|
لا حــــلم للفـــقراء
أم العز على الفارسي: ليلتان انفطر فيهما قلب السماء، فهطل المطر مواسيا، وافترشت الطرق حواشي الأرصفة، وغابت معالمها، واصطكت مفاصل السيارات مرتطمة بما لا يرى تحت سيول الماء وانجراف الطين، فضاعت معالم اعتدنا السير عليها حينما كانت مرئية خوفا من مخاطر العبور فوقها، أنقطعت السبل أمام الكثيرين وصعب عليهم الوصول إلى أبواب منازلهم، وعجز البعض عن الخروج منها والتواصل مع أحبتهم في أفراحهم وأتراحهم،
كل ذلك يحدث والكبار يحاولون ترقيع خيباتنا بخيباتهم، ويمنون علينا حتى بغفوتنا عما يفعلون بنا، فلا يغيثون ملهوفا منا ولا يتقون الله فينا، فما الذي يجعلنا نتمسك بهم ولا نحاول حتى إتاحة الفرص لسواهم، على الأقل ـ إن كانوا يستحقون مكانتهم ـ لنعمل مثل أجدادنا ونجرب غيرهم لنعرف خيرهم، لماذا نستسمحهم ولا نجعل من يمن علينا ويزعل من مرارتنا المفقوعة، يغادرنا بسلام.
فضيع جهل ما يجري وأفضع منه أن ندري ليلتان فقط غمرت مياهما شوارعنا وأعاقت حياتنا، فالبعض من مدرجات جامعاتنا، من أعلاها ومن أسفلها تعذر على الطلاب تلقي دروسهم فيها، وحدث الأمر في مدارس عديدة منها ما تمت صيانته حديثا، عدا عن خسائر التجار في الأسواق التي فرحوا بعودة الحياة في أوصالها المتهرئة التي ينطبق عليها المثل القائل( يا أمزوق ..)، حافلات بركابها من الطلاب والموظفين والعمال تعطلت وسط فيض المياه، وسيارات خاصة عجز السائقون عن إعادة تشغيلها بعد أن بردت أوصالها فاحتموا بها صابرين، ليلتان فقط كانتا كافيتين، لانقطاع تيار الكهرباء عن بيوتنا واحترقت بفعله أجهزتنا التي لا نملك عنها بديلا، فساهمت في توسيع شرخ القلب والعين، وكانتاَ كافيتين أيضا لتبيان حجم الفاقد في سياساتنا وفي قراراتنا، و لتبيان حجم الإفساد لأموالنا وأحوالنا، فهل وضعت الأصابع على الجرح؟ سؤال بريء، أتوجه به إلى كل المسؤولين هل نحن بمأمن من كارثة بيئية، طارئة كما تتنبأ مؤشرات الإفساد المناخي والبيئي، أم أن شيئاً كهذا سنقف أمامه عاجزين ونستسلم لما سيحل بنا؟ خاصة إذا وضعنا بحسباننا أن شبكات المياه والصرف الصحي الموجودة لم تستطع احتمال ليلتين من مطر، علما بأن ما نعنيه هو مدينتي بنغازي وطرابلس أكبر مدن البلاد فما الذي حل بالدواخل؟
وهل زعل الكبار ( وكربهم للعز) منا أم علينا؟ هل اندهشوا واستغربوا، أم تأسفوا وندموا على ما حل بنا من خوف من شتاء قادم لا يرحم ولا ينتظر، وهل وضعوا في حسبانهم الإجابة عن السؤال ما العمل؟ هل فكروا وخططوا ونظموا جهودهم وجهودنا من أجل البلاد والعباد أم أنهم في حل من عهودهم وعلينا أن ( نذهب إلى الجحيم) أو نغرق في ماء المطر، أو نشرب من ماء البحر؟.
أما آن لنا أن نستيقظ لينتهي كابوس الفساد وأخطبوط الفوضى وانعدام المسؤولية وما نحن فيه من انهيار لشروط الأمان الإنساني اليومي المكفول بالقوانين والوثائق التي أقر العمل بها في هذه البلاد؟ ألا يحق لنا ونحن شهود على الدعوة لإعادة هيكلة الاقتصاد والإدارة وتوزيع الثروة، أن نسرع بالعمل وأن نستعين بخبرة من سبقنا من دول نهضت من كبواتها ووثبت إلى مصاف الدول المتقدمة، لإحداث تقدم وبدلا من أن نقول كفانا عشوائية، ومحاباة وإخفاء لعين الشمس بغربال أعمى، ألا يحق لنا أن نحلم بشوارع نظيفة مسيجة ومشجرة، وطرق فسيحة مرصوفة وآمنة، وبمنازل تحيط بها الحدائق وتحفها الشجيرات المزهرة، ألا يحق لنا أن نحلم بمدارس وجامعات ونوادي رياضية ومستشفيات، مجهزة بأحدث التجهيزات العلمية والعملية؟ ألا يحق لمرضانا أن يتمتعوا برعاية أحبتهم بدلا من موتهم غرباء في رحلة بحثهم عن الشفاء؟
ألا يحق لنا أن نجمع شتات أحلامنا التي بعثرها الخوف من تأخر غد لم يأت بعد؟ أم أنه لا حلم للصغار حينما تكون أحلام الكبار صغار؟
1 نوفمبر 2009 |