|
عندما قالوا إن المنطقة بعيدة عن الأزمة المالية العالمية
صلاح الجورشي: "لكن ما يهم المجتمع المدني هو تحديد الآثار السلبية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وهنا تجدر الملاحظة أن الدول العربية لم تتأثر بنفس الطريقة. إذ لكل دولة ظروفها الخاصة. فدول المغرب العربي على سبيل المثال تأثرت سلباً من خلال انخفاض مستوى مبادلاتها مع شركائها الأوروبيين. والجزائر وحدها تراجع دخلها خلال سداسية سنة 2008 إلى حدود النصف."
***
من النادر أن تتداعى منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية للنظر في تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على العالم العربي، مقابل عدد الندوات التي نظمتها الحكومات والمؤسسات الرسمية أو القطاع الخاص. لهذا كان من المهم أن تبادر الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية بدعوة عدد من النشطاء والخبرات العربية والأوروبية إلى بيروت أيام 16 و17 نوفمبر 2009 لحضور فعاليات «المنتدى الإقليمي الأوروبي- المتوسطي حول انعكاسات الأزمة العالمية على الشراكة في المنطقة الأورومتوسطية»،
وفي هذا الاجتماع تمت مناقشة طبيعة هذه الأزمة، والآثار التي ترتبت عليها في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسكان العالم العربي. فالأضرار الأساسية التي تربت على تلك الأزمة حتى الآن أصابت الفئات الأكثر ضعفا وهشاشة التي يفترض أن تعبر عنها منظمات المجتمع المدني، دون التقليل من أهمية الخسائر التي لحقت بمؤسسات القطاع العام وبالميزانيات الحكومية وبالشركات الاستثمارية التابعة للقطاع الخاص. وهذا في حد ذاته تطور نوعي يحدث داخل جزء من منظمات المجتمع المدني الجديدة التي انشغلت طيلة المرحلة الماضية بالدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية نظراً لتدني الحريات الأساسية في العالم العربي، في حين أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تزداد اختلالا، حيث قدر تقرير التنمية الإنسانية العربي الأخير عدد الفقراء بأنه بلغ 60 مليون فقير، وهو رقم يجادل فيه البعض ويعتبرون بأنه أكبر من ذلك بكثير.
هذا الاختلال في مجال توزيع الثروات هو ظاهرة عالمية جاءت كنتيجة طبيعية للتوسع في تنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة، وهو ما عزز في المقابل من انخراط منظمات المجتمع المدني على الصعيد الدولي في النضال الاجتماعي، خلافاً لحالة التأخير الملحوظة في هذا المجال داخل العالم العربي. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى التحول الذي حصل في اهتمامات منظمة العفو الدولية، التي أصبحت بدورها تتبنى مسألة الدفاع عن الفقراء والعمل على تمكينهم من الدفع عن حقوقهم، وذلك من خلال المبادرة التي أطلقتها في إطار حملة عالمية تحت عنوان «فلنطالب بالكرامة».
حاولت الحكومات العربية منذ اندلاع الأزمة أن تطمئن نفسها والرأي العام المحلي، وذلك بالتأكيد على أن الأزمة المالية العالمية لم تؤثر على الأوضاع الاقتصادية الداخلية. واستندت في ذلك على القول بعدم اندماج الأنظمة المالية المحلية في النظام المالي العالمي. كما أكدت أيضا على أن عدم التأثر بالأزمة دليل على صحة وسلامة اختياراتها الاقتصادية. ورغم أن جهات محايدة أكدت على أن عدداً من بلدان جنوب المتوسط تتمتع باستقرار ماكرو-نسبي مما جعلها في منأى عن الأزمة المالية العالمية، إلا أن ذلك لم يحل دون أن تصاب هذه الاقتصادات بتداعيات هذه الأزمة مثلها مثل بقية دول العالم. إذ خسرت الدول العربية المصدرة للنفط %39 من قيمته خلال عام 2008، كما تراجعت معدلات النمو خلال السنة الجارية بسبب خروج السيولة من المنطقة العربية التي كانت البنوك الأجنبية في حاجة إليها، والتي بلغت 70 مليار دولار، وقد ترتفع إلى 100 مليار.
لكن ما يهم المجتمع المدني هو تحديد الآثار السلبية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وهنا تجدر الملاحظة أن الدول العربية لم تتأثر بنفس الطريقة. إذ لكل دولة ظروفها الخاصة. فدول المغرب العربي على سبيل المثال تأثرت سلباً من خلال انخفاض مستوى مبادلاتها مع شركائها الأوروبيين. والجزائر وحدها تراجع دخلها خلال سداسية سنة 2008 إلى حدود النصف. وقد قدر الخبير الاقتصادي المعروف عزام محجوب أن عدد العمال الذين فقدوا وظائفهم في تونس منذ اندلاع الأزمة لا يقل عن 50 ألف عامل. أما بالمغرب فقد تم إيقاف 20 ألف عامل عن العمل في قطاع الصناعة فقط، حيث أعلنت 200 مؤسسة عن دخولها في صعوبات شديدة. كذلك تراجع نسق حركة السياحة وتقلصت تحويلات العمال المهاجرين. ويلفت وزير الأسرة السابق بالمغرب د.سعيد سعدي إلى القرارات المصاحبة التي لجأ إليها أصحاب المؤسسات الاقتصادية مثل خفض عدد ساعات العمل، ومراجعة الرواتب والعلاوات، والامتناع عن فتح الباب لتوظيفات جديدة، والتوسع في اعتماد عقود عمل مؤقتة، وهو ما سيؤدي إلى نزول عدد واسع من العمال إلى مستوى ما تحت خط الفقر.
تلك المؤشرات وغيرها التي طرحت في هذه الندوة، تدل بوضوح على مدى قابلية الدول العربية للتأثر بأي اضطراب يصيب الدورة الاقتصادية والسياسية في العالم الغربي الذي تربطنا به روابط كثيرة يصعب الفكاك منها في هذه المرحلة التاريخية، وهو ما عبّر عنه البعض بالقول بأن المنطقة العربية تعاني من هشاشة هيكلية. هذا ما جعل البعض يطالب بتحويل الأزمة إلى فرصة لمراجعة بعض الاختيارات والسياسات، التي استمرت رغم المشكلات التي أدت إليها. لكن هل حكومات المنطقة مستعدة لسماع صوت المجتمع المدني؟ هذا هو الوجه السياسي من الأزمة.
العرب القطرية – 22 نوفمبر 2009
|