|
ما قل ودل: في هذا اليوم... في ليبيا
المستشار شفيق إمام: في مثل هذه الأيام في 5 أبريل سنة 1954، أصدرت المحكمة الدستورية في ليبيا، التي كانت أول دولة عربية، تأخذ بنظام المحاكم الدستورية، أول أحكامها القاضي ببطلان الأمر الملكي الصادر بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس، وكانت المحكمة مشكلة برئاسة المستشار المصري علي علي منصور،
وقد أدى صدور هذا الحكم إلى أزمة سياسية في ليبيا، استقالت على إثرها الحكومة، وعدل في أعقابها قانون المحكمة الدستورية الليبية ليقتصر رئاستها على المواطنين الليبيين.
وكان رئيس المجلس التشريعي لولاية طرابلس قد طعن أمام المحكمة بإلغاء الأمر الملكي الصادر في 19 يناير سنة 1954 بحل المجلس التشريعي للولاية، لأنه جاء خلوا من توقيع رئيس الوزراء، وعلى أساس أن ملك ليبيا يمارس سلطاته بواسطة وزرائه.
والحدث في ذاته يجسد ممارسة لمبدأ دستوري وتجربة ديمقراطية في بلد عربي، منذ أكثر من نصف قرن، سبقتها تجربة ديمقراطية أخرى في مصر، طبق فيها هذا المبدأ بصرامة، قبل ثلاثين عاما من صدور الحكم الليبي، في مستهل حياة مصر الدستورية وفي أول انتخابات لمجلس الشيوخ المصري في يوم 23 فبراير سنة 1924، وكان دستور 1923 ينص على: أن يعين خُمس أعضاء المجلس بمرسوم ملكي، وأراد الملك أن ينفرد بهذا الاختصاص، وأصرت الحكومة على وجوب ممارسة الملك لهذه السلطة، من خلال الحكومة استنادا إلى النصوص الدستورية الصريحة في أن الوزارة هي المهيمنة على شؤون الدولة، وأن الملك يباشر سلطته بواسطة وزرائه، وتمسك كل برأيه، وقبل الملك فؤاد تحكيم البارون 'فان دي بوش'، النائب العام أمام المحاكم المختلطة حينئذ، الذي أصدر فتواه بأن التعيين من حق الوزارة، وتم لسعد زغلول رئيس الحكومة ما أراد من انتزاع حقوق الحكومة الدستورية باعتبار أن ذلك كان كسبا كبيرا للشعب، الذي يقف وراء هذه الحكومة، التي جاءت من خلال انتخابات برلمانية، فاز فيها حزب الوفد الذي كان يترأسه سعد زغلول.
كما كانت هناك سابقة أخرى لها قيمتها، لأن المرسوم الذي أصدره الملك بتعيين وكيل للديوان الملكي بغير علم الوزارة، حيث اعتقد الملك فؤاد أن الديوان الملكي هو شأن خاص به، فعين في هذه الوظيفة حسن باشا نشأت، واعتبر سعد زغلول ذلك افتئاتا على حق الحكومة فقدم استقالته، وبُذلت المساعي لرأب الصدع في العلاقة بين السراي وحزب الوفد بإقناع سعد زغلول بالعدول عن الاستقالة، إلا أنه اشترط أن تقبل السراي ألا ينفرد الملك بتعيين موظفي السراي أو منح الرتب والنياشين وسلم الملك فؤاد بهذه المطالب الدستورية لممثل الأغلبية البرلمانية.
إن الأمور، وصلت في تطبيق هذا المبدأ، وهو ممارسة الملك سلطاته بواسطة وزرائه، إلى أبعد حد، حين اعتزم الملك فؤاد القيام برحلة إلى أوروبا فأصرت الحكومة برئاسة عبدالخالق ثروت على أن يصطحب الملك وزير خارجيته وأيدها في ذلك سعد زغلول رئيس مجلس النواب، ورفض الملك، ولما عرض على البرلمان إقرار الاعتماد المتضمن نفقات الرحلة، رفض أن يوافق عليه، الأمر الذي اضطر معه الملك إلى الموافقة على اصطحاب وزير خارجيته، والواقع أن هذه السابقة تكتسب أهمية خاصة في أن الملك لم يكن يباشر اختصاصا دستوريا، بل كان يمارس حياته الخاصة، إلا أن الحكومة رأت أيضا أن هذه الممارسة الخاصة هي جزء من حياته العامة.
إلا أن هذه السوابق، لم يكن لها حظ في اضطراد التطبيق لضعف الحكومات التالية، واعتمادها المطلق على السراي وفقدانها للتأييد الشعبي، فقد صدر في أكتوبر عام 1937 الأمر الملكي بتعيين علي ماهر رئيساً للديوان الملكي دون أن يؤخذ رأي الوزارة فيه، وكان الملك فاروق قد تولى سلطته الدستورية يوم 29 يوليو من العام نفسه ببلوغه الثامنة عشرة من عمره، وقد سكتت الحكومة على الأمر الملكي المذكور ولم تعترض عليه مثلما فعل سعد زغلول الذي أرسى قاعدة دستورية كان يمكن لخلفائه أن يتمسكوا بها.
التجارب الديمقراطية في الوطن العربي، أيام الزمن الجميل، كانت في حاجة إلى المزيد من الممارسات الديمقراطية والبرلمانية ليصلب عودها، وترفرف بظلالها على أرجاء أخرى من الوطن العربي، تنهل منها وتضيف إليها.
_____________________________
موقع صحيفة "الجريدة" الكويتية ت عدد 582 ـ 8 أبريل 2009 |