English Articles
 

الرئيسة arrow سياسية arrow قضايا سياسية arrow سويسرا تدين.. سويسرا تُبرِّئ.. والحَكَم المال
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا سياسية
Written by محمد فتحي يونس   
Nov 24, 2025 at 04:57 AM

سويسرا تدين.. سويسرا تُبرِّئ.. والحَكَم المال

محمد فتحي يونس: منذ قرون عديدة، وبالتحديد في العام 1515 أعلنت سويسرا سياسة الحياد، عقب هزيمتها من فرنسا على أرض إيطاليا في معركة "مارينيانو". وقضت تلك السياسة بعدم دخول الدولة في أية تحالفات دولية، وإلغاء جيشها المسلح، وعدم السماح لأية ثورات أجنبية بالعبور في أراضيها.

   

وطوال تلك السنوات جنت سويسرا نتاج سياستها. ارتفع معدل الأعمار، ومستوى المعيشة، وكانت المقاطعات السويسرية هي الوحيدة تقريبا خلال الحربين العالميتين التي نجت من الجحيم، وأصبحت مستودعا آمنا للأموال ببنوكها الزاخرة بكل أوراق البنكنوت. تؤول أغلبيتها إلى الدولة بعد وفاة العشرات من أصحاب الحسابات السرية، دون أن يعرف أحد بخبر حساباتهم السويسرية.

طبقت سويسرا ديمقراطية شعبية حقيقية، يستطيع السويسريون من خلالها إلغاء أي قرار للحكومة والبرلمان بمجرد جمع 50 ألف توقيع برفض القرار، تمتعت بصناعةٍ هي مضرب الأمثال للساعات والشيكولاتة، وبطبيعة ساحرة، وأمان تام.

 

الحيثيات السابقة جعلت من سويسرا مقرا لأنصار السلام العالمي، فكانت مثلا مضيفة عصبة الأمم في القرن الماضي، ولاتزال تضم أجهزة عديدة للأمم المتحدة. كما كانت مقصدا للثائرين والمعارضين والفنانين، والهاربين بأموالهم من أجل حياة رغدة. من هناك استعد لينين لإشعال ثورته البلشفية في روسيا، كما يستقر المبدعون ممن أراحوا أنفسهم من كدر الشرق ومشاكله، فيستقر إبراهيم الكوني مثلا في قصر على ربوة، ليبدع رواياته عن الصحراء.

 

ضمت فنانين ورجال صناعة ومصرفيين، لكنها بمرور الوقت أصبحت موطنا مختارا لرفاهية وصخب النخبة المالية العالمية.. فهم هناك يتمتعون بأمان تام يخفي تجاوزاتهم و"انحرافاتهم". يبنون القصور دون أن يسألهم أحد عن مصدرها، وتمنحهم أموالُهم كثيرا من الدفء وسط الصقيع، وفي المقابل تتعامل معهم سويسرا بمنطق المرابي الذي يغفل عن جرائمهم مادامت لن تؤثر في رصيدها المالي، ومادامت قد ارتُكبت في حق من لا يطالب بحقه، وإنْ طلبه لن يستطيع الحصول عليه، لأنه سيصطدم بقوة النفوذ، وبدول "تشخصن" ثرواتها، ولا فرق فيها بين المال العام والخاص.

هذا العام كانت بحيرات سويسرا الهادئة على موعد مع صخب عربي، لم تعتده من قبل، ضرب هنيبعل بن القذافي، خدمه، مغربي وتونسية. فألقت الشرطة السويسرية القبض عليه، كأي متورط في جريمة، وأفرجت عنه بضمان مالي قدره نصف مليون دولار.

 

كان الرد الليبي عاصفا، قطعت ليبيا النفط عن سويسرا. وهي تمدها بنصف احتياجاتها منه، وقبضت على اثنين من رعاياها في ليبيا وطلبت 800 ألف دولار غرامة بتهمة انتهاك قوانين الهجرة، وألغت الاستثمارات السويسرية هناك. تعلق الأمر بالخزائن والأموال، فتحركت عقلية المرابي مرة أخرى لدى السويسريين، فاعتذر الرئيس السويسري، وأعطى القانون إجازة مفتوحة..

 

عقب أزمة هنيبعل القادم اسمه من أساطير فينيقيا، من يثير ذكره أجواء ملكية تعيد إلى الأذهان ألف ليلة وليلة، كانت البحيرات على موعد مع انتهاك آخر ارتكبه الشيخ فلاح بن زايد الأخ غير الشقيق لحاكم الإمارات، اتهمه مواطن إيطالي يحمل الجنسيتين الأمريكية والإيطالية، بضربه في حانة فندق عام 2003 لأنه رفض هديته المتمثلة في زجاجة شمبانيا، أدان القضاء السويسري الأمير الإماراتي ثم استأنف الحكم فنال البراءة، لأن المدعي أخطأ في الإجراءات، برغم إقرارها بارتكاب الأمير للواقعة، فلجأ الإيطالي إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية للبحث عن حقه.

 

الفرق بين الأزمتين أن المجني عليه في الأولى عربي بلا حقوق، وخادم أمام سطوة دولة، بينما الثاني أميركي تحميه سطوة أكبر قوة في العالم، إضافة الى بلده الأصلي بثقله الأوروبي.. الفرق أن الأول ضاع حقه والثاني سيأخذ حقه ولو بعد حين.

 

في الأولى تحركت سويسرا بمنطق المرابي الخائف على نقصان ماله.. وفي الثانية تحركت بالمنطق نفسه.. لكنها تدرك أن "أورسي" الأميركي الإيطالي سيأخذ حقه لكن بعيدا عن أراضيها.. في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وعندئذ ستكون صورتها بريئة أمام الأمير.

 

ما يقرب من خمسة قرون عاشتها سويسرا في حياد سياسي حقيقي.. وفي ظل تقديس للقانون.. لكنها تفقد حيادها أمام سطوة المال، ودنس القانون لو الضحية عربي ضعيف.

 

موقع السياسي ـ 22 نوفمبر 2009

  

 

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.