مفهوم الأمن الوطني في ليبيا: تشخيص للواقع واستشراف للمستقبل
د. آمال سليمان العبيدي:..."ويمكن القول بأن العجز الحقيقي الذي يبدو واضحا في ليبيا هو مسألة "تعزيز الحكم بالقانون"، إلا أن السعي إلى تطبيق هذا الجانب قد يكون غير بعيد الاحتمال مقارنة بتطبيق مبدأ "التحكم الديمقراطي" " Democratic Control في المؤسسات الأمنية الليبية والذي بدوره يتطلب تفعيل أداء وتطوير مؤسسات النظام السياسي ككل، مع الأخذ في الاعتبار ما قد ينتج من ردود أفعال لأية قوى داخلية قد تقف حائلا دون الشروع في هذه التغييرات التي من شأنها القضاء على مصالحها التي نمت وتطورت مع مرور الزمن"....
مفهوم الأمن الوطني في ليبيا: تشخيص للواقع واستشراف للمستقبل
د. آمال سليمان العبيدي
قسم العلوم السياسية – كلية الاقتصاد
جامعة قاريونس
4 يناير 2010
مقدمة:
يعتبر مفهوم الأمن الوطني من المفاهيم الأكثر تعقيدا وتشعبا، التي ارتبطت ببروز الدولة الوطنية، وما ارتبط بها من ضرورات المحافظة على السيادة الوطنية، وإرساء السلام. وما تطلبته هذه الأهداف من تركيز على دور الجيوش التقليدية كأداة للحماية والدفاع.
كما أن مصطلح الأمن بدا واضحا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث برزت العديد من المدارس الفكرية التي تبحث في ماهية الأمن الوطني وتحقيقه، وكان التركيز والبحث يدوران حول كيفية صيانة الأمن وتجنب الحروب. وتعرف الموسوعة البريطانية للمعارف مفهوم الأمن بأنه، "حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية"، آما هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق عرف الأمن بأنه أي "تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء"، أما روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأميركي السابق يحدد مفهوم الأمن على أنه التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة.
وبشكل عام فأن مفهوم الأمن هو الوصول إلى أعلى درجات الاطمئنان والشعور بالسلام. وبصفة عامة ومهما اختلفت التعريفات حول مفهوم الأمن الوطني، فإنه في النهاية هو مطلب أساسي للدول، أيا كان تكوينها السياسي أو فكرها الأيديولوجي، وإن اختلفت هذه الدول في مساحة هذا الأمن داخليا وخارجيا، وفي الموجهات الأيديولوجية والسياسية التي تحدد عناصر الأمن وأسسه.
ومن هنا فإن الأمن الوطني لأي دولة هو عبارة عن جملة الإجراءات التي تتخذها الدولة في حدود طاقتها للحفاظ على كيانها ومصالحها، ومصادر قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وإيجاد الاستراتيجيات والخطط الشاملة التي تكفل تحقيق ذلك.
وتتعدد الإجراءات التي من شأنها أن تضمن الأمن الوطني ومنها؛ استخدام الدبلوماسية لحشد الحلفاء ضد التهديدات المختلفة، والمحافظة على قوى عسكرية فعالة، إضافة إلى استخدام خدمات الجوسسة لكشف التهديدات الأجنبية، واستخدام خدمات الاستخبارات المضادة متمثلة في الشرطة السرية ، وذلك من أجل حماية الدولة من التهديدات الداخلية.
وفي إطار تطور مفهوم الأمن الوطني، فقد توسع هذا المفهوم الذي يعني الدفاع عن الإقليم الوطني ضد التهديدات العسكرية الموجهة من قبل الدول الأخرى. لينتقل بعد انتهاء الحرب الباردة من التركيز على أمن الدولة وإقليمها، إلى مفهوم يشمل حماية وأمن الأفراد، والمجتمعات، والأقاليم وحتى النظام الدولي ككل. كذلك الحال بالنسبة للمخاطر الأمنية، فإنها لم تعد التهديدات الأمنية التي تفرض من قبل الدول على بعضها البعض، وإنما اشتملت في نطاقها بعض القضايا الأخرى والتي منها الانحدار البيئ ، والتحديات الاجتماعية-الديموغرافية، وكذلك انتشار الأمراض المعدية.
ويمكن القول بأن الأمن والصراع كمفاهيم أساسية ارتبطت بالديمقراطية والتنمية. فحسب تقارير الصندوق الإنمائي للأمم المتحدة، والتي بينت أن معظم الدول التي مرت بتجارب الصراعات المسلحة خلال العقود الماضية، لها نظم تسلطية، وهي من بين أفقر الدول في العالم.
ومن بين المفاهيم التي لاقت إقبالا وشعبية خلال العقود الماضية، مفهوم "الأمن الإنساني"، الذي استخدم في تقرير التنمية الإنسانية لعام 1994، الذي انتقل من التركيز على الدولة إلى الفرد كأساس له، حيث أنطلق من افتراض رفاهية الإنسان، مقابل الدولة. كذلك فإن مفهوم الأمن الإنساني يشترك مع مفاهيم أخرى ذات علاقة، منها حقوق الإنسان، والتنمية الإنسانية. ومن هنا فقد عرف تقرير التنمية الإنسانية لعام 1994، الأمن الإنساني بأنه "أمن الناس من التهديدات المزمنة، والحماية من الآلام المفاجئة التي تعطل أنماط الحياة اليومية". وركز المفهوم على سبع جوانب أساسية ذات علاقة وهي: الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، والأمن الشخصي (Physical)، وأمن المجتمع والأمن السياسي.
وتأصيلا لما سبق، فإن هدف هذه الورقة هو تشخيص الوضع الراهن لمفهوم الأمن الوطني لليبيا، وكذلك تشخيص للخطاب السياسي والأمني، مع وصف للتحديات والتهديدات الأمنية التي تواجه المجتمع والدولة محليا وإقليميا ودوليا. إضافة إلى النظر في سبل تحديث مفهوم الأمن الوطني الليبي.
العوامل المؤثرة على الأمن الوطني في ليبيا:
هناك العديد من العوامل التي يمكن تحديدها بصفة عامة والتي تؤثر على الأمن الوطني في ليبيا، حيث يختلف تأثير كل منها من فترة لأخرى. وعليه فإن أهم تلك العوامل والتي كان لبعضها دورا مهما في مراحل تاريخية مختلفة، تتمثل في النفط كثروة استراتيجية هذا أولا، أما ثانيا الموقع الجغرافي، وثالثا أيديولوجية الدولة.
أولا: النفط كثروة استراتيجية
يعتبر هذا العامل من أهم العوامل التي ارتبطت استراتيجيا باقتصاد البلاد، والذي ساهم منذ ظهوره في نهاية خمسينيات القرن الماضي في إحداث كثير من التغييرات الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية. إلا أن تأثير هذا العامل على الأمن الوطني برز من خلال استغلال عائدات النفط خاصة بعد عام 1969 من قبل صانع القرار في ليبيا لتعزيز كثير من السياسات التي أثرت سلبا أو إيجابا في تحديد علاقات ليبيا على المستوى الإقليمي والدولي؛ إضافة إلى استخدام عائدات النفط في دعم كثير من حركات التحرر في العالم، خاصة خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ومنها تم النظر إلى ليبيا دوليا كدولة داعمة للإرهاب، وخاصة من قبل بعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وتعد ليبيا بامتلاكها للنفط والغاز أحد مصادر لأمن الطاقة (Energy Security). وكما وصف أحد التقارير الرسمية الأمريكية ليبيا، بأن مصادر الطاقة فيها لا زالت نسبيا تحت الاستكشاف، مقارنة بغيرها من الأقطار المنتجة للنفط، وتمثل أيضا واحدة من أهم دول العالم الواعدة للاحتياط النفطي، ولاستكشاف الغاز، إضافة إلى الجودة العالية للنفط الليبي مما يجعله في أعلى قائمة الأسعار في السوق العالمي.
ثانيا: الموقع الجغرافي
يعتبر الموقع الجغرافي لليبيا أحد العوامل الاستراتيجية الهامة، حيث ساهم هذا الموقع في تحديد هويتها التاريخية وذلك من خلال ثلاثة أبعاد مختلفة ولكنها تلتقي استراتيجيا لتعزز الدور الدولي والإقليمي لليبيا، تلك الأبعاد متمثلة في البعد العربي (الوطن العربي)، والبعد الأفريقي (قارة أفريقيا)، والبعد المتوسطي (حوض البحر المتوسط).تلك الأبعاد التي تحدد العلاقة بين المكان والدور الذي لعبته ليبيا في السابق، أو الدور الذي يمكن أن تلعبه في المستقبل.
ثالثا: أيديولوجية الدولة
لعب العامل الأيديولوجي دورا مهما منذ عام 1969، وكان له أثر بالغ على مستوى السياسات الداخلية و الخارجية لليبيا. فمن خلال المبادئ الأساسية التي تبنتها ليبيا بعد عام 1969 والمتمثلة في الحرية والاشتراكية والوحدة، تحددت كثير من السياسات على المستوى المحلي، أو المستوى الدولي الذي برز في التوجهات المختلفة نحو العروبة، والقومية العربية، والقضية الفلسطينية، ومناهضة الإمبريالية، ومساندة حركات التحرر في جميع أنحاء العالم ومعاداة الصهيونية. وترجم كثير من تلك المبادئ في شكل محاولات وحدوية مع بعض الدول العربية، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
العقبات والفرص:
·على ليبيا استغلال العوامل الإستراتيجية خاصة امتلاكها لمصادر الطاقة، والموقع الجغرافي لتحقيق مصالحها الوطنية، ولعب دور أكثر أهمية خاصة في منطقة حوض البحر المتوسط، وأفريقيا، والوطن العربي. فقد تكون ليبيا حلقة وصل استراتيجيةبين هذه الدوائر، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه كحلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا. إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه كشريك في المجالات المختلفة والتي تتطلب تعاونا دوليا، كمكافحة الإرهاب.
·في إطار العوامل الاستراتيجية السابقة والتي تؤثر على مفهوم الأمن الوطني، تبرز إشكالية واضحة وهو عدم وضوح مفهوم المصلحة الوطنية وتذبذبها في ليبيا من فترة لأخرى. وهذا يتطلب السعي إلى تحديد الأسس الرئيسة للمصلحة الوطنية والتي بناءً عليها تتحدد علاقاتها على المستوى الإقليمي والدولي.
مفهومالأمن الوطني لليبيا: "الوضع الراهن":
ارتكز مفهوم الأمن الوطني لليبيا بوضعه الراهن، على ما يمكن أن نسميه أمن النظام، الذي يرتكز عل المحافظة على النظام السياسي، وسبل تعزيزه وتقويته. وهناك العديد من المظاهر التي قد تؤكد سيادة هذا المفهوم كأحد أقوى مفاهيم الأمن السائدة في ليبيا، ومن هذه المظاهر:
·محاولات تحييد المؤسسة العسكرية التقليدية وحلها، وإن كان ذلك في الإطار الأيديولوجي الذي يركز على مفهوم الشعب المسلح، وعسكرة المدنيين، إلا أنه ومع مرور الزمن برزت ظاهرة الإحلال والتي من خلالها تم تشكيل قوات بديلة تأخذ على عاتقها التركيز على الجوانب الأمنية المتعلقة بالمحافظة على النظام، بما فيها الدور الذي تلعبه حركة اللجان الثورية في الدفاع عن وحماية النظام.
·اعتماد التجنيد للمؤسسة العسكرية، والمؤسسات الأمنية الأخرى على مصادر التجنيد التقليدية، كالقرابة، والولاء الأيديولوجي. وفي هذا الإطار يشير أحد التقارير الغربية عن القطاع الأمني في ليبيا، على أن الرتبة لا يمكنها أن تؤكد شيئا فيما يتعلق بتأثير الشخص الذي يحملها. فثمة مظاهر أخرى للتأثير منها الانتماء القبلي، والولاء الثوري، وهي مظاهر انتشرت في السنوات الأخيرة كأسس للتجنيد في المناصب العسكرية بصفة عامة، والأمنية على وجه الخصوص. وركزت الدراسة بصفة خاصة على دور القرابة، خاصة قرابة الدم في تولي تلك المناصب منذ الثمانينيات من القرن الماضي فيما حددته الدراسة "بإعادة قبلنة المجتمع الليبي" أو إعادة القبلية للمجتمع الليبي ."re-tribalisation of Libyan society"
ومن هنا فإنه يمكن القول بأن الحاجة ملحة لإعادة مراجعة مفهوم الأمن على مستوى النظام. وهذا يتطلب مراجعة من قبل صانع القرار للسياسات الأمنية في ليبيا، على أنه لا ضرورة للتحكم غير الديمقراطي في قطاع الأمن، وهذا ما أكدته مسألة الحق الحصري في تعيين قيادات البنى المختلفة لقطاع الأمن والجيش.
على الرغم من وجود بعض الأطروحات التي عكست التجربة الليبية في إطارها السياسي والمتعلقة بدمقرطة الجوانب الأمنية والدفاعية، والتي تمثلت في بعض المبادئ الرئيسية والتي منها "الدفاع عن الوطن مسؤولية كل مواطن ومواطنة"، وكذلك تبني بعض السياسات على الأقل من الناحية النظرية والتي تهدف إلى توسيع المشاركة الشعبية في مجال تحقيق الأمن كسياسة "الأمن الشعبي المحلي" مثلا، إلا أن كل تلك المحاولات التي سعت إلى توسيع مشاركة المواطنين في تحقيق الأمن والدفاع باءت بالفشل، وقد يعود ذلك إلى جملة الأسباب التالية:
·اتساع الفجوة بين ما هو معلن وما هو مطبق على أرض الواقع.
·الحماس الآني وعدم ارتباطه بتخطيط استراتيجي بعيد المدى، لتطبيق مثل هذه السياسات.
·غياب المتابعة والرقابة والتقييم عند تنفيذ هذه السياسات.
·هيمنة العامل الأيديولوجي على كثير من الأطروحات، مما يجعل إمكانية مراجعتها أو تقييمها من الناحية العملية تتسم بالصعوبة. فأي محاولة لفعل ذلك قد يترتب عنها اتهامات بالمساس بالثوابت التي لا يمكن نقدها أو تقييمها.
تشخيص وتقويم الخطاب السياسي والأمني:
يعتبر الخطاب السياسي في ليبيا أحد أهم مصادر الأيديولوجية الرسمية في ليبيا بعد عام 1969، إضافة إلى الكتاب الأخضر بفصوله الثلاثةالتي تقترح حلولا للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وشروح الكتاب الأخضر والخطاب السياسي. ويقصد بالخطاب السياسي هنا ما تم تناوله في خطب العقيد القذافي التي يلقيها خلال فترات مختلفة على جمهور معين من مختلف فئات المجتمع والتي من خلالها تطرح كثير من القضايا السياسية والاقتصادية.
ويمكن القول بأن العامل الأيديولوجي هيمن على مختلف القضايا والسياسات والتوجهات في ليبيا سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، واستمر ذلك حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي حيث برزت بوادر انحسار العامل الأيديولوجي في السياسة الليبية وظهور المنظور البراغماتي النفعي الذي ساهم في حل كثير من القضايا التي واجهت ليبيا خلال القرن الماضي، خاصة قضية لوكربي وإعادة العلاقات مع الدول الغربية والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
ولقد تميز الخطاب السياسي الليبي كأحد مصادر الأيديولوجية الليبية منذ قيام الثورة في سبتمبر عام 1969 بالتشدد والتطرف والمواجهة خاصة مع الغرب، إلا أن هذا الخطاب شهد تغيرات على مستوى المفردات والتوجهات خاصة مع نهاية القرن العشرين، ولعل ذلك يرجع لعدة أسباب رئيسة منها:
أولا: انحسار دور الأيديولوجية على المستوى الدولي، وسقوط نماذجها المتمثلة في الاتحاد السوفيتي سابقا ومنظومته في تسعينيات القرن الماضي، والذي أكد انتهاء عصر الأيديولوجيات.
ثانيا: أزمة لوكربي وما نتج عنها من ضغوطات دولية تمثلت في فرض عقوبات اقتصادية على ليبيا، والتي دفعت بليبيا لحل الأزمة مع الأطراف المعنية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
ثالثا: أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي ساهمت في تغيير توجهات الخطاب السياسي الليبي، الذي بدوره تبنى بقوة فكرة نبذ الإرهاب وأبدى رغبته للتعاون من أجل مقاومة الإرهاب.
ومن خلال التركيز على الخطاب السياسي في ليبيا، يمكن رصد مفهوم الأمن من خلال التعرف على أهم مصادر التهديد الأمني وأولوياتها. فحتى وقت قريب تمثلت تلك المصادر في أولا الصهيونية، والوجود الإسرائيلي في الوطن العربي، أما المصدر الثاني للتهديد فتمثل في الإمبريالية التي تتركز نماذجها في الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وفرنسا، حيث اتسمت العلاقة مع هذه الدول بالمواجهة المستمرة خاصة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ويمكن القول بأن أولويات التهديد الأمني تغيرت في الخطاب السياسي الليبي خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتمثلت مصادر التهديد تلك في الإرهاب، والتيار الإسلامي المتطرف، والذي عرف في خطب العقيد القذافي بظاهرة الزندقة، والمنتمين إليها "بالزنادقة".
ولقد صنفت ليبيا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية، بأنها من الدول الداعمة للإرهاب خاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وذلك نتيجة للدعم الذي قدمته ليبيا لكثير من حركات التحرر في العالم، منها منظمة التحرير الفلسطينية، والمؤتمر الوطني الأفريقي، والجيش الجمهوري الأيرلندي، وغيرها.
وفي هذا الإطار فإن الخطاب السياسي الليبي ميز بين جانبين أساسيين، الأول هو العنف الثوري حيث تم تأييده كحق مشروع يمكن من خلاله أن تدافع به حركات التحرر عن نفسها لإثبات حقها في الوجود. والإرهاب وهو ما تم تعريفه بإرهاب الدولة، وصنف الولايات المتحدة بأنها تمارس إرهاب الدولة على بقية الشعوب في العالم ومن هنا تم رفضه، وفي هذا الإطار يمكن القول بأن ذلك يعكس موقفا أيديولوجيا تجاه الولايات المتحدة خلال فترة السبعينيات والثمانينيات. ولقد تحدد الموقف الليبي الرسمي من الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أعتبرت ليبيا من أوائل الدول التي أدانت الهجوم على مركز التجارة، ووزارة الدفاع في 11 سبتمبر.
وأشار أحد التقارير الأمريكية إلى أنه بعد أحداث 11 سبتمبر بأشهر، أقام بعض المسؤولين الأمريكان والإنجليز العديد من جلسات تبادل المعلومات مع بعض المسؤولين الليبيين. كما أن ليبيا بدأت تتبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن عن حلفاء أسامة بن لادن، كالجماعة الإسلامية المقاتلة. كذلك فإن ليبيا بعد أشهر وفي تحرك يهدف إلى الحصول على تأييد غربي، قامت في يناير 2002 بالإعلان في أحد المواقع الإلكترونية WWW.libjust.com))، عن جائزة قدرها مليون دولار لأية معلومات عن بعض الأفراد من المعارضة الليبية والمطلوبين من السلطات الليبية والذين ارتبطوا بالحركة الإسلامية.
كما قامت ليبيا أيضا بالتوقيع على قائمة الاتفاقيات الأثنى عشر والموجودة في قرار مجلس الأمن رقم 1273 الخاصة بمكافحة الارهاب.
في سبتمبر 2002، أعلنت ليبيا من خلال الخطاب السنوي للعقيد القذافي، بمناسبة الإحتفال بذكرى قيام الثورة، أن ليبيا لم تعد دولة منبوذة، وعليها أن تسعى لتنفيذ مطالب المجتمع الدولي، وأشار إلى أن ليبيا ستقوم بدفع تعويضات لعائلات ضحايا لوكربي. ونتج عن دفع هذه التعويضات، وإعلان ليبيا في 19 ديسمبر 2003 التخلي عن برامجها لاقتناء وتطوير أسلحة الدمار الشامل، إلغاء ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. كل ذلك ساهم في التأكيد على التحول الكامل في سياسات ليبيا السابقة وعززت من فرص التطبيع الكامل مع الدول الغربية بصفة خاصة والمجتمع الدولي ككل.
يعتبر التيار الإسلامي المتطرف أحد التحديات الأمنية لليبيا، وذلك نتيجة للنشاطات المختلفة لتلك الجماعات. ولقد بدأت المواجهة مع تلك الجماعات منذ تسعينيات القرن الماضي، وهو تاريخ نشأة الغالبية العظمى لهذه الحركات، وهي كل من التكفير والهجرة، والتبليغ؛ وحركة الشهداء الإسلامية؛ والجماعة الإسلامية المقاتلة.
ويمكن القول بأن معظم هذه الجماعات كثفت من نشاطاتها داخل ليبيا وخارجها خلال فترة التسعينيات. حيث قامت بنشر كثير من أدبياتها محرضة على زعزعة استقرار النظام، إضافة إلى الهجمات المختلفة على بعض الرموز الأمنية في الداخل والتي قادتها الجماعة الإسلامية المقاتلة منذ عام 1995، وكذلك في مايو 1997. أما حركة الشهداء الإسلامية فقد تكررت هجماتها خاصة في بنغازي في فبراير 1997، ومحاولتها لاغتيال العقيد القذافي في يونيو 1998.
التحديات والتهديدات الأمنية التي تواجه المجتمع والدولة محليا:
يؤكد روبرت مكنمارا على أن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها، لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في المجالات كافة سواء في الحاضر أو المستقبل.
وفي هذا الإطار فإن الأمن في ليبيا، سواء كان داخليا أم خارجيا واجه العديد من التحديات والتهديدات الأمنية خلال العقود الماضية. كما يمكن ملاحظة أن فترة نهاية التسعينيات من القرن الماضي شهدت محاولات لتطوير بعض السياسات المحلية والخارجية، والتي نتج عنها إعادة ليبيا إلى المجتمع الدولي، وذلك من خلال إلغاء العقوبات الدولية في 12 ديسمبر 2003؛ وإلغاء الحظر المفروض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في 23 أبريل 2004. كل تلك التغيرات جعلت من ليبيا نسبيا أقل تهديد مقارنة بالعقود السابقة، ودولة غير مهددة كما وصفت في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي. حيث اعتبرت ليبيا خلال تلك الفترة بأنها مصدر أساسي لتصدير الثورة وإحدى الدول الراعية أو الداعمة للإرهاب الدولي.
1. التحديات والتهديدات على المستوى المحلي:
يمكن تصنيف التحديات ومصادر التهديد الأمني على المستوى الداخلي إلى ما يلي:
أ. الصراع السياسي داخل ليبيا
منذ أن بدأت التغيرات المؤسسية والأيديولوجية في عام 1972 ساهم ذلك في خلق الكثير من التحديات على المستوى الداخلي، وتمثل ذلك في المعارضة الداخلية. حيث ترجمت ردود أفعالها تجاه تلك التغيرات في شكل محاولات انقلابية، حيث شكلت تلك المحاولات أحد مصادر التهديد الأمني للنظام السياسي ومنها محاولات (ديسمبر 1969، ويوليو 1970، وأغسطس 1975، وأخيرا أكتوبر1993).
التحديات الأخرى والتي تأتي في إطار الصراع السياسي أيضا تمثلت في دور المعارضة السياسية في الخارج، ومن أهمها جبهة الإنقاذ الوطني التي تأسست في عام 1981، إضافة إلى نشاطات بعض عناصرها في ليبيا خلال منتصف الثمانينيات.
بروز ما يمكن تسميته "بالمعارضة الإسلامية" والتي اتضحت ملامحها في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، أيضا تعتبر من أهم مهددات الأمن الوطني في ليبيا. ولقد تم تأسيس هذا التيار المعارض من قبل إسلاميي ليبيا الذين عادوا من أفغانستان، فيما عرف في معظم الدول العربية بتنظيم العرب الأفغان. وتم تعريفهم في الخطاب السياسي في ليبيا "بالزنادقة"، ومن أبرز مطالبهم هو تبني الشريعة كأساس للحكم، وانتشرت هذه التيارات في السنوات ما بين 1995 و1998. ولقد سعوا إلى تحقيق أهدافهم عن طريق استخدام القوة، حيث تميزت هذه الفترة بوجود اشتباكات عنيفة ساهمت في خلق بعض القلاقل الأمنية، واستمرت هذه الأعمال في شكل حوادث فردية حتى عام 2001. كذلك يمكن رصد بعض التهديدات المحتملة والتي بدأت تبرز من خلال بعض التنظيمات التي انضمت إلى ما يعرف بتنظيم القاعدة في المغرب العربي، والذي شكل تهديدا أمنيا لمعظم دول الشمال الأفريقي في الوقت الحاضر، والتي تتطلب جهدا أمنيا جماعيا لمكافحة هذه الظاهرة.
ب. مشكلة شح المياه
تعتبر هذه المشكلة من أهم مصادر التهديد الأمني والتي ستواجه ليبيا في المستقبل، حيث تتجاوز الجريمة المنظمة، والمشاكل الأمنية الناعمة أو السهلة، والتي تتمثل في شح المياه وكيفية تزويد سكان ليبيا (الذين بلغ عددهم حوالي 5.5 مليون نسمةحسب النتائج الأولية للتعداد السكاني في عام 2006، والمتوقع زيادتهم إلى حوالي 7.5 مليون نسمة في عام 2025) بالمياه (ماء صالحة للشرب، وماء تستخدم في الصناعة والزراعة)، حيث أنه من الصعوبة بمكان توقع إلى أي مدى يساهممشروع النهر الصناعي العظيم، والذي تم إنجاز كثير من مراحله في الوقت الحالي، في تقليل مسألة نقص أو شح المياه في ليبيا.
ج. مشكلة غياب الحكم بالقانون
يعتبر الحكم بالقانون أحد أهم عناصر الحكم الرشيد الذي يهتم بالطريقة التي تمارس بها السلطة، وهو يشير إلى عملية صنع القرار وتنفيذه، والعلاقة بين الدولة ومواطنيها.
وتبرز مشكلة غياب الحكم بالقانون في ليبيا كأحد أهم مصادر التهديد الأمني أيضا، وتكمن هذه المشكلة في عدم تنفيذ أو تطبيق القوانين، إضافة إلى تدخل المؤسسات الاجتماعية في التأثير على الحكم بالقانون، ونقصد بها هنا العامل الاجتماعي ممثلا في القبيلة، فمن خلال تدخلها كوحدة اجتماعية ومن خلال العرف والتقاليد ساهمت في التدخل في منطلقات الحكم بالقانون. وفي هذا الإطار فقد اعتبر 35% من أفراد عينة لدراسة عن السياسات الأمنية في ليبيا أجرتها الباحثة في سنة 2004، بأن القبيلة تشكل تهديدا قويا للحكم بالقانون في ليبيا على المستوى المجتمعي.
وخلاصة القول بأن الإشكالية التي قد تواجه أي مجتمع لا تكمن في سن القوانين، بل في تنفيذ تلك القوانين وتطبيقها، من خلال أجهزة تنفيذية عالية الكفاءة قادرة على تحويل القانون إلى واقع، ونظم أمنية وقضائية نزيهة توفر العدالة دون تدخل أو هيمنة.
د. الفقر
ثمة علاقة ارتباطية قوية بين المستوى الاقتصادي لأفراد المجتمع، والأمن. فكلما أرتفع المستوى الاقتصادي كلما قلت معدلات الجريمة وتحقق الأمن، وساد الاستقرار.
وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن الفقر كإحدى مهددات الأمن الوطني على المستوى المحلي في ليبيا. ولقد أشارت نتائج دراسة الباحثة عن السياسات الأمنية في ليبيا، بأن 60% من أفراد عينة الدراسة أكدوا على أن الفقر وما ينتج عنه هو أحد أهم مصادر التهديد على المستوى المجتمعي، أي ما ينتج عنه من زعزعة في الأمن وارتفاع نسبة معدلات الجريمة في المجتمع. ولعل انتشار هذه الظاهرة في ليبيا، على الرغم من أنها دولة تتميز بوجود مصادر دخل هائلة، ورصيد من الثروة الطبيعية "النفط" هو تخبط السياسات الاقتصادية على مر السنوات الماضية، وقانون رقم 15 للمرتبات لعام 1980، والذي ساهم في توسيع قاعدة الفقر وانتشاره خاصة لدى ذوي الدخل المحدود.
2. التحديات والتهديدات على المستوى السياسة الخارجية:
يمكن تصنيف التحديات والتهديدات على المستوى الخارجي على النحو التالي:
أ.المواجهات الخارجية
طغى الجانب العسكري في السياسة الخارجية الليبية كأحد الأدوات الأساسية المستخدمة على المستوى الخارجي، خاصة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وتمثل ذلك في المواجهة العسكرية مع مصر في يوليو عام 1977، ومواجهة القوات الجوية الليبية وقوات الدفاع الجوي مع القوات الأمريكية على خليج سرت منذ عام 1980. وما تبعها من أعمال أخرى كتفجير المقهى الليلي في أبريل 1986؛ وتفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكربي في 21 ديسمبر 1988. وهجوم القوات الجوية الأمريكية على كل من طرابلس وبنغازي في 15 أبريل عام 1986. وكذلك التدخل الليبي في تشاد الذي انتهى بانسحاب القوات المسلحة الليبية في منتصف عام 1987 نتيجة ضعف الأداء العسكري في هذه الحرب.
وكذلك التورط في قضية الطائرة الفرنسية UTAالتي انفجرت فوق النيجر، في 19 سبتمبر 1989. حيث اتهم الأمن الخارجي الليبي بتنفيذ هذه العملية. ومن مظاهر العمل الخارجي لليبيا أيضا مساندة حركات التحرر في جميع أنحاء العالم (ماديا، وبتوفير معدات وأسلحة).
ويمكن القول بأن مرحلة المواجهات الخارجية والتي ميزت السياسة الخارجية الليبية انتهت في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وذلك بعد انتهاء صراع المعسكرين الشرقي والغربي، إضافة إلى فقدان الاتحاد السوفيتي كحليف رئيسي، ومزود أساسي بالسلاح لليبيا. والعزلة التي نتجت عن قرارات الأمم المتحدة الخاصة بفرض العقوبات على ليبيا خلال الفترة (1992-1999)، وما نتج عنها من تغيير في السياسة الليبية على المستوى الدولي من سياسة مواجهة، إلى سياسة تسعى إلى إعادة ليبيا إلى المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة والنبذ.
ب. الجوانب الأمنية "الناعمة" أو السهلة
بعد هيمنة الجوانب الأمنية الصعبة ( (hard security aspectsخلال حقبة الثمانينيات، جاءت مرحلة التسعينيات لتبرز فيها جوانب أمنية أقل صعوبة (soft security aspects)، حسب الأدبيات الأمنية وبعض الدراسات. وهذه الجوانب ارتبطت بظاهرة الهجرة الشرعية وغير الشرعية من أفريقيا، وانتشار تجارة المخدرات، وسوء استخدام الأراضي الليبية في تهريب البشر إلى أوروبا. ولقد عانت قوات الشرطة أثناء مقاومتها لهذه الجرائم من قلة الكفاءة، وقلة المعدات الفنية المساعدة، كما عانت من ذلك القوات المسلحة أثناء العمليات العسكرية التي خاضتها خلال فترة الثمانينيات.
وفي هذا الإطار يمكن القول بأن هذه الظواهر تشكل خطورة أمنية على ليبيا على المستوى المحلي، أي تشكل مصدر من مصادر التهديد على ليبيا، وكذلك تعتبر ليبيا وفقا لذلك دولة مهددة لبقية الأطراف الدولية الأخرى، باعتبار ليبيا بلد عبور للهجرة غير الشرعـية (transit country) ومنفذ أساسي للوصول إلى أوروبا. فعليه فإن مقاومة الجوانب الأمنية الناعمة يتطلب تعاونا وتكاتفا دوليا للقضاء على مهددات الأمن بمختلف مستوياته.
ما العمل؟
من أجل إصلاح وإعادة النظر في مفهوم الأمن الوطني في ليبيا:
يمكن القول بأن نقص الكفاءة التي برزت من خلال تدخل القوات الليبية في تشاد في ثمانينيات القرن الماضي، تؤكد على ضرورة إصلاح المؤسسة العسكرية الليبية كمؤسسة وطنية، ورمز للوحدة الوطنية. فالعسكرة من عدمها والتعبئة ترتبط في أي وقت بالجوانب الأيديولوجية لهذه المفاهيم. وعليه فإنه في المدى البعيد إذا استمرت معظم دول الجوار في علاقاتها الحسنة مع ليبيا، مع ضعف أو غياب أية قوة معارضة داخلية، كل ذلك قد يؤدي إلى تناقص أعداد العاملين في قوات الأمن والقوات المسلحة. إلا أن ذلك ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار وهو مسألة بناء مؤسسة عسكرية قوية حتى وإن غابت مهددات الأمن الوطني على المستوى الإقليمي، والدولي، ولا ينبغي النظر إلى المؤسسة العسكرية الوطنية كأداة لزعزعة النظام وتهديد أمنه. خاصة وأن مشروع ليبيا لتأسيس جيش أفريقي في إطار تعزيز أفريقيا الموحدة، يعتبر أمر بعيد الاحتمال نظرا للدور الأمريكي الذي يضغط للحيلولة دون ذلك، حيث أن تأسيس هذا الجيش يعتبر ضد المصالح الأمريكية، كما أكد ذلك أحد التقارير الأمريكية في تقييمه للسلوك الإقليمي لليبيا، خاصة في أفريقيا والمتعلقة بإنشاء جيش أفريقي في ليبيا،" إن ذلك يتعارض مع المصالح الأمريكية، ولكن من الأفضل أن تقاوم مثل هذه المبادرات من قبل القادة الأفارقة أنفسهم".
ينبغي العمل على إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني المرتبط بأمن النظام، وربطه بمفهوم "الأمن الإنساني"، والذي ينطلق من أساس رفاهية الإنسان، مقابل بقاء الدولة. هذا المفهوم الذي يرتبط بمفاهيم أخرى ذات علاقة، كمفهوم حقوق الإنسان، والتنمية الإنسانية. ذلك المفهوم الذي يأخذ في اعتباره تحقيق الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، والأمن الشخصي، وأمن المجتمع.
تبرز الحاجة إلى تعزيز حكم القانون، وعلى الرغم من اتخاذ بعض الخطوات العملية والتي اتخذت للرد على بعض شروط الولايات المتحدة من أجل رفع الحظر عن ليبيا، ومن بين تلك الشروط الإصلاح السياسي، وتحسين واقع حقوق الإنسان.
منذ عام 2003 شرعفي تنفيذ بعض هذه الشروط والتي تمثلت في تبني مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية حملة ضد التعذيب في ليبيا والشرق الأوسط، وكان شعارها "لا للتعذيب". كما قامت بتنظيم زيارات دورية للتفتيش عن السجون وأماكن الاعتقال وقدمت توصيات لتحسين أوضاعها.ورغم هذه التطورات إلا أن هذه الإنفراجات ظلت محدودة ورمزية، وهذا ما أكدته تقارير منظمة العفو الدولية خاصة في سنة 2004، والذي خلص إلى أن أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا تظل مصدر قلق عميق لمنظمة العفو الدولية.
وفي إطار الإصلاحات القانونية والقضائية، فقد أصدر مؤتمر الشعب العام في يناير 2004 قرارا بإلغاء المحاكم والتشريعات الاستثنائية وعلى رأسها محكمة الشعب. إضافة إلى مراجعة لكل القوانين والتشريعات ومنها قانون العقوبات، والتي أصدرها مجلس قيادة الثورة قبل مارس 1977.
ويمكن القول بأن العجز الحقيقي الذي يبدو واضحا في ليبيا هو مسألة "تعزيز الحكم بالقانون"، إلا أن السعي إلى تطبيق هذا الجانب قد يكون غير بعيد الاحتمال مقارنة بتطبيق مبدأ "التحكم الديمقراطي" " Democratic Control في المؤسسات الأمنية الليبية والذي بدوره يتطلب تفعيل أداء وتطوير مؤسسات النظام السياسي ككل، مع الأخذ في الاعتبار ما قد ينتج من ردود أفعال لأية قوى داخلية قد تقف حائلا دون الشروع في هذه التغييرات التي من شأنها القضاء على مصالحها التي نمت وتطورت مع مرور الزمن.
سيناريوهات مستقبلية حول مفهوم الأمن الوطني :
السيناريو الأول:
تستمر ليبيا في تبني مفهوم الأمن الوطني الحالي القائم على مفهوم أمن النظام، ومن هنا فإنه في سبيل المحافظة على استمرارية واستقرار النظام، ستسعى إلى التركيز على الهاجس الأمني مما ينتج عنه استبعاد مفهوم الأمن الإنساني الذي يشمل في إطاره النظر للأمن من أجل تعزيز حقوق الإنسان، ونظرة أشمل لجوانب الأمن المختلفة كالأمن الاقتصادي، والصحي، والبيئي وغيرها.
السيناريو الثاني:
وفق الظروف الراهنة، والمعطيات الدولية كافة والتي عززت من دور العامل الخارجي، الذي ساهم في إعادة ليبيا إلى المنظومة الدولية، سيشكل هذا العامل ورقة ضغط رئيسة على ليبيا لتعيد صياغة مفاهيم المصلحة الوطنية، ومفهوم أمنها الوطني بما يتناسب مع المصالح الدولية، خاصة مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية، ومن هنا غير مستبعد أن تتحول ليبيا من دولة مواجهة إلى دولة حارسة للمصالح الغربية في المنطقة، حتى وإن كان ذلك على حساب إرث أيديولوجي هيمن على السياسات المحلية والخارجية لليبيا منذ أكثر من ثلاثة عقود.
السيناريو الثالث:
ستساهم عوامل الأمن الوطني، المتمثلة في العامل الاستراتيجي- الثروة النفطية، والموقع الجغرافي، مع التقليل من دور العامل الأيديولوجي، لتحل محله النظرة البراجماتيكية في تحديد مفهوم المصلحة الوطنية، التي بدورها تنعكس على محاولة إعادة تحديد مفهوم الأمن الوطني، الذي يأخذ في اعتباره البعد المحلي وهو أول عناصر الاستقرار الأمني، والبعد الإقليمي والبعد الدولي.
المراجع
1. U.S. Libyan Relations: Toward Cautious Reengagement, Policy Paper, (The Atlantic Council of the United States, 2003).
2. Hanspeter Mattes, Challenges to Security Sector Governance in the Middle East: the Libyan Case, paper presented at the workshop on "Challenges to Security Sector Governance in the Middle East", held in Geneva, July 2004.
3. Yahia Zoubir, Libya in US Foreign Policy: from Rogue State to Good Fellow, Third World Quarterly, Vol 23, No 1, 2002.
4. Amal Obeidi, Libyan Security Policy between Exsistence and Feasibility: An Exploratory Study, paper presented in Security Governance in the Mediterranean Project, Geneva, 2004.
5. Bary Buzan t al., Security: A Framework of Analysis, (London: Lynne Rienner, 1998).
6.Roberto Aliboni et al, Security Challenges in the Mediterranean Region, (London: Frank Cass & co.LTD, 1996).
7. Saif Qadhafi, "Libyan-American Relations",Middle East Policy, Spring, 2003.
8. Tim Niblock, Pariah States & Sanctions in the Middle East: Iraq, Libya, Sudan,(London: Lynn Rienner Publishers, Inc, 2001).
9.Tim Niblock, "Libyan Foreign Policies of Middle East States", in Raymond Hinnebusch and Anoushiravan Ehteshami (eds), The Foreign Policies of Middle East States,(Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2001).
10. Ray Takeyh, "The Rogue Who Came From the Cold", Foreign Affairs, V. 80, No. 3, 2001.
11. Peter Seeberg, "Unity in Diversity", Security and Migration. The Changing European Foreign Policy and Security Agenda in the Mediterranean", in Peter Seeberg (ed), EU And the Mediterranean: Foreign Policy and Security, (Odense: University Press of South Denmark, 2007).