|
حاضرة ليبيا التي توفر جو الاستقرار الحضاري
طرابلسي إبن المدينة(*): أختي العزيزة لقد لامست موضوع في غاية الأهمية ويجب طرحه بمزيد من الشفافية ، ولمقاربة وتحليل واضح لهذا الموضوع وبكل تجرد من إنتماءات ضيقة إلى الانتماء للوطن، يجب أن ننطلق في النقاش من الحقائق التالية التي يعرفها ويشعر بها كل ليبي كبر أو صغر ابن مدينة أو ابن ريف أو ابن بادية ، بالمناسبة معنى أهل المدر أي الحضر الذين يبنون مساكنهم بالطين في قديم الزمان ، أما أهل الوبر فهم البدو الذين ينسجون خيامهم بوبر وشعر الحيوانات والتعريف للعلامة أبن خلدون.
ومن خلال تحليل تاريخ المجتمع الليبي نستخلص الحقائق التالية.
2ـ النسبة الغالبة من الشعب الليبي تنتمي إلى قبائل ولكن هذا لاينفي أن نسبة كبيرة من السكان حضر وخصوصا في المدن الرئيسية وكثير من السكان ينتمون إلى عائلات وليس إلى قبيلة ، ولكن هناك من أبناء القبائل الذين ينزعون صفة المواطنة عن هؤلاء السكان الحضر وهذه أحد أسباب التوترات في المجتمع الليبي .
2ـ أنه خلال تاريخ ليبيا الطويل ورغم التأثير القبلي في إتخاد القرار السياسي والإجتماعي إلا أن هذه القبائل ليس من القوة بحيث تفرض ماتريد عادة وطالما كان الحاكم مهما تكون صفته وعلى مدى التاريخ الليبي هو الذي يقوم بعمل التوازن اللازم بين نفوذ هذه القبائل لصالح النظام السياسي وتثبيت الحكم المركزي، فيجب على البعض أن لايغتر بقوته ولا تأخده العزة بالإثم ويصدق أنه أقوى من الأخرين فليقرأ تاريخ بلاده .
3ـ أن مدينة طرابلس ومنذ 3000سنة كانت ولازالت هي حاضرة ليبيا وهي التي توفر جو الاستقرار الحضاري اللازم لقيام مؤسسات الدولة بدورها بعيدا عن أي نزعات قبلية ضيقة وهذا الأمر لايتوفر في أي بقعة أخرى في ليبيا ،فرغم اختيار العهد الملكي للبيضاء لتكون عاصمة واختيار عهد الثورة لسرت لتكون عاصمة سياسة إلا أن ذلك لم يتم والسبب يرجع إلى المناخ القبلي الذي تعيشه هذه المناطق .
4ـ هناك الكثير من أبناء القبائل الذين يجحدون فضل طرابلس المدينة ويعاملونها كأنها قبيلة منافسة لقبيلتهم مثل ما تعلموا في حياة الصراع القبلي التي ترجع إلى ماقبل القرون الوسطى، والغريب أن هؤلاء لاينظرون إلى مدينة طرابلس كعاصمة لبلدهم، مثلما ينظر المصري على سبيل المثال للقاهرة كعاصمة لمصر بل يسميها أم الدنيا....!! ، وهنا يتجلى فقد الحس والإنتماء الوطني عند البعض فيفضل الانتماء القبلي على الإنتماء الوطني وهذا مالم نستطيع فهمه نحن أبناء المدن الذي ليس لنا قبيلة بل نحن نتمسك بالوطن والوطنية كانتماء لشعبنا .
5ـ حاليا يوجد تمييز واضح في دوائر الدولة وإعطاء الأفضلية لأبناء قبائل معينة لشغل المناصب العامة ، وهناك فئات من الشعب تستبعد بشكل خفي من المسئولية ولا تكون مفضلة ومنهم على سبيل المثال السكان الحضر الذين يكون إنتمائهم الأصلي لأكبر مدينتين في ليبيا وهما أبناء طرابلس المدينة وأبناء بنغازي ،ونحن لا نتكلم عن استثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة .
6ـ حتى عندما نتكلم عن التراث ونستخدم وسائل أعلام من المفترض أن تعبر عن تراث كل الليبيين نشاهد تمجيد نوع واحد من التراث الليبي وهو التراث البدوي في الخيام ومع احترامنا له كأحد مكونات النسيج الاجتماعي للشعب الليبي ولكن هذا يجب أن لايكون على حساب الأخريين وذلك بالعمل على الطمس الممنهج للتراث الحضاري للمدن والأرياف والجبل (على سبيل المثال ومنذ سنوات طويلة نتسأل هل تغيير برنامج رفاقة عمر المرئي في محتواه ...؟ هذا البرنامج الذي يصر على تقديم نوع واحد من التراث، والذي يحاول أن يقول أنه ليس هناك تراث غير التراث البدوي ...إذا أين التراث الليبي في المدن وفي الجبل وفي الواحات .
7ـ إن استعمال وتفضيل قبائل بعينها وتمييزها عن باقي أفراد الشعب ليس بظاهرة جديدة على التاريخ السياسي العربي ولكننا نقول أن ذلك ليس في صالح أبناء هذه القبائل نفسها لأن من شأن ذلك أثارت الحقد والكراهية والحسد لذى بقية أفراد الشعب .
وأخيرا يجب أن نرجع جميعا إلى كلام الله وسنة رسوله لنزع فتيل أي توترات بدأت تنموا وتظهر في مجتمعنا الليبي الذي كان مشهورا بالتسامح حيث يقول الله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وفي الحديث الشريف (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى ) ، فليكن النظام القبلي الذي ورثناه من التاريخ أداة بناء للمجتمع ولحل مشاكله الاجتماعية وتكاثف أبنائه ولا نستعمله كمعول هدم للاستقرار الاجتماعي في ليبيا.
إن السياسة لها حساباتها ولكن يجب أن يعرف جميع الليبيين وعلى رأسهم أبناء القبائل المفضلة والمميزة حاليا أنهم لبعضهم ومن بعضهم ولا يجب أن تبغي طائفة أو قبيلة عن الأخرى فإذا بغت فلتعلم أن الشعب باق وحسابات السياسة الآنية الضيقة إلى زوال.
(*) تعليق منشور بعنوان "أهل المدر وأهل الوبر" حول مقال الدكتورة فايزة الباشا بعنوان "دولة القانون، أم قانون القبيلة" بتاريخ 28 يوليو 2009
المصدر: موقع القانون الليبي للكاتبة |