|
تدجين تقرير 'التنمية الإنسانية العربية'
د. نادر فرجاني : مضى وقت، خلال الفترة 2002-2007، والتي شهدت نشر الإصدارات الأربعة الأولى من التقرير، كان العالم كله، في الخارج قبل الوطن العربي، يترقب صدور تقرير 'التنمية الإنسانية العربية'. فقد كانت العواصم الغربية والمؤسسات الدولية تسعى لاستضافة عرض محتوى التقريرحتى قبل صدوره رسميا في واحدة من العواصم العربية، التي كانت على الأغلب لا ترحب باستضافته.
وكان مضمون التقرير يتصدر نشرات الأخبار في كبريات وسائل الإعلام العربية والأجنبية يوم صدوره وتتسابق وسائل الإعلام على مناقشة الشخصيات الرئيسية في فريق إعداد التقرير. وصكت من عبارات التقرير، خاصة بالعربية البليغة، مقولات مأثورة عن أحوال المنطقة في الكتابات العربية والأجنبية. بل وجد محتوى التقرير طريقا لخطابات قادة العالم والمنظمات الدولية، بحق أو عن غيرحق. ويمكن القول، دونما إدعاء زائف، أن تقرير التنمية الإنسانية العربية قد نجح في خطف الأضواء، من سابقه العتيد الذي يعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على صعيد العالم سنويا منذ العام 1990. لكن شيئا من ذلك لم يحدث عند صدور التقرير الخامس في السلسلة، أو الأول في حلقة جديدة، من تقرير التنمية الإنسانية العربية، متأخرا في 21 تموز/يوليو 2009. ولولا الضجة التي تسبب فيها إعلان'الخبير الرئيسي' للتقرير الأخير تبرؤه من الصياغة النهائية للتقرير نتيجة لعبث موظفي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ببعض الأجزاء الحساسة من التقرير، لمر إشهار هذا التقرير في بيروت كمولود ميت، فطيسا. وحتى لا يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذاالمقال تسوية لحسابات شخصية، نورد فيما يلي بعض أوجه النقص في التقرير الحالي، بالمقارنة بتاريخ التقارير الأربعة الأولى، ونترك الحكم للقارئ. لقد قضى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بتركيب مكتب الدول العربية الحالي، وتشكيل فريق تقرير 2009، على القيمة الأساس التي حققت لتقرير التنمية الإنسانية العربية تلك المكانة الفريدة بين جميع التقارير التي صدرت عن المنطقة العربية، خاصة في مجال التنمية. فقد تميزت إصدارات الحلقة الأولى من التقرير بمزيج من الجسارة والإبداع والرصانة، وفوق كل شيئ، بروح عربية وطنية أصيلة، واحترام بالغ للغة العربية، لم تكن تجد لها سكنا في تقارير المنظمات الدولية بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ذاته.
ولنبدأ بالإبداع. فقد اختار تقرير 2009 موضوعا تطرق إليه تقرير التنمية البشرية العالمي منذ 14 عاما بينما الساحة العربية تعج بموضوعات حارقة كان يمكن أن تشكل إضافات مهمة للحوار الفكري حول مسيرة التنمية الإنسانية في الوطن العربي، خاصة في ضوء الإصدارات الأربعة الأولى من تقرير التنمية الإنسانية العربية. وأذكر من هذه الموضاعات اثنين. الأول هو حال الشبيبة، وقد تنبه بعض وسائل الإعلام إلى محورية معاناة الشباب في الأزمة الممسكة بخناق الوطن العربي وفق مضمون التقرير الحالي. والموضوع الثاني الجدير بالنقاش الجاد في هذه الحقبة من تاريخ الوطن العربي هو حركات الاحتجاج الشعبي في مواجهة نظم الحكم التسلطي، أصل البلاء جميعا، في البلدان العربية، والتي قاربت، في أحيان، وبسبب انسداد أفق العمل السياسي السلمي والفعال، حد الاقتتال الأهلي في بلدان عربية مثل الجزائر واليمن والسعودية. وليس هذا تقليلا من أهمة مسألة الأمن الإنساني التي عالجها تقرير 2009، بقدر ما هو تفضيل للتواصل مع الشعب العربي من خلال مناقشة أمور ذات أهمية حالة أو محورية في مسيرة التنمية الإنسانية في البلدان العربية. وعند اختيار أمن الإنسان، فقد كان في مقدور فريق التقرير الاستفادة من البنية الفكرية التي أسستها الحلقة الأولى من تقرير التنمية الإنسانية العربية، والتي استقرت على مركزية الحرية، للوطن والمواطن، في التنمية الإنسانية، والبناء عليها، لتقديم تجديد فكري في معالجة موضوعة الأمن الإنساني في منظور تقرير التنمية الإنسانية العربية. ولكن الفريق إما تكاسل عن مهمة التجديد الفكري، أو كان يتعمد القطيعة مع التقارير الأربعة الأولى، أوينفذ أوامر بذلك. فماذا كانت النتيجة؟ لم يأت تقرير 2009 بقضية مهمة واحدة لم ترد في التقارير الأربعة الأولى بصورة أو أخرى.
فقد كان مقلدا، وليس مجددا، أو مبدعا، بأي معيار. وعن الرصانة وحب اللغة العربية، انظر في المقتطف التالي كمثال. 'على الرغم من المستويات المعتدلة للامساواة في الدخل فإن الإقصاء الاجتماعي قد زاد'.
هذه، على الأغلب، ترجمة ركيكة لعبارة بالإنكليزية أفلتت من مصحح اللغة العربية. والأهم أن العبارة خاطئة. فالمراقب العادي، ناهيك عن الباحث المدقق، لا بد يشهد على تفاقم سوء توزيع الدخل والثروة في البلدان العربية بسبب تبني سياسات الرأسمالية المنفلتة في العقود الثلاثة الأخيرة، وهذا هو السبب المنطقي لتزايد الاقصاء الاجتماعي الذي يبدو في العبارة المقتطفة كظاهرة لا مبرر لها. والأغلب أن الجزء الأول من هذه العبارة ترداد لمقولات خاطئة وقديمة نشأت في بعض المؤسسات الدولية، كالبنك والصندوق الدوليين، لدعم سياسات الرأسمالية المنفلتة والتي تراجع المجتمع العلمي، وحتى منشئوها، عنها، خاصة بعد اجتياح الأزمة الرأسمالية الكبري للعالم المعاصر. ولكن يبدو أن فريق التقرير الحالي، خاصة مستشاره الرئيس، الذي استعاده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من المعاش- على الرغم من افتقاده لأي رصيد فكري أو علمي، فلم يكن إلا كاتب خطب (!)، ناهيك عن أي انتماء للعرب او العروبة. فالفريق والمستشار لم يتابع، فوقع في لبس حاول عبثا الخروج منه بالإشارة غير المنطقية، في سياق العبارة، إلى زيادة 'الإقصاء الاجتماعي'. وبلغت الاستهانة باللغة العربية حد أن ظهرت أسماء بعض فريق التقرير من العرب خاطئة، مترجمة من الإنكليزية من دون مراجعة، كما يبدو. انظر في 'بسمة قدمني' و 'وليد خضوري'، وكلاهما علم! ولكن النقيصة الأهم في تقرير 2009 تتمثل في التنازل عن جدول أعمال النفس الوطني العربي الذي تخلل الحلقة الأولى من تقرير التنمية الإنسانية العربية. ويتجلى هذا التخلي، في تدهور معالجة استباحة الأمة العربية من قوى الهيمنة العالمية إلى مستوى معالجة المؤسسات الدولية التي تدعي الحياد، وهو في الواقع انحياز لقوى الهيمنة الدولية. فقضية النزاع الأهم في تقرير 2009 هي قضية 'دارفور' التي تتخلل فصول التقرير، أحيانا بلا مناسبة، حتى يتضاءل بجوارها تهديد الاحتلال الأجنبي في فلسطين والعراق للأمن الإنساني العربي.
وحتى عندما تعرض التقرير للاحتلال الأجنبي، ركز على أنه 'يمهد لظهور جماعات متطرفة قد تلجأ لا ستخدام العنف'. أو ليس هذا تلميحا للخلط بين المقاومة المشروعة والإرهاب؟
كما أرجع التقرير سبب 'الحملة العسكرية الضخمة على غزة' و'التي قوبلت باستنكار عالمي لإفراطها في استخدام القوة بصورة غير متوازنة'(!) إلى 'رد إسرائيل على صواريخ أطلقتها حماس'. فحماس، كما تدعي إسرائيل، هي من بدأ بالعدوان. ولا كلمة عن كون الاحتلال، وممارساته، أصل العدوان، أو عن التوافق العالمي الكاسح على ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في 'محرقة غزة'.
ونتحول الآن، بإيجاز خاطف، لمناقشة كيف حقق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا التحول الضخم والمضر بمسيرة التنمية الإنسانية في الوطن العربي؟
لعل السمة الأبرز، وإن لم تكن بالضرورة الأهم، في هذا الانقلاب، كانت الاستبعاد القطعي لكاتب هذه السطور، وهو المؤلف الرئيسي المؤسس لتقرير التنمية الإنسانية العربية، في أوج مجد التقرير، والذي ساهم المساهمة الأكبر في إرساء جميع التقاليد الرئيسية للبنية الفكرية للتقرير ولأسلوب إعداده، من جميع مراحل إعداد التقرير الأخير وحتى احتفاليات إشهاره. على حين أن فضيلة تراكم المعرفة والخبرة، وضمان اتصال مسيرة التقرير وتقدمها، كانت تقتضي محاولة الاستفادة من المؤلف الرئيسي المؤسس، والذي ارتبط اسم التقرير ومحتواه، ونجاحه، باسمه ودوره الفكري حتى من قبل العمل على التقرير، على الرغم من إدعاء كثيرين، خاصة من موظفي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بأفضال متوهمة على التقرير. وللنجاح مائة أب، كلهم ماعدا واحد في هذه الحالة، أدعياء. إلا أنه من الواجب الإشارة إلى أنه للحق، على قدر علمي به، لم يكن ليقبل بالتعاون مع الهيئة الراهنة في مكتب الدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خاصة في دور هامشي.
أما السبب المباشر فيتمثل في اختيار فريق لتقرير 2009، بمختلف مكوناته، يرغب في، أو يمكن أن يقبل، بهذه القطيعة مع تراث تقرير التنمية الإنسانية العربية، ونجاح مكتب الدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إدارة الفريق وعملية إعداد هذا التقرير لنيل هذه الغاية، وإعادة التقرير إلى حظيرة التقارير الدولية الداجنة- التي كان تقرير التنمية الإنسانية العربية قد تمرد عليها في الحلقة الأولى وانتزع قدرا لا بأس به من الحرية والاستقلال- ولو بالخداع الذي أثار حفيظة 'الخبير الرئيسي'، وما كان له أن يتوقع غير ذلك.
فلم يصبح الموظفون في مكتب الدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قادرين على التعايش مع التراث التحرري للحلقة الأولى من تقرير التنمية الإنسانية العربية، مع الاحتفاظ بوظائفهم وميزاتهم، وهو همهم الأول والأخير، على الرغم النجاح المدوي الذي حققته تلك الحلقة الأولى. ولكن انقلب السحر على الساحر، وتمخض الجبل عن دجاجة.
وأنى لدجاجة أن تنازع أسدا!
(' المؤلف الرئيسي المؤسس لتقرير التنمية الإنسانية العربية)
القدس العربي ـ 9 أغسطس 2009
|