلق والتساؤل تجاه المفاهيم والصياغات الاستهلاكية الجاهزة، يحاجج بقوة ولجوج في حواراته ونقاشاته. وعليه.. هل كان للإنسانية أن تحقق تقدما يذكر أو أن تطور من معارفها وأفكارها وسبل حياتها، إذا ركن مثقفوها ومفكروها ومبدعوها واستناموا بشعوبهم تحت مظلة الأفكار والمعارف السابقة دون جرحها بالسؤال والاندهاش والانشغال الدائم بالطرح البديل؟

3- "ليبيا 2025: رؤيةاستشرافية" هو العنوان الرئيسي للمشروع، فما المغزي العملي من وراء تحديد هذا التاريخ دون غيره؟ هل ينطوي التاريخ هنا علي دلالة سياسية أو تاريخية أو تنموية؟ وهل وضع القائمون عليه في اعتبارهم وبصيرتهم الفكرية الطفرات الهائلة التي سوف يكون عليها العالم من حولنا آنذاك؟ في التكنولوجيا ووسائل الاتصال وحرية تبادل المعلومات وسهولتها في ما يسمي بالكونية، وغيرها من الطفرات العلمية المذهلة في الجينات والاستنساخ والخلايا الجذعية والهندسة الوراثية وغيرها من الطفرات التي تنذر علي صعيد العلو المتقدم بوجود كائنات أخري عبر بشرية خلال هذه الفترة...ألخ. وهى الأسئلة الموجبة التي نستبطن معا من خلالها مدي التحدي والمسؤولية الملقاة علي عاتقنا، وتفرض علينا الوضوح والشفافية المطلقة، فضلا عن أهمية التمتع بالرؤية العلمية في كل خطوة من خطوات هذا المشروع.

4- لا يمكن استشراف المستقبل، أي مستقبل، بمعزل عن استقراء حقيقي لما يشهده العالم من صراعات ذات أفق جهوي وديني وعرقي، بوصفها اعتبارات حيوية قائمة، تطرح أسئلتها القلقة علي المجتمعات الحديثة.

5- هل هذه الرؤية الاستشرافية تمثل إجمالا لحلم بواقع متخيل "يوتوبي" أم هي رصد علمي لواقع مفترض؟

 

مفاهيم إجرائية لمفتتح الحوار حول:

-الثقافة.

-المثقف.

-المجتمع المدني.

تحاول هذه الورقة أن ترصد- في خطوط عامة- واقع العمل الثقافي وعلاقته بالمجتمع المدني في ليبيا خلال المرحلة الحديثة (1952-2000) للاسترشاد بها في صياغة رؤية مستقبلية لواقع العلاقة المفترض ما بين النشاط الثقافي والدور الذي يضطلع به المثقفون تجاه واقعهم وبين تشكل منظمات ومنتديات وجمعيات.. ألخ، ذات أهداف وتطلعات ومهام ثقافية مختلفة ضمن أطار المجتمع المدني الذي يتأسس وفقا للمبادرة الذاتية، ويتم الانتماء إليه بشكل طوعي وغير إلزامي.

 

وتتبني الورقة المفاهيم الإجرائية التالية:

أولا: الثقافة

يظل تعريف مفهوم الثقافة عصيا علي التحديد والاختزال وبحسب العديد من البحاث فإن هناك أكثر من مائة تعريف للثقافة في عالمنا المعاصر، ذلك أن هذا المفهوم ليس ثابتا وسرمدي التعريف، فالثقافة كمنتج وحاجة اجتماعية، تكتسب اسمها وشكلها وحضورها من اللحظة التاريخية المنتجة والمستهلكة فيها بتنوع واختلاف منتجيها ومستهلكيها. فلكل عصر ومجتمع ثقافته وأدواته، ولكل شئ في نطاق إدراك الإنسان علاقة بالثقافة. ولكل ثقافة مجتمع ينتجها في لحظة تاريخية معينة ويستهلكها في نفس الآن. والسؤال الذي يطرح نفسه علي كل الثقافات الإنسانية المعاصرة هو ما مصيرها وكيف تعرف نفسها في ظل عولمة الثقافة وتداخل مشاغل منتجيها؟.

 

ثانيا: المثقف

يعرف المثقف في هذه الورقة بأنه هو المنتج للمعرفة من خلال النشاط الفردي الذهني(الكتابة، التأليف، الموسيقي، الفن التشكيلي) أو التجسيدي ( التمثيل، الرقص، العزف، الغناء... الفنون الجماعية). وتجدر الإشارة هنا إلي أن ثمة فروق نوعية بين منتجي الثقافة الذهنية علي العموم أدباء، وكتاب، وفنانين، ذلك لأنهم ينتجون معارفهم بصورة فردية شخصية، وعلاقتهم مباشرة بما ينتجونه، ولا علاقة لأحد خارج ذواتهم بها، علاقتهم بعد إنتاجهم تكون مع الوسيط بينهم وبين المتلقي (صحيفة، مجلة، المطبعة، الناشر، المكتبة، المعارض، وسائل الإعلام...)، أي أن إنتاج الإبداع والفكر يتم في شروط فردية خاصة، وما يشترك فيه منتجو الثقافة الذهنية هو المفاهيم والقيم العامة التي تتعلق بالحقوق والحريات العامة. وعلي العكس من ذلك فإن أغلب الفنون (المسرح، السنيما، الموسيقي والغناء، الرقص) هي أقرب إلي الفنون الجماعية، إذ يشترك أكثر من فنان أو مبدع في تجسيدها وتنفيذها، مما ينتج عنه حالة من الترابط المهني.

 

ثالثا: المجتمع المدني

نعرف المجتمع المدني بأنه مفهوم يشير إلي"مجموعة من الأبنية أو التنظيمات أو المؤسسات التطوعية الحرة، السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية، تنشأ وتعمل بإستقلالية عن الدولة وتنظم في إطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، ويحدث ذلك بصورة ديناميكية ومستمرة تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف".

ومصطلح (المجتمع المدني) له مرادفات عديدة في الخطاب العربي، منها: (المجتمع الأهلي)، (المجتمع المدني الأهلي)، (تجمعات المجتمع المدني الأهلية)، وقد استقرت كلمة الأهلي- في اللغة العربية المعاصرة- بهذا المعني، منذ بدايات عصر النهضة، للتعبير عن تكتلات المجتمع المدني المدنية، الحداثية وغير الرسمية. وهي النقابات المهنية والعمالية،- الحركات الاجتماعية،الجمعيات التعاونية والأهلية، نوادي هيئات التدريس بالجامعات، النوادي الرياضية والاجتماعية، مراكز الشباب والاتحادات الطلابية، الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال، المنظمات الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والبيئة، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية، المنتديات والمنابر السياسية، وهناك من يضيف إلي هذه المنظمات هيئات تقليدية كالطرق الصوفية والأوقاف التي كانت بمثابة أساس المجتمع المدني في المجتمعات العربية منذ مئات السنين قبل ظهور المنظمات الحديثة.

ونري، من خلال هذا التعريف، أن "مفهوم المجتمع المدني ينطوي علي ثلاثة أركان أساسية:

الأول: الفعل الإرادي الحر ولذلك فهو غير"الجماعات القرابية" مثل الأسرة والقبيلة، وهو غير الدولة التي تفرض جنسيتها أو سيادتها أو قوانينها علي من يولدون أو يعيشون علي إقليمها الجغرافي. وينضم الأفراد إلي تنظيمات المجتمع المدني من أجل تحقيق مصلحة أو الدفاع عن مصلحة مادية أو معنوية.

الثاني: هو مجموعة من التنظيمات، كل تنظيم فيها يضم أفرادا أو أعضاء اختاروا عضويته بمحض إرادتهم الحرة. فالمجمتمع المدني هو الاجزاء المنظمة من المجتمع العام.

الثالث: الركن الأخلاقي والسلوكي ويتمثل في قبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخرين، وعلى حق الآخرين في أن يكوّنوا منظماتهم، والالتزام في إدارة الخلاف داخل وبين منظمات المجتمع المجني بعضها البعض، وبينها وبين الدولة، بالوسائل السلمية المتحضرة، أي بقيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي".

 

وإذا نحن تساءلنا: بأي معنى يمكن الحديث عن "المجـتمع المدنـي" فـي بلـدان العالـم الثالـث- ونحن منها – والتي ليست بالمتقدمة صناعيا وما زالت القبيلة تقوم بدور كبير، وما زالت الدولة ذات طبيعة شاملة؟. فإن الجواب ينطلق، من معطيات الواقع والتموضعات التاريخية الخاصة التي تشير إلى ضرورة تعزيز آليات المشاركة للقوى الفئات الاجتماعية المتنوعة في الإصلاح والتنمية لمواجهة اخفاقات التجارب السياسة ذات الطبيعة الشاملة للسلطة السياسية في النهوض بالمجتمع والطموح لتحقيق تحولات نوعية لصالح الوطن والمواطن. ولذا فإن مفهوم "المجتمع المدني" في ليبيا يقترن بالتحول الديمقراطي والتقدم الاجتماعي".

 

الثقافة والمجتمع الأهلي" مدخل تاريخي"

بداية لابد أن نشير حين التحدث عن تاريخ مؤسسات المجتمع المدني والثقافية بشكل خاص إلى أن الأطر الاجتماعية التي ينتظم خلالها الناس وبحكم طبيعتها هي أسبق تاريخيا على تأسيس الدولة، وما الدولة ذاتها والتي هي تنظيم سياسي للمجتمع سوى منظمة اجتماعية تطورت علي نحو خاص ولدواعي قوانين تطور الاجتماع البشري بشكل مخيف. وبالتالي فان المجتمع الليبي مثل غيره من المجتمعات لم يكن خلوا من مبادارات وسياقات وآليات تسعى إلى بناء أسس تنظيمية اجتماعية تحاول بلورة انماط من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. وأيضا من المهم تأكيد التداخل والتشابك في التجربة الليبية بين العمل الثقافي والاجتماعي والسياسي حيث كان للكل تأثيره في الآخر.

وحتي أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدا مع ما يسمي في التحقيب التاريخي الليبي بالعهد العثماني الثاني (1835-1911م)، عاش الكيان الليبي عدة قرون من ظلام المعرفة الدامس لم يعرف فيها نور العلم والثقافة طريقه إلي عقول أبنائه، وباستثناء شذرات بسيطة لا تذكر من التعليم الدينى المتركز في الأساس في الكتاتيب التابعة للمساجد والزوايا التي قامت بالجهود الشعبية في إطار التبرع أو الأوقاف بتحفيظ القرآن وتعليم القراءة والكتابة وبعض العلوم الفقهية البسيطة. ويصف الرحالة الحشايشي الذي مر علي مدينة طرابلس في منتصف القرن التاسع عشر واقع العلوم والمعرفة في البلاد آنذاك (أما العلوم والمعرفة العصرية فلا توجد عندهم، بل لا يشمون لها رائحة، كما لا يوجد عندهم علماء أعلام من فقهاء الإسلام).

ومع العهد العثماني الثاني شهدت البلاد محاولات إصلاحية في تطوير مرفقات البلاد ومؤسستها ومنها الاهتمام بالتعليم الحديث، فتم إنشاء عدد من المدارس التي تجمع ما بين العلوم الحديثة والعسكرية ومدرسة الفنون والصنائع.

وفي سنتي 1882-1883 عرفت البلاد أول جمعية ثقافية سياسية هي (القرائخانة)، أسسها إبراهيم سراج الدين في طرابلس وضمت في عضويتها عددا من شخصيات البلاد ونخبتها من أمثال المؤرخ (أحمد النائب) والشيخ (حمزة ظافر المدني) وغيرهما. ثم أمتد وجود هذه الجمعية إلي الأطراف حيث انضم إليها إبراهيم المهدوى عميد بلدية بنغازي، وبعض من الأعيان والشباب من مدينة مصراتة. ومن ضمن ما نصت عليه بنود هذه الجمعية التي اتخذت من أحد المقاهي في المدينة مقرا للقاء أعضائها "إصلاح التعليم والاهتمام بنشر التعليم العلمى، والتشجيع علي إقامة الجمعيات، والتثقيف ومتابعة الجرائد وقراءتها"، ولم تعمر هذه الجمعيات طويلا حيث ألقي القبض عل مؤسسيها وأعضائها بتهمة تهيج وتشويش الرأي العام. وأيضا الجمعية التي أنشأها المجاهد بشير السعدواي في أواخر تلك الفترة وضمت إلي جانب السعداوي عبد الرحمن الزقلعي ومفتي الخمس محمد أبورخيص "وأهتمت الجمعية   بموضوعات الإصلاح الإداري اللامركزي، والخلافة العربية، وسياسة الاتحاديين عموما، ولم يمنع هذه الجمعية من الاستمرار والتطور سوي الغزو الإيطالي وانصراف مؤسسيها إلي الانضمام إلي حركة الجهاد. كما يمكن اعتبار مدرسة "الفنون والصنائع" 1898م من ضمن المؤسسات الخيرية الأهلية التي قامت في العهد العثماني بدور النهضة الثقافية بجانب عملها وهدفها الرئيس في احتضان أيتام الفقراء وتعليمهم الصناعة وتزويدهم بالمعارف العامة.

ويضاف إلي مؤسسات المجتمع المدني، الصحف الحرة المستقلة التي لا تتبع الإعلام الرسمي للدولة مثـل صحـيفة (أبو قشــة) والـتي أسـسها محـمد الهاشمي، وقامـت بـنـقد النــظام فــي ذلـك الوقــت 1909-1910.

وفي فترة الاحتلال الإيطالي الذي شكل قطيعة تاريخية حادة أمام تراكم تجربة المجتمع المدني ظلت الكتاتيب والزوايا والمساجد والطرق الصوفية تقوم بدورها التقليدي في الاهتمام بتدريس تعليم الدين وتحفيظ القرآن وحفظ التراث. وحيث إنه لم تقم السلطات الإيطالية بأي عمل مجتمعي يمكن أن يصنف في خانة العمل المدني أو الأهلي الحديث الذي يتيح لليبيين المشاركة فيه، بل عملت علي تكريس إدارة عسكرية عنصرية لا تهتم إلا برعاياها الإيطاليين. وبالرغم من طبيعة الاستعمار الشرسة كان إنشاء (النادي الأدبي) في سنة 1920م أول مشروع ليبي اجتماعي ثقافي مدني. وقد أسسه في طرابلس الأخوان أحمد وعلي الفقيه حسن كجمعية انبثق عنها مكتبة ومدرسة ليلية تقوم بجلب الصحف والمجلات العربية الهادفة، ولكن سرعان ما أغلقت السلطات الاستعمارية هذا النادي ثم أعيد نشاطه الثقافي السياسي خلال فترة الإدارة البريطانية 1943، وليتحول بعد ذلك إلي حزب سياسي، هو(الحزب الوطني) الذي انشق بعد ذلك ليصبح حزب الكتلة الوطنية. فيما تزايدت ظاهرة إنشاء النوادي الرياضية الثقافية التي لعبت أدواراً اجتماعية وثقافية وتربوية، بل وتحول بعضها إلي تشكيلات سياسية كما حدث لجمعية عمر المختار التي تأسست في بنغازي سنة 1945م كجمعية ثقافية رياضية في بدايتها ثم تحولت إلي جمعية سياسية ثقافية وأنشئ لها فرع بمدينة ( درنة)، وقد أُوقفت أنشطة هذه المؤسسات مع مطلع الخمسينيات.

 

الفترة من 1952م-1969م

حاولت الدولة تضييق حركة مؤسسات المجتمع المدني كما حصل في سنة 1962م عندما عدلت بعض حقوق وواجبات النقابات العمالية بسبب حضورها في الإضرابات والمقاطعة لسفن وطائرات الدول الاستعمارية. ولم يسمح سوي بظهور بعض أشكال النشاط المحكوم بتشريعات التبعية للدولة كإنشاء جمعية الهلال الأحمر الليبي في 20 يناير 1959م وتبعيتها لوزارة الصحة آنذاك، وكذلك إنشاءالجمعية الليبية للبر والمساعدات في سنة 1968 م وكذلك جمعية نور للمكفوفين.

غير أن تنامي الوعي الثقافي والسياسي للقوى الوطنية ونمو حركة التطور الاجتماعي كانا سببا في ظهور بعض التشكيلات الحزبية السرية، وبعض الجمعيات التي تميزت باستقلال ملحوظ عن السلطة –كجمعية الفكر الليبية التي تأسست سنة 1959، ولعبت دورا مهما في تفعيل الحركة الثقافية والفكرية واستقطاب جزء من النخبة الليبية وفتح قنوات الحوار مع المثقفين الليبيين والعرب والأجانب.

وبشكل عام اتسم النشاط الثقافي خلال هذه الفترة بالطابع المدني، حيث نشطت النخبة المثقفة في تكوين المنتديات والجمعيات الثقافية والصحف المستقلة، وتركز نشاط المثقفين من خلال انضمامهم وإسهامهم في تأسيس النوادي "الثقافية/ الرياضية/ الاجتماعية" والمسارح التي تأسست جميعا بالمبادرات الذاتية من "مثقفين وفنانين" وبتمويل ذاتي من أعضائها، كما استمرت ظاهرة الصالونات الأدبية في بيوت بعض الشخصيات الثقافية المعروفة. ولعبت النوادي والصحافة والمقاهي دورا مهما في التواصل ما بين المثقفين للحوار والنقاش وتبادل الآراء والخبرات: " كنادي الشباب الليبي/ ونادي الأهلي/ ونادي الهلال" والمقاهي مثل: "زرياب، ولارورا، والرياضي، والتجاري، والعرودي.. الخ".

ومن أهم ما يمكن رصده في هذه المرحلة هو تعدد المؤسسات الأهلية المهتمة بالشأن الثقافي والقائمة على المبادرة الطوعية وتنوع أهدافها ونشاطاتها، وعرفت هذه المرحلة نشأة بعض الجمعيات النسائية التي قامت بدور تأهيلي بارز في مجال التوعية الاجتماعية والثقافية، بجانب مهامها في تدريب المرأة على أعمال الحياكة والتدريب المنزلي والتعريف بحقوق المرأة ودورها الفعال في نهضة المجتمع. كما كان تأسيس الحركة الكشفية سنة 1954 محطة مهمة على صعيد بناء مؤسسات المجتمع المدني، حيث قامت بدور تربوي ثقافي متميز، وكانت مجلتها "جيل ورسالة" منبرا للكثير من الأقلام الثقافية وخاصة الشابة منها آنذاك.

وشهدت الساحة الجامعية نشاطا ثقافيا كبيرا تمثل في تنظيم المحاضرات والندوات والأمسيات الثقافية التي كانت تقيمها الجمعيات التابعة للكليات والأقسام الجامعية "جمعية احمد رفيق، وجمعية شكسبير، وجمعية ابن خلدون..)، وصدر عنها مطبوعات ثقافية كمجلة "قورينا" التي أصدرتها جماعة الفلسفة بالجامعة الليبية. هذا إلى جانب الصحف المستقلة التي كان لها دور مميز طوال تلك الفترة في نشر الثقافة الوطنية والانفتاح على الثقافة العربية والعالمية، وساهمت بذلك في التنوير وزيادة المعرفة وكانت الحاضنة الشرعية لولادة الكثير من المبدعين والمثقفين الذين أثروا الحياة الثقافية والسياسية.

 

الفترة من 1969 إلي الآن 

في محاولة لتحديد خيارها الإيدلوجي وإعادة صياغة الواقع السياسي والاجتماعي وفق أطروحاتها ورؤاها الخاصة اختارت سلطة النظام الجديد في ليبيا تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي سنة 1970م. الذي يتوافق مع الشعارات التي رفعها البيان الأول لحركة الضباط الوحدويين الأحرار، وأنشئت داخله وحدة أطلق عليها(الفكر والدعوة) التي أسند اليها مهمة ترويج شعارات الاتحاد الاشتراكي (حرية اشتراكية وحدة)، والعمل على إقحام المثقفين بمختلف توجهاتهم في الانخراط في هذا الشكل السياسي. ومن تجربة الاتحاد الاشتراكي وحتى إعلان سلطة الشعب سنة 1977 وعلى وجه الخصوص في شأن المجتمع المدني، وعلى الرغم من تزايد عدد الجمعيات والنقابات والاتحادات فإنها ظلت عبارة عن امتداد للمؤسسات الرسمية، وتخضع للقوانين واللوائح والتعليمات في اختيار قياداتها، وفي بنيتها التنظيمية وأمورها المالية، وفي أنشطتها المختلفة وبالتالي فهي لم تمثل مجالاً مستقلاً ومنفصلاً، بل إنها كانت جزءاً من آليات النظام السياسي الذي يستند إلى التوجيهات الثورية والنظرية الجماهيرية.

وصدر خلال تلك الفترة عدد من القوانين المكبلة للعمل العام والنشاط النقابي والمهني المستقل(قانون تجريم الحزبية سنة1972م، وقانون الجمعيات رقم 114 لسنة 1970م، وتأميم الصحف الخاصة سنة 1973م)، وفي أبريل 1973م وجهت أعنف ضربة للمثقفين الليبيين عقب خطاب زوارة الذي أعلن فيه ما سمي بالثورة الثقافية حيث اعتقل أكثر من 300 مثقفاً بينهم عدد كبير من الأدباء والكتاب.

وفي ذات السياق تم العمل على تأطير النشاط الثقافي ضمن مؤسسات تجمع المثقفين من أدباء وكتاب وفنانين في شكل نقابي يجمع الكتل والجماعات والأنشطة الثقافية في كيان واحد يدين بالولاء للسلطة الجديدة ومشروعها الإيدلوجي، وهو ما تمت الدعوة إليه بوضوح في المؤتمر الأول للأدباء والكتاب المنعقد في بنغازي في فبراير 1972م، والذي انبثق عنه ما سمي بالهيئة التأسيسية لاتحاد الأدباء والكتاب، الذي صدر قانونه الأساسي ولائحته التنفيذية في يونيو 1976م، كما صدر له لاحقا-في نفس العام- القانون الأساسي لنقابة الفنانين، وقد نص القانون الأساسي للاتحاد والنقابة على "تولي وزير الدولة الإشراف والرقابة على الاتحاد لغرض تنفيذ أحكام القانون واللوائح الداخلية"، وهي الصلاحية التي أصبحت مخولة لمسؤولي الدولة بتغير مسمياتهم الوظيفية (أمين الثقافة والإعلام، أمين الثقافة والتعبئة الجماهيرية... الخ)؟

وهكذا، وبسبب أن أنماط التفاعل بين منظمات المجتمع المدني والدولة في ليبيا تقترب من نموذج "كوربورتارية الدولة"، حيث الأحزاب السياسية محظورة وتعتبر النقابات والاتحادات والروابط المهنية والجمعيات التطوعية الأهلية غير تنافسية وإلزامية وهيراركية، احتكرت هذه المؤسسات –شبه النقابية- العمل الثقافي والفني في مجالها من خلال أنشطتها وبرامجها، وتقلص وبشكل كبير دور الجمعيات والنوادي والمنتديات الثقافية بالإضافة إلى أن النقابات والاتحادات والراوبط يتم خلقها وتنظيمها وإعادة تنظيمها وحلها بقرارات ولوائح وقوانين رسمية، بل والتدخل حتى في وضع أهدافها وفي حرية الانضمام إليها، ويمكن الإشارة إلى التغيير الذي تم في شروط الانتساب إلى عضوية رابطة الكتاب والادباء على ضوء قرار مؤتمر الشعب العام رقم 59 لسنة 2004، وما حدث في نقابة الصحفيين حول ضم موظفي الإعلام وما جرى لانتخابات نقابة المحامين. ولذلك وخلال أكثر من عشرين عام لم يمنح الأذن لأي جمعية أو مؤسسة ثقافية بممارسة النشاط الثقافي إلا في حالات خاصة وضيقة جدا (جمعية المحيط الثقافي- صبراتة، وجمعية مزدة للتراث، والجمعية الأهلية لذاكرة المدينة- هون، وبيت درنة الثقافي). وأصبحت المرجعية الأساسية للعمل الثقافي والفني لدى اتحاد الأدباء والكتاب ونقابة الفنانيين حتى وإن تغيرت تسميتهم أو الجهة التابعين لها في الدولة فمن الناحية التشريعية (أمانة شؤون الروابط والنقابات)، ومن الناحية التنفيذية (أمانة الإعلام والثقافة..)، وقد نتج عن هذه الآلية ضعف كبير على مستوى المبادرة الذاتية للعمل الثقافي، الذي أصبح محكوما وتابعا للتوجيه من قبل أجهزة الدولة، والإيدلوجية منها على وجه التحديد، وهو الأمر الذي أدى إلى ضعف العمل النقابي وغياب أي نشاط بارز للجمعيات والمنتديات الثقافية المستقلة -وحتى المقاهي اصبحت لا تطيق لقاء أو تجمع للمثقفين بها، وهو الأمر الذي تسبب في انزواء عدد من المثقفين والأدباء والكتاب والفنانين وعزوفهم عن الانتماء لهذا الكيانات الهجينة (اتحاد الكتاب، ونقابة الفنانين). وحين قامت بعض الأصوات من الأعضاء الناشطين في رابطة الأدباء –الاتحاد سابقا- على وضع قواعد تطور من طبيعة أعمالها وتستقل بها نسبياً عن اشتراطات الدولة، قامت الأخيرة ومن خلال أعلى سلطة تشريعية "مؤتمر الشعب العام" بإصدار قرار بحل الرابطة وإعادة بنائها بما يضمن إعادة ولائها المطلق لمؤسسات الدولة.

وما يمكن استخلاصه من هذه المرحلة بتعدد فصولها وآليات نشاطها وعملها في الحقل الثقافي هو تدجين العمل الثقافي من خلال ما سمي بمؤسسات نقابية (اتحاد الأدباء، ونقابة الفنانين) لخدمة مشروع الدولة الإيدلوجي، وتم تسييس المحتوى الثقافي بشكل عام، ولم يعد تعبيرا عن مطلب مجتمعي، بقدر ما أصبح يخدم أغراض المؤسسات السياسية الرسمية التي تسن القوانين وتقوم بالتمويل وتضع شروط العضوية. وبهذا فالمؤسسات المسماة بالنقابية لا تنطبق عليها أي من المعايير التي تعرفها مؤسسات المجتمع المدني.

 

ملاحظات ختامية: 

1- النقابات والروبط والاتحادات في ليبيا غير تنافسية وإلزامية "هيراركية".

2- إن كل نقابة أو اتحاد أو جمعية تحتكر عملية تمثيل المصالح المختلفة ضمن فئاتها.

3- إن منظمات المجتمع المدني لا تمثل مجالا مستقلا ومنفصلا عن الدولة، بل إنها متضمنة في البنية التنظيمية الرسمية، وتعتبر جزءا من النظام السياسي، ولا يمكنها العمل بشكل مستقل عن الإطار المحدد لها من قبل مؤسسات النظام السياسية.

4- إن الحركة الثقافية والفنية خاضعة للسياسة الرسمية للدولة التي تمنع وجود نشاط ثقافي أو فني بدون الإذن به من قبل مؤسساتها الرسمية الثقافية والأمنية.

5- إن الضعف الذي يعتري الحالة الثقافية بشكل عام في ليبيا يعود في أحد أسبابه إلى طبيعة الهيمنة الرسمية التي همشت وأقصت المثقف والفنان المستقل، وعطلت أدائه بوسائل متعددة (منع النشر في الوسائل الثقافية والإعلامية المتاحة، وسياسة الرقابة الصارمة، ومنع بث أعماله في وسائل الأعلام...الخ).

6- الغلبة الساحقة، بسب عوامل تاريخية وسياسية ،على التركيب الثقافي للمجتمع المدني الليبي هي للدافع الديني الخيري والعلاقات التقليدية الاجتماعية حيث تسود صور الخدمات المرتبطة بعلاقات القرابة الأسرية والقبلية، والمستندة إلى العرف السائد والتقاليد والدين على نحو شعبي بشكل غير رسمى أو في روابط ويعزز ذلك رسميا حيث توجد روابط قبلية حتى للشباب في المدن المختلفة والبعيدة عن مناطق القبائل التي ينتسبون إليها.

7- هناك أزمة في كثير من جوانب الثقافية المدنية الحديثة، مثل تحيّز الناس للمنهج الديني، ولقيم العرف والتقاليد، وحيث أنهم وبسبب السيطرة السياسية لا يرون الجدوى في العمل المدني في المجال العام بشكل مستقل، وبالخضوص الثقافي الذي ربما يتعرض المشاركون فيه إلى المساءلة والعقاب بحكم تماسه مع السياسي.

8- ضعف ثقافة التطوع والالتزام الذاتي بسبب السيطرة السياسية لكل الأنشطة، وغياب المبادرات الخاصة، إلى جانب الافتقار إلى ثقافة بناء المؤسسات وما يرتبط بها من انضباط وروح نضالية.

9- الصعوبة التي تواجهها المؤسسة النقابية الثقافية من حيث التمويل، فهي نقابة غير مهنية. وبسبب القيود المفروضة لا يكون لها من سبيل غير الطلب الدائم من الدولة.

10- الاعتماد علي الريع النفطي والعيش في مجتمع استهلاكي أفرز سيادة نمط معرفي واجتماعي يدور حول التحديث المادي الشكلاني من خلال ثمار الخبرة الخارجية. وينعكس ذلك أيضا علي الدولة ومؤسسات المجتمع حيث تكاد تنعدم الثقافة العلمية الجادة والعميقة في كل المجالات. ومن هنا يفتقر المجتمع للمعارف اللازمة لممارسة الرقابة المدنية علي السياسات العامة في مختلف القطاعات ما عدا بعض المساهمة من القطاع الثقافي الصحفي، كما لا تقوم الجامعات ومراكز البحث العلمي بدور يذكر إلا قليلا في هذا المجال وبالتالي ستكون هناك صعوبات كبيرة في الانتقال إلي مجتمع المعرفة.

11- النظرة السلبية الأولية لمؤسسات المجتمع المدني بسبب المخاوف الناتجة من سيادة نظرة رسمية كانت تشير إلي أن مفهوم المجتمع المدني قد يحمل دلالات استقلالية بحكم توزيع الأدوار مع الدولة مما قد يؤدي إلي إضعاف سلطة الدولة، وبالتالي قد يعني دعوة مغلفة تدعو إلي الحزبية المجرمة قانونيا.

12- لم يكن الإنجاز الاجتماعي للثقافة من ضمن مشروعات التنمية التي استندت إلي نماذج دولية تتحيز للبعد الاقتصادي.

 

احتمالات التطوير

وبوسعنا الآن وبعد عرضنا للعوامل المحددة -أن نقدم قراءاتين مختلفتين لاحتمالات نمو المجتمع المدني وبالخصوص منظماته الثقافية:

الأولي: تري أن المؤسسات النقابية الثقافية ليس لها استقلالية عن السلطة السياسية، وستظل تتولى الإشراف عليها والتدخل في شؤونها وإصدار القوانين والقرارات الإدارية التى تحد من فعالياتها، هذا فضلاً عن ضيق هامش الحرية في التعبير أمام الكتاب والمبدعين في الصحافة والإعلام الموجهين وعـدم السـماح بإصـدار الصحف الحـرة، وبالـتالي فإن المـستقبل لـن يكـون واعــداً بـدون إصلاح ديمقراطى تشريعي جذري يمنح حق وجود الروابط والنقابات والاتحادات والجمعيات والأندية، كتشكيلات وسيطة لها حق الاستقلالية الذاتية وحق المشاركة الحرة، وباعتبارها تمثل ضمانات الحرية بين المواطنين الأفراد وبين الدولة. وبدون هذا الإصلاح الشامل، في إزالة القيود، ورفع وصاية السلطة السياسة الذي قد يمكن المثقفين من توظيف هذا الحق، سيظل الأمر على ما هو عليه وبالتالي فإن جدلية الصراع الاجتماعي والتطور التلقائي والتأثير الدولي هو الذي سيحدث التغير في واقع المجتمع المدني وهذا قد يحتاج إلى زمن طويل نسبيا.

الثانية: وهي المستندة إلى تفاؤل الإرادة، وترى أن الحياة الثقافية لا تخلو من حيوية فاعلة ولو كانت محدودة نسبيا، ولدى المثقفين الليبيين إمكانية كبيرة في التكيّف الخلاق مع الظروف الخصوصية السائدة للحالة الليبية، حيث إنه وبالرغم من القيود المفروضة نجح المثقف الليبي في المبادرة في طرح رؤية مستقلة ومبكرة أيضا للقضايا الأساسية في الإصلاح والتطوير والتنمية الاجتماعية الشاملة، سواء عبر المؤسسات النقابية كرابطة الأدباء والكتاب ونـقابة المحامين، أو في الصحافة المسـتقلة كمجلة عراجين-أوراق في الثقافة الليبية- ومواقع الانترنت. كما أن النشاط المدني تفاعل بقدر معقول من الحيوية مع الأحدات المحلية والإقليمية والعالمية، كما ظهر في المؤتمر الذي نظم حول الغزو الأمريكي للعراق، أو المشاركة ضمن جمعية حقوق الإنسان الرسمية في الحملة ضد التعذيب، أو الإفراج عن سجناء الرأي. وبالتالي سيكون بإمكان مشاركة المثقفين في التحول الديمقراطي والتقدم الاجتماعي استنادا إلى تطور مشترك فكري وثقافي وسياسي في مجمل الرؤى للفئات المختلفة على قاعدة الدين لله والوطن للجميع، وكذلك إلى رفع الأداء التنظيمي لمؤسسات المجتمع المدنى بتخطيها إشكالية الموارد المالية، وضعف الكفاءة الإدارية، وعدم حيوية وعمق القضايا التي تطرحها، بمحاولات مستمرة لتأسيس جمعيات ومنتديات أكثر استقلالا.

ويتوقع كثيرون أن يلعب الانترنت دورا إيجابيا في تعزيز هذه الجوانب "ويمثل التشبيك" أحد أهم الإضافات التي سهلها الانترنت وجعلها إستراتيجية كاملة في ميدان النشاطية. وبوجه عام، كلما تزايدت أهمية المعلومات فى حياة المنظمة زاد الميل لتقنية التشبيك. والواقع أن قدرا هائلا من النشاط المدني صار يتم بواسطة أفراد أو جماعات رفاق صغيرة العدد وخاصة على شبكة الانترنت وفى ميدان الصحافة الإليكترونية ودون حاجة لأية هيكلية جماعية منظمة على الإطلاق".

 

الرؤية الاستشرافية:

- يجدر القول والاعتراف بأن المرجعية النظرية للسلطة في ليبيا، تتضمن شعارات إنسانية وراقية، ولكنها-بكل أسف– لم ترتق لتكون واقعا ملموسا، بل تحولت هذه الشعارات في فترة من الفترات إلى وسيلة قمع وإرغام من قبل واضعي أنفسهم، سدنة يؤولون هذا الفكر كما يريدون ويشتهون. ولسنا في مجال المحاجة ولا المحاكمة، ولكننا أردنا أن ننبه إلى مقولة من المقولات المتعلقة بحق المعرفة وعدم احتكارها، بما يعني إن لكل صاحب معرفة الحق الطبيعي في التعبير عنها كما هو في اكتسابها –اكتساب المعرفة حق طبيعي والتعبير عنها حق طبيعي-. إن من أولويات تفاعل ونشاط وزخم أي حركة ثقافية في مختلف المجالات هو وجود فضاء من الحرية والتعددية والاختلاف والتنوع، ولأن هذا هو الأكسجين الذي تتنفسه الثقافة فإنها لا تتوقف عن الصراع والصدام من أجل تحقق هذه المثل السامية، لكن بالضرورة إن الثقافة ليست كلا واحد فهي تتعدد وتختلف وتتنوع بتعدد وتنوع واختلاف منتجيها وخياراتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بجانب أن الثقافة في جزء رئيسي منها أصبحت صناعة لها آلياتها وهياكلها وسوقها.

- إن من أهم الخطوات نحو توسيع دائرة المشاركة والتفاعل ما بين الحركة الثقافية والفنية وبين محيطها الاجتماعي هو إلغاء كافة القوانين التي تعرقل إنشاء مؤسسات مجتمع مدني متنوعة الاهتمامات والأهداف، والأنشطة الثقافية والفنية مع ضرورة صدور تشريع بديل يراعى ما أقرته المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من ضمانات أساسية للحق في التنظيم وحرية تكوين الجمعيات.

- تشجيع مؤسسات المجتمع المدني الثقافية وإزالة ما يعتورها من عراقيل فى تأسيسها وإدارتها والانتساب إليها والإعلان عن ما تقدمه للمجتمع من خدمات ترتقي بالوعي والذوق العام.

- العمل على فتح قنوات للتواصـل الإقليـمي والدولـي وتـبادل الخـبرات بين مؤسسات المجتمع المدني الثقافية والمؤسسات ذات الطبيعة المناظرة لها.

- على الدولة أن تتعامل مع الجمعيات الرسمية وغير الرسمية على قدم المساواة ودون أي تمييز.

- إعطاء مساحات أكبر للثقافة المدنية عبر وسائل الإعلام، وذلك بالتأكيد على قيم قبول الآخر، وإعلاء قيمة الحوار وتوفير ضمانات الحرية العامة، فضلا عن تعزيز الإعلام النقدي وتوسيع المساحات الإعلامية الخاصة بتغطية نشاط هذه المؤسسات الثقافية بل والسماح لها باقتحام هذا المجال.

- قيام المؤسسات الثـقافـية بتشجيع ثـقافـة التطوع ليكون هو السـمة الممـيزة للعمل المدني الأهلي وتبيان التأثير الإيجابي للعمل المدني على مجمل نواحي الحياة للمواطن.

- البحث عن أنشطة وفعاليات جديدة وطرح القضايا الثقافية ذات الصلة بهموم الوطن والمواطن حتى تستطيع مؤسسات المجتمع المدني الثقافية من خلالها أن يتسع نفوذها وتكون مؤثرة.

- التأكيد على اعتماد مـبدأ المواطـنة باعتـبار أنـه القاسـم المـشترك لجمـيع أطياف المجـتمع ولا يعلوه معيار أو مبدأ آخر.

- الأخذ بمبدأ مشروعية الاختلاف الفكري.

- الانتباه إلى ضرورة أن يكون بند دراسة المناهج المقررة في جميع المراحل التعليمية برؤية نقدية ضمن الأجندة الرئيسية للمؤسسات الثقافية لأثرها العميق على ثقافة جيل المستقبل ولما للتعليم إلى جانب الثقافة من دور مهم في التشجيع على الانخراط في العمل الاجتماعي عبر مؤسساته التطوعية والاقتناع بقدرته على إحداث التغير باتجاه عالم أفضل.

- تشجيع إنشاء مؤسسـات المجـتمع التمدني المـنتجة للثـقافة والتي تتـكون من جمعيات ذات بنى صـغيرة، مثل التجـمعات المتدرجة في احتـضـان الفلكـلـور والتــراث، والــعادات،والغــناء الشعبـي، والسرديات الشفاهية، والصناعات الشعبية، ونوادي السينما الصغيرة علي صعيد المدن والبلدان الصغيرة (التجربة التونسية مثالاً).

- ضرورة الربط بين مختلف قطاعات وأنماط ومستويات النشاط الثقافي من خلال التوسع في بناء الاتحادات والشبكات الطوعية من أجل شد النشاط المدني ذي الطابع المحلى للتعريف على الفضاء العام.

25 نوفمبر 2010- مجلة عراجين العدد الثامن


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo