واحد وأربعون عـاما... وقـفة للتـفكر  

بقلم عاشور الشامس

 

 

هل من تلافي للأخطاء السابقة... أم موعد مع القدر لا مفر منه ؟!

اعود بالقارىء الكريم 41 سنة الى الوراء الى اغسطس 1969. لنتصور معا المشهد. ليبيا دولة غضة عمرها 18 سنة تتنازعها أربعة اقطاب رئيسية، وكان الوضع السياسي قائما عليها بشكل أساسي وهي: الملك ـ والنفط ـ والدولة ـ والقواعد الأجنبية .

كانت هذه العوامل الاربعه تتنازع الدولة الليبية، بمعني المجتمع الليبي والكينونة الوطنية، وتؤثر في حياة الفرد الليبي بشكل مباشر. وكانت تؤثر في توجهات الحكومة وتحالفاتها وسياستها، التي غالبا ما كانت سياسات وطنية مسالمة... وإن اعتبرها البعض سلبية تجاه الخارج. همها الأساسي الحفاظ على الوحدة الوطنية وسلامة الليبيين وأراضيهم. حرمات المواطن الليبي مصونة بحكم الدستور وكذلك حريته مكفولة في حدود القانون والدستور.

كانت ليبيا في تلك الفترة بصدد الدخول في طفرة النفط ومرحلة جديدة غير مسبوقة من التنمية، سعيا نحو استقلال اقتصادي بعد أن كان اقتصادها قائما على القواعد الاجنبية وشيء من الموارد الزراعية المحدودة.

الملك ادريس السنوسي كان قوة قائمة بذاته. يملك ولا يحكم، في دولة وراثية يحكمها دستور وبرلمان وحكومة. شرعية الملك مصونة ويؤيدها الدستور وهو غير مسؤول. تحيط به حاشية خاصة لا علاقة لها بالشعب، تقودها أسرة الشلحي وتعتبر نفسها مستقلة عن الحكومة، تستمد شرعيتها وسبب وجودها من الملك نفسه الذي تحيط به كما يحيط السِوَار بالمِعصم.

في مايو 1969 سافر الملك بحرا في رحلة طويلة خارج ليبيا. ولا مجال للشك اليوم، بعد تأكيد ممن عاصروا تلك الأيام وممن كتبوا عنها، أنها كانت الرحلة الأخيرة.

ونظرا لزهده في الحكم والسلطة كان الملك ادريس منذ توليه العرش يبدو قلقا في هذا المنصب ويزاول مهامه على استحياء. وكان في خضم الازمات التي عصفت بالعالم العربي آنذاك يأخذ الموقف السلبي، وينوه بالتنحي او الانسحاب مرارا. وقد أقدم على ذلك فعلا عدة مرات أشهرها كانت في مارس 1964 ثم تراجع عنها قائلا كلمته المشهورة "وها قد سحبناها". وكانت حكوماته ضعيفة في أغلبها، رابطها الرئيسي الوحيد هو شخصية الملك وهيبته وحرص رؤسائها وأعضائها علي إرضائه وتنفيذ تعليماته.

وفي عام 1969 يبدو انه قد قرر الانسحاب بالكامل من الساحة وتسليم الأمر والبلاد لأهلها. والاخطر من ذلك أنه كان رافضا للتوريث، ومعارضا بشده لاستمرار الحكم في أحد من العائلة السنوسية... ليس فحسب لأنه لا ولد له ولكن لأن الوريث الوحيد من العائلة السنوسية لم يكن في رأي الملك نفسه أهلا للتوريث. ولكن الليبيين أيضا على ما يبدو لم يكونوا مستعدين لاستلام الأمانة وتحمل المسؤولية.

اما القواعد الأجنبية فقد كان الملك ادريس على خلاف مع الحكومة حولها. وكلما نوهت الحكومات بالغاء المعاهدات وإجلاء القوات الأجنبية، كلما لجأ الملك الى التهديد بالتنازل على العرش. فقد كان مصرا على بقائها لأطول فترة ممكنة (او الى موعد انتهائها) دون إبداء اسباب مقنعة للحكومة أو لمجلس الأمة الذين بأيديهما القرار. فالضغوط الخارجية (من مصر عبدالناصر بدرجة أولى) كان لها أثر على العديد من الوزراء وأعضاء البرلمان، وعلى قطاع الطلاب والمثقفين، ودفعت بهم الى المطالبة بالغاء الاتفاقيات وإجلاء القوات الأجنبية.

فالمعاهدة البريطانية، كما يقول السيد بشير السني المنتصر في مذكراته، "هي تحالف تاريخي بينه (الملك) وبين بريطانيا قبل أن تكون بين ليبيا وبريطانيا"! فكان يسمح بالمحادثات مع بريطانيا حول إلغاء المعاهدة ولكن مع الاستمرار على ابقاء "التحالف الليبي-البريطاني"!!

كانت القواعد الاجنبية هي الفتيل في علاقة الملك والحكومة من جهة ومن عُرفوا بـ "نواب المعارضة" في البرلمان وبعض فئات الشعب (الطلاب والعمال) من جهة أخرى. وكانت السبب المباشر للمظاهرات التي يقودها الطلبة والعمال بين الفنية والأخرى منذ أوائل الستينيات. وكان الملك كثيرا ما يضع الحكومات أمام الأمر الواقع في موقف لا خيار لهم فيه... إما استمرار في المعاهدات أو تنازله على العرش.

اما العامل الرابع وهو الدولة، ونعني بها جميع المؤسسات التشريعية والتنفيذية وما تابعها التي كانت آنذاك تسير أوضاع البلاد، والروابط والاتحادات، كالعمال والطلبة، والمؤسسات الاجتماعية والأهلية المحدودة بما فيها القبيلة. كانت الحكومة قد أصابها الوهن والترهل. والبرلمان طغي عليه عامل الشيخوخة وفقد هيبته لدي عامة الناس، وتضاءل تأثيره في شئون الدولة. وتحولت هذه المؤسسات، التي يفترض فيها أن تكون المحرك لبقية فئات الشعب ونخبه، الى طاحونة ضخمة متكلسة يُسمع لها جعجة ولا ترى لها طحينا. باختصار، كانت البلد متعطشة لقيادات سياسية وثقافية واجتماعية فعالة، وأصبحت مع أواخر الستينيات في حاجة لهزة عنيفة توقضها من وضعها الذي آلت اليه.

ونظرا لمستوى نضوج الحياة السياسية المتواضع وقصور التجربة الديمقراطية ـ إن صح التعبير ـ لم يكن هناك ـ سياسيا ـ ما يربط بين أعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان والنخب السياسية والثقافية المختلفة من أفكار أو برامج أو مشاريع سياسية يعملون من أجلها، تدفع بهم الى الأمام، وتحرفزهم الى التطلع الى الأحسن والأفضل في مختلف المجالات.

فإلغاء الأحزاب السياسية، ووجود الرقابة المشددة على الإعلام وحرية التجمع، والتقييدات التي كانت تكدر حرية الرأي والتعبير... لم يساعد في خلق رأي عام مؤثر أو قواعد شعبية فاعلة. فالبرغم من الحرية النسبية، ورغم وجود صحف مملوكة ملكية شخصية، كان بعضها (الرائد ـ الميدان ـ الحقيقة ـ البلاغ... إلخ) يصدر طبعات بصفحات خالية من الكتابة لحجب الرقيب للمقالات والتقارير الصحفية. هذا لا يعني عدم بروز شخصيات ثقافية وعلمية وإعلامية وسياسية كذلك، غير أن الوضع العام في البلاد لم يكن في صالحها لتبرز ويكون لها حضورها السياسي والاجتماعي... وهكذا بدأ النظام الملكي يحصد ما زرعت يداه بزوال ملكه.

ان تردد الملك إدريس في اتخاذ القرارات الحاسمة (التنحي أو لا تنحي، النظام الملكي او الجمهوري، التوريت او لا توريث، تعديل الدستور او لا تعديل... الخ) وتذبذبه، أدي الى عزلته والى غموض كبير غلف الكثير من آرائه ورغباته وكل ما يجري حوله. كما أدي إلي تكلس معيب في الحكومة والدولة والنظام الملكي بشكل عام.

ويبقى السؤال الآن هو: هل يستفيد العهد الحالي، بعد واحد وأربعين عاما، من تجربة سابقه؟ فلا يكرر أخطاء العهد الملكي ويعمل على تجنيب الليبيين المزيد من المحن والنكسات والتخبط السياسي والاندحار الاجتماعي. ولعل أهم الدروس هو أنه إذا ما حانت الساعة الحاسمة فقد يجد النظام أن حلفاءه ومؤيديه والمتعاطفين معه لن يكونوا قادرين على حمايته، ولن يجدوا وسيلة لإنقاذه... وسيتركونه يصارع القدر وحده.

أخبار ليبيا ـ 31 أغسطس 2010

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment



Refresh

للإتصال بنا: [email protected]

أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة

أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي

القائمة الكاملة بعد التحرير 

الإعلان الدستوري

المجلس الوطني الإنتقالي

سقط المكابر 

رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي

للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر

بطـاقة إلى مصراتة

شعر الدكتورة فوزية بريون

صفحة المجلة والملفات

 

 

 جديد المنتدى الليبي

العدد السابع

العدد السادس

أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة"  

العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص

**

قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة 

**

محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا"

( 1) (2 )  (3)

رمــال متـحـركة

  تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي

ورقة الدكتور عبد المجيد النجار
ورقة الدكتور محمد بشاري

من ندوات المنتدى


ندوة المواطنة والديمقراطية

ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

النسخة العربية      النسخة الإنجليزية

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

من إصدارات أخبار ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا