|
بين مُلك العقيد وقبائل سويسرا
نصر الدين بن حديد: من شروط الإقطاع أو أدوات فعله ومرتكزات وجوده ودواعي استمراره، أن تتحوّل خصومات «السيّد» الشخصيّة ـ مهما كانت «هينّة» ـ إلى «معارك قوميّة ووطنيّة»، بل «وجوديّة»، حين جاء هذا «السيّد» وتأسّس وترسّخ على اعتباره خلاصة الأمّة وممثّلها الأوحد والوحيد، ومن ثمّة تصير كرامته من كرامتنا بل ترتقي لتصير «كرامة الأمّة جمعاء»، بل خلاصتها و«زبدتها»...
من ذلك يكون علينا ليس فقط أن نتبنّى هذه الكرامة ونستبطنها وتنادي بها ونجاهد من أجهلها ونستشهد في سبيلها، بل يكون من شروط «الانتماء/الولاء» أن ينقلب مجرّد السؤال أو التساؤل بخصوص «شرعيّة هذه المعركة» إلى دليل بيّن وعلامة فارقة على خيانة موصوفة وخروج عن «الإجماع» ومن ثمّة تكون قطيعة مع «الجماعة/الملّة»، تستوجب بطبيعة الحال الإقصاء والتصفية، إن لم نقل الإفناء...
نظر إلينا هذا «السيّد» ـ ولا يزال ـ في صورة الرعاع الذين لا رأي ولا موقف ولا قدرة لهم على الرؤية والتحليل ومن ثمّة، نكون ـ بحسب ذات الرؤية ـ في عجز كامل عن التمحور خارج دائرة إسقاطه، ليسقط علينا نظرة «أبويّة» تجعل ـ بحكم هذه «القرابة الدمويّة» ـ جميع خصوماته حروبا مقدّسة لدينا، وبالتالي يُلزمنا «شرف الوجود» أن نبذل كلّ ما نملك من أجل تحقيق «الغلبة»، حيث «لا يسلم شرفه الرفيع من الأذى سوى حين نريق دماءنا على جوانبه...»...
مكّنت هذه المعارك، سواء منها المفتعلة والكلاميّة أو الفعليّة والقائمة، من جعل السواد الأعظم من هذه «الرعيّة»، بين خيارين لا يمكن بأيّ حال أن نزجّ ضمنهما أو بينهما أيّ من الخيارات الأخرى، حيث علينا أن تصطفّ خلف «السيّد» ونكون كمثل ظلّه أو نحن الظلّ ذاته، من جهة، أو نخرج ضدّه ونصير إلى علاقة نفي منه، سواء فضلنا إبقاء «هذا الصراع» [كمثل ما هو بين نملة وفيل] ضمن دائرة «وطنيّة»، أو وعينا بخطورة الاصطفاف وراء هذا «أجنبي» و«الاستقواء» به... مهما سعينا وبذلنا من جهد لإيجاد المسوّغات الشرعيّة والإسقاطات الأيديولوجيّة لهذا «الارتماء»!!!!
جعل «السادة» ـ جميعهم لا فرق ولا تمييز ـ من «حروب دون كيشوت» أساس الفعل السياسي ومن ثمّة المسوّغ الأوّل للوجود، لكنّ العقيد معمّر القذّافي تميّز وارتفع في هذا الشأن مكانة، استطاع أن ينالها عن حقّ وشرعيّة، ليرتقي إلى مرتبة «المبدع» الذي يملك من المؤهلات وكذلك من القدرات، إن لم نقل من «الشجاعة» [أيّ شجاعة هذه !!!!]، ما جعله يلج من خلال كلّ حرب من حروبه مفازة جديدة، علينا أن نوليها ما تستوجب من الاهتمام، ليس فقط بفعل ما يملك هذا «السيّد القائد» من طاقة ابتكار وقدرة على «الإدهاش»، بل لأنّها تخرج بجدليّة الفعل السياسي ـ سواء من حيث الإجراء أو المنهج ـ خارج المجال السياسي «التقليدي»، لينقلب ـ عن حق وأحقيّة ـ إلى مادّة دراسيّة «متميّزة»....
طلع عليها «الأخ قائد الثورة»، وهو في رواية أخرى ولمن أراد «ملك ملوك إفريقيا»، بنداء «الجهاد» ضدّ سويسرا هذه، التي لا نعلم لها مستعمرات سابقة أو إرثا في تقتيل العرب أو إفناء المسلمين!!! لنسأل ـ ضمن ما يستوجبه منهج الاستقراء العلمي، لا غير ـ عن الأسباب التي دعت هذا «المؤتمن على الوحدة العربيّة» إلى إطلاق مثل هذه الدعوة في مثل هذا التوقيت، حين نقرّ جميعًا ونعترف، أنّ السياسة ـ أو هي الممارسة السياسيّة ـ لا تعترف ـ على مستوى القراءة على الأقلّ ـ بمبدأ العفويّة أو الحركة غير المستندة إلى فكر [مهما كان] والمرتكزة إلى مرجعيّة [مهما كانت]!!!
علّل العقيد هذه الدعوة إلى الجهاد بإقدام سويسرا على «هدم المآذن»، وأبلغنا من ذلك بحرمة التعامل مع هذا البلد وأهله، بأيّ صفة كانت وطلب بأنّ يبلغ الحاضر الغائب، لتنتفي ـ شرعًا ـ تعلّة الجهل بهذه الفتوى «الملزمة»!!!
الراجع إلى الماضي والعائد إلى التاريخ، يلاحظ ـ دون ضرورة الغوص في عمق هذا وغياهب ذاك ـ أنّ جرم بلد «الجبن الطري والبنوك المتخمة»، وإن سلّمنا بالسند الشرعي لهذه الفتوى، لا يرتقي إلى جرائم ارتكبتها دول أخرى يستقبل العقيد قادتها ويبالغ في إكرامهم في تناس لهذا الماضي وقفز فوق الدماء التي أسالوها، ومن ثمّة يجوز لنا ـ دائما ضمن ما يستوجبه منهج الاستقراء العلمي ـ أن نسأل عن دواعي عمى الألوان التاريخي هذا، ومن ثمّة الأسباب التي دعت هذا «المفتي» إلى القفز فوق التاريخ و«مرجعيّة» هذه الانتقائيّة؟؟؟
كذلك نسأل عن الأسباب التي دعت إلى هذا الصمت الطويل، حين نعلم أنّ فترة زمنيّة غير قصيرة تفصلنا عن ذلك الاستفتاء الذي حرّم بناء المآذن، وليس «هدمها» [كما أعلن ذلك العقيد معمّر القذّافي]؟؟؟
دون السقوط ضمن نظريّات التأويل التي قد تزوغ عن الحقّ أو القراءات التي قد تحيد بنا عن الحقيقة، ودائمًا ضمن ما يستوجبه منهج الاستقراء العلمي، نسأل عن علاقة هذا «البراء» ممّا تعرّض له نجل العقيد في سويسرا، حين رأت السلطات هناك أنّ هذا «الولد» قد أساء معاملة بعض من معه من «الخدم والحشم»؟؟؟؟
يكون من حقّنا إذًا وحين نعلم أنّ سقف «الثورة» تجاه الغرب قد صار في ليبيا إلى انخفاض دائم وانحدار متواصل، الجزم بأنّ هذا الجهاد لا علاقة له بالإسلام ولا يأتي دفاعًا عن المسلمين، بل ـ وهنا تكمن الطامّة العامّة ـ في أنّه مجرّد رد لكرامة هذا النجل المهدورة، حين لم تحفظ ـ والعياذ بالله ـ بلاد «الجبن الطريّ والبنوك العامرة» لذريّة القائد مقامًا ولم تر لهم حقّ تجاوز القوانين والقفز فوق التشريعات...
شيّد الإقطاع ولا يزال منظومة وجوده على تلك القدرة الغريبة على اللعب بالذاكرة والتلاعب بالعاطفة والعزف على وتر الانتماء، ليعيد على الدوام، وخصوصًا عند الأزمات التي تعترضه، وضع الرعاع بين خيارين لا ثالث لهما... إمّا الانجرار وراء هذا «القائد»، الذين بدونه لا نكون، من ناحية، أو ـ لا قدّر الله ـ الخروج عن «إجماع» ينزع عن «الفرد» حقّه في الوجود...
من الأكيد والذي لا يقبل الجدل، عجز العقيد، سواء الشخص أو الدولة أو المنظومة أو الفكر [حين تداخلت هذه الأبعاد جميعها] عن الوقوف بنديّة في وجه سويسرا هذه، فهو قد عمد منذ انقلب على سابقه، وارتقى سدّة الحكم إلى إحلال الكلام الفضفاض والخطاب الأجوف والقول المجاني بدل التأسيس المتواصل والفعل الدائم والمراكمة الفعليّة، ليستطيع بذلك عند كلّ «انقلاب» على ذاته الانتقال من حال إلى «نقيضه» أحيانًا، دون الحاجة الفعليّة إلى تشريع هذه القفزات البهلوانيّة، حيث يحتفظ دون غيره حصرًا بحقّ «تفتيت الزمن» و«محو الماضي » ومن ثمّة «صياغة الحاضر» و«الإعداد للمستقبل»، ليكون هو «العقل والفكر والعقيدة» وننحدر ـ نحن العامّة ـ إلى دور التابع والمولى والعبد!!!!
يحتاج العقيد ـ كحال كلّ إقطاعي يحترم أصول الممارسة ـ إلى من «يفسّر» هذه الفتاوى، ويجد لها أسسَا وطنيّة وإسقاطات تاريخيّة وشرعيّة دينيّة، بل يتبارى المتبارون في رفع مقام هذا «السيّد»، لتكون مسرحيّة «ملك ملوك إفريقيا»، التي لا تبغي ولا تريد وليس من دور لها أو وظيفة سوى إرضاء رغبة هذا السيّد ودغدغة نرجسيّة لا تتوقّف عن طلب المزيد....
سوى أن يعلن على الملأ أنّه صار «ملك ملوك إفريقيا وسويسرا»!!! حينها قد ـ ونقول قد ـ تصير القوّات الجويّة الليبيّة إلى رجم دولة سويسرا الكافرة بملايين الأطنان من «الكتاب الأخضر»، شريطة أن يكون في خضرة حقول سويسرا النضرة... ربّما!!!!
3 مارس 2010
|