|
جدوى المعرفة
فوزي بن عمران: لا معنى لحياة الإنسان بدون المعرفة والعلم، والإنسان بدون المعرفة لا يعدو أن يكون "حيواناً ناطقاً" كما نعته قديما علماء الاجتماع. ولكن هل يكفي أن يتعلّم الإنسان من أجل المعرفة لذاتها أو فقط من أجل إثبات بشريته؟ أم أن ثمة مسؤوليات تترتب على حيازة المعرفة يتعيّن على العارفين الامتثال إليها لاستيفاء شروط ومواصفات قياسيّة محددة ومتعارف عليها؟ هل ثمة فائدة ترجى إن عرف طفل خطر النار عن طريق اختبار الألم الناشئ عن ملامستها، ولم يجعله ذلك يتجنبها؟
الارتباط الشرطي بين النار والألم يُفترض أن يقوده إلى التعامل معها بحذر فلا يعاود الكرّة فيمنع عن نفسه أذاها. إذا كنا نتوق إلى جدوى حقيقية من معرفة أساسية ناشئة عن إحساس غريزي لطفل غير مدرك؛ فكيف لا نتطلّع إلى فوائد حقيقية من اكتساب مختلف المعارف والعلوم التي يرنو المجتمع إلى أصحابها بإكبار وإجلال على اعتبار أنهم أعضاؤه الفاعلون الذين سيرفعون من شأنه من خلال تلك المعارف والعلوم؟
هل ثمة نفع من معرفة الصواب إذا لم يُتبّع؟ وهل ثمة جدوى من معرفة الخطأ إذا لم يُجتنب؟ وهل ثمة طائل من معرفة القانون إذا لم يُطبّق؟ وهل ثمة معنى لمعرفة العدل إلاّ إذا ساد وأحسّ به الضعيف قبل القوي؟
العارفون عليهم عبء مزدوج، يتمثل في حماية تلك المعرفة والمحافظة عليها بالدرجة الأولى، ثم نقلها ونشرها إلى الآخرين. العمليتان ثقيلتا الوطأة؛ خاصة في زمن يغلب عليه عدم الاكتراث ورواج الخرافات والدجل والخزعبلات ورجوح كفّة الجهالة، وآثر فيه الناس استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير!
كما تقاس الجدوى الاقتصاديّة؛ ينبغي أن تُقاس الجدوى المعرفيّة أو العلميّة. علينا معرفة ماذا يجني المجتمع من تعليم أبنائه؟ ما التأثير الحقيقي لعدد معيّن من حملة شهادات عليا في التخصصات المختلفة؟ هل انعكست الخبرات الرفيعة للأشخاص على معدّلات إنتاجهم في مختلف المساقات؟ ماذا سيجني الطلبة من التأهيل العالي لمدرسيهم؟ كيف استفاد المرضى من أطبائهم أصحاب التخصصات الرفيعة والمؤهلات العالية؟ هل ترتب على خبرات المهندسين الطويلة تطورات وتحسينات في تصاميم المباني والطرق؟ هل تمكن كل أولئك المتخصصين في فروع العلم المختلفة من إحداث نقلة نوعية لمجتمعاتهم نحو المعرفة والتصنيع والإنتاج؟
إذا كان الأمر مقتصراً على امتحان تلميذ في مدرسة أو طالب في جامعة فمن المسلمات أن يعتمد الممتحن في تقييمه على مقدار المعرفة المحرزة. أما إذا تحوّل ذلك الطالب إلى عضو عامل وفاعل في المجتمع؛ منوط به تحريك عجلة الإنتاج بشكل أو بآخر، فإنه يتعين تقييم عمله وفعله وإنتاجه لا معرفته وعلمه واستيعابه.
ما جدوى أن يكون الموظف جامعياً متخصصاً في اللغة العربيّة وحائزاً على شهادات في علوم النحو والصرف والبلاغة؛ إذا كانت الرسائل والمكاتبات التي يعدّها شخصياً أو يعتمدها بتوقيعه مملوءة بالأخطاء الكتابيّة والنحوية فضلا عن ضعف الأسلوب وركاكته!
ما جدوى كل تلك الشهادات التخصصية التي يحملها طبيب لم ينتبه لوجود كسر بالساق المتورّمة والمؤلمة لمريض أصيب في حادث مرور رغم توفر الأجهزة الحديثة التي تعينه على التشخيص! أو تسبب في موت المريض نتيجة نزيف في أثناء عملية جراحية لإزالة غضروف بين فقرات الظهر لأنه ببساطة اخترق الظهر بأداة جراحية ونفذ إلى البطن ومزق الأوعية الدموية الكبرى فيها؟
ما جدوى إحراز الأم للمعرفة إذا لم ينتفع أبناؤها وبناتها من خلال أسلوبها في تربيتهم وتنشئتهم بطريقة صحيحة وصالحة وحمايتهم من الأمراض الاجتماعيّة التي تسري في أولادنا سريان النار في الهشيم!
ما جدوى معرفة الإنسان لأساسيات النظافة العامة وأهميتها في منع انتشار الأمراض المعدية الفتاكة وهو لا يتوقف عن التمخط والبصاق كيفما اتفق وأينما كان!
ما جدوى معرفة الخطر الكامن في الاستخدام طويل الأمد للهاتف المحمول إذا لم تتخذ التدابير اللازمة لدرء ذلك الخطر عن طريق اختصار المكالمات لتقتصر على ما هو مهم فعلاً ولأقصر مدة ممكنة!
ما جدوى اختبار مقدرة المتقدمين لنيل رخص السياقة ومدى إلمامهم بقواعد وقوانين وإشارات المرور ونحن ندرك أنهم ما إن يجتازوا الاختبار حتى ينبذوا كل ذلك وراء ظهورهم ويتخذوا لأنفسهم قاعدة مرور خاصة بهم شبيهة بشريعة الغاب تقول إن "الطريق للأقوى"!
ما جدوى أن يعرف الإنسان التعاليم الدينيّة الرائعة وأن يتعلّم العبادات المشروعة إذا لم يتحوّل كل ذلك إلى منهاج يتمسك بتطبيقه وينعكس على حياته وعمله وعلاقته بمن حوله حتى يكون قدوة يحتذي به الآخرون وخاصة أولاده وأقرب الناس إليه!
تأملوا معي المغزى الكامن في هذه الواقعة الحقيقيّة على ما فيها من بساطة تصل إلى حد السذاجة: قيل لرجل أمّي كبير السن عندما استفسر في أحد المجالس عن شاب ممتلئ بالاعتداد والأنفة والكبر إنه الدكتور فلان الذي عاد حديثاً من إحدى دول الغرب بعد أن حصل على الدكتوراه في الكيمياء (وكان ذلك قبل انتشار الكهرباء في البلد)، فما كان من ذلك الشيخ إلاّ أن سأله: هل تعلمت كيف تصنع فناراً؟ فأجابه بالنفي. سأله مجدداً: إذن تستطيع أن تصنع وقيداً؟ (أي عود ثقاب)، فلما أجابه بالنفي أيضاً، تساءل الشيخ بسجيّة الإنسان البسيط: ما جدوى الدكتوراه إذن؟
قورينا ـ 12 ديسمبر 2009
|