شخصنة الوطن .. وإلغاء الآخر ! حول معايير النزاهة والوطنية
فتح الله ساسي
على ضؤ قرار ” المجلس الوطني الانتقالي المؤقت ” في الخامس عشر من نوفمبر 2011 بتبني تصور حول معايير النزاهة والوطنية لضبط تولي المناصب العامة ، الذي قدمه الدكتور ” لامين بالحاج ” بمنع تسرّب أزلام النظام السابق لتولي المناصب الإدارية والقيادية .. والقرار تضمن ثمانية عشر نقطة شملت ثمانية عشر شريحة أو فئة .. القرار نشر على شبكة المعلومات الدولية يوم 18 ديسمبر كانون الأول 2011.. ولكن ليس هذا المهم ! المهم هو المبدأ الذي أعلن ويكاد يكون قد أجمع عليه كل الليبيين حول تبرئة من كان يعمل في حكومة النظام المنهار أو في مؤسساته وهو : ( ألاّ تكون يديه مُلطخة بدماء الليبيين أو تورّط في فساد ونهب المال العام ) وكان مبدأً رائعاً تجسّدت فيه روح العدالة .. ولكننا نفاجأ بتصوّر وبهيئة عُليا ذكرتنا بهيئة اجتثاث أعضاء حزب البعث في العراق ! في وقت ترفع فيه شعارات المصالحة الوطنية والحفاظ على اللحّمة الوطنية وجبر الضرّر إلى غير ذلك من الشعارات .
والسؤال هل من حق ” المجلس الوطني الانتقالي المؤقت ” أن يضع تصوراً حول معايير النزاهة والوطنية لتولي المناصب العامة وفق هذه الرؤية الارتيابية ! بأن يُقصي شرائح كثيرة من المجتمع الليبي وتخوينها وطنياً ويضعها في دائرة الاتهام من مُنطلق الريّبة والتخوّف بما يخلق شقاقاً وتفرقة في المجتمع ؟! ..
القضية ليست الرغبة في تقلد المناصب وإنما ذكر هذه الفئات والشرائح على الملأ هو في حدّ ذاته إقصاءٌ لها وتشهيرٌ بها والطعن في وطنيتها ووضعها في دائرة الاتهام .. مع أن من بين أعضاء ” المجلس الوطني الانتقالي المؤقت ” من كان وزيراً في حكومة النظام المنهار ومنهم من كانوا ضباطاً أحرارا في الجيش وهناك موظفون و سفراء وقناصل ودبلوماسيون عملوا مع النظام وتم تكليف البعض وتثبيت البعض الأخر في وظائفهم في الداخل والخارج ولم تبدر عنهم أية مواقف معادية أو مريبة بل كانوا خير سند لثورة 17 فبراير في أحلك الظروف !.
إن هذا القرار بهذه الكيفية لايحل أزمة الشارع ويمتصّ غضب المتظاهرين والمعتصمين وإنما يزيد المشكلة تعقيداً .. من الثمانية عشر نقطة قد يكون المجلس محقاً في ستة نقاط منها فقط يكون الإبعاد فيها عن شغل الوظائف الإدارية أو المناصب مقبولا .. هذه الفقرات الستة تبدأ من الفقرة السابعة حتى الفقرة الثانية عشر وسنوردها زيادةً في الإيضاح :
-7ألاً يكون قد وقف ضد ثورة 17 فبراير بالتحريض أو المشاركة بالمال أو بغيره .
8- ألاً يكون قد اتهم أو حكم في اى جريمة إهدار أو سرقة للمال العام .
9- إلاً يكون قد شارك في سجن أو تعذيب المواطنين خلال فترة الحكم السابق . 10
10- آلاً يكون قد قام بأية أعمال ضد معارضين ليبيين بالخارج .
11- ألاً يكون ممن قاموا بعمليات الاستيلاء على ممتلكات الناس فترة الحكم السابق أوبعدها
12- كل الفاسدين الذين ولغوا في أموال الشعب الليبي واثروا على حسابه وكونوا ثروات وأرصدة في الداخل والخارج .
أما الاشتراطات الاثنى عشر الأخرى والتي لايوجد أدلة تثبت تورّط هؤلاء المقصيّين في جرائم يُعاقب عليها القانون فانه لامبرر لوجودها على الإطلاق ؛ تأسيساً على انه : ” لاجريمة ولا عقوبة إلا بنص ” ولا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل فعل لم يكن القانون قد نصّ عليه صراحة حين اقترافه ،، بمعنى انه : ” لايجوز إدانة اى شخص بسبب ارتكابه أوالامتناع عن فعل لم يكن يعتبر وقت وقوع الفعل أو الامتناع جريمة في القانون” سواء في القانون الوطني أوالدولي،، ولا أظن أن التكليف بالقيام بمهام مشروعة أو تقلد مناصب وظيفية إبان نظام ” القذافي” المنهار كان جريمة يُعاقب عليها القانون ! وبالتالي لا اللجنة العليا ولا حتى ” المجلس الوطني الانتقالي المؤقت ” يملك أياً منهما أن ينشىء جريمة عن فعل لم يرد نص قانوني بتجريمه .. ويتعارض هذا الإجراء مع ” الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ” حيث
جاء في مادته الأولى : ( يُولد جميع الناس أحرار متساوين في الكرامة والحقوق ..)
وجاء في مادته الثانية : ( لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون اى تمييز .. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك اى تمييز أساسه الوضع السياسي .. ) !
وجاء في المادة 21 الفقرة ثانيا : ( لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد ) .. لذلك فان المساواة في الحقوق هو أساس الحرية والعدل ، والإنسان هو الرقم الأهم في معادلة الوجود والسمة الأساسية للإنسان هي إنسانيته ! ..
وبالتالي فانه لامبررعلى الإطلاق أن ترد هذه الفئات الاثنا عشر في هذا التصّور الجائر الذي تجاوز القانون الوطني وتجاهل الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وتجاوز منطق الحرية والعدالة وتجاوز إنسانية الإنسان .. هذا التصّور شكل عقوبة صارمة لهذه الفئات تجاوزت الجانب المهني أو الوظيفي وتعدته إلى الجانب الأخلاقي والاجتماعي ! وما يترتب عنهما من ضرر مادي ومعنوي يلحق بالمقصيّين وأسرهم !.
وبما أن النظام المنهار استطاع أن يُوّرط اكبر عدد من الليبيين في مؤسساته وفي نظام حكمه ، إلا أن غالبية هذه المهام تم تقلدها بالاختيار الشعبي ولفترة وجيزة ، وهناك من لم يجعله النظام ُيكمل مُدته القانونية .. والسؤال : من الذي لم يعمل مع النظام ؟! ( في اللجان الشعبية وفي المؤتمرات الشعبية وفي النقابات والروابط المهنية وفي الشركات وفي اللجان الثورية وفي الاتحادات الطلابية وفي الروابط الشبابية وفي المكاتب الشعبية .. ) إلى غير ذلك !
من في المجلس الوطني الانتقالي المؤقت أو في المجالس المحلية لم يعمل مع النظام ؟! .
ليس كل من عمل في نظام ” القذافي” هو سارق وخائن لشعبه ! ثم من قال أن هؤلاء الذين استهدفهم هذا التصور كانوا جميعا موالين للنظام ؟ أليس عدم خروجهم للشارع ولو بشكل سلمي دليل على عدم تأييدهم للنظام ومناصرتهم له ؟! بل كان كثير منهم وسط التظاهرات وداخل ساحات الاعتصام وفي القوافل والجمعيات الخيرية وفي لجان الأزمات .. إن تخوين كل هذه الشرائح والفئات سيخلق تصدعاً في بنية المجتمع ! ليس كل هؤلاء المقصيّين بالسوء الذي تتصورُونه أو تخافونه !! لقد نسيتم أو تناسيتم أن كثيراً من هؤلاء انشقوا عن النظام المنهار منذ سنوات عندما تكشفّت لهم حقيقة فساده وطغيانه ولم ينشقوا في فبراير أو في مارس 2011 ونسيتم أن لهؤلاء أبناء وإخوة لهم من الثوار قاتلوا في جبهات القتال فمنهم من أستشهد ومنهم من ُفقد ومنهم من جُرح ! ولم يبدرعن أى من هؤلاء موقفاً معادياً من ثورة 17 فبراير! .. إن الوطن للكل ويستوعب الكل ولهذا قاتل من أجله الكل . ويُجرّم الوطن وثوابته : الإقصاء والتهميش والتخوّين والإبعاد ، ولا يزرع بذور الكراهية بين أبنائه من خلال سياسات خائبة أفرزت لغة اقصائية تخوينية ُتلغي الآخر وهو – المواطن – ورأيه وتحجب عنه حق المشاركة في بناء وطنه وتزرع بذور الشك والرّيبة .. وبدلاً أن نسير ُقدماً بخطى ثابتة و حثيثة إلى الأمام نحو المستقبل عُدنا ننظر خلفنا ! ننظر في الماضي البغيض الذي فُرض فرضاً على الليبيين ! كم تمنينا أن تكون هذه الهيئة العليا مهمتها محاربة الفساد وتعرّية رموزه ماضياً وحاضراً واسترداد الأموال المنهوبة ، في هذه الحالة ستكون الملاحقة للفاسدين الذين تورّطوا في الفساد ونهبوا المال العام ! .. لا أن تضع تصورا ينطلق من رؤية ارتيابية تعتمد على الشك وتخوين الآخر ! .. للأسف هي نفس الرؤية الأمنية الارتيابة التي انتهجها نظام ” القذافي” المنهار وأجهزته القمعية ، وهي رؤية ضحلة تنم عن العجز والريّبة وتسببّت في خلق حالة من التوتر في الوسط الشعبي وكانت سبباً من الأسباب التي قصمت ظهر النظام ! .. وهو ما انتقده المستشار ” مصطفى عبد الجليل ” عندما كان أمينا للعدل في لقائه مع منظمة ( هيومن رايتس ووتش ) في طرابلس في 12 ديسمبر كانون الأول2009 بمناسبة إصدار تقرير – عن أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا – واستمرار حجز جهاز الأمن الداخلي لأناس برأتهم المحاكم وانقضاء عقوبات محكومياتهم ، وهو حجز ناتج في الأساس عن ” رؤية أمنية ارتيابية ” (!!) لا أكثر.. وهو ماجعل السيدة ” سارة ليا ريتسن ” المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في – هيومن رايتس ووتش – أن تُصرّح : ( إن قوات الأمن تحاول بالأساس فرض رُؤيتها وُحكمها الخاص على المحاكم الليبية .. ) !.
ليس من المنطق إن ُتغلّب الرؤية الأمنية الارتيابية على القانون ! وهو ما ُيحاول أن يجرنا إليه هذا التصور القاصر، إن الاحتكام إلى منطق القانون هوالذى ُيبعدنا عن المزاج وعن الهوى وعن الارتياب خصوصاً في مجتمع لازال يرزح تحت وطأة التخلف !. ولكن مادامت هذه الشرائح أو الفئات التي تم إقصاؤها بسبب عملها مع النظام الذي استطاع بخبثه ودهائه أن ُيورّط الجميع ، رأت فيه هذه الشرائح أو الفئات إساءة بالغة لها وأشعرها أنها مستهدفة .. فانه في هذه الحالة من حقها أن تحمي نفسها وحقها في المواطنة بان يكون لها كيانها السياسي الديمقراطي بان ؛ ُتشكل حزبها السياسي الديمقراطي المعارض ! ، أليس هذا ماتقول به الدولة المدنية الديمقراطية دولة الدستور والقانون دولة التعددية الحزبية حتى يشعر المواطن بأنه شريك في الوطن لا مُبعداً عنه ولا مُستعبداً فيه ! أليست هذه الديمقراطية التي ُتنادون بها وترفعون شعاراتها وصدّعتم رؤوسنا بها ؟!.. أين نداءاتكم وشعاراتكم حول المصالحة واللحمة الوطنية وجبر الضرّر ؟! أم أنها للقول لا للفعل ، شعارات لا قرارات ، خيال لاواقع ! .. الوطن ليس لكم وحدكم أيها السادة ! وإنما الوطن للجميع والشعب الليبي شعب واحد يربطه الهم الواحد والمصير الواحد والمستقبل الواحد .. وقد أثبتت التجربة ذلك !!.
المنارة
![]()
|
للإتصال بنا: [email protected] |
أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة
أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي
الإعلان الدستوري
سقط المكابر
رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي
للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر
بطـاقة إلى مصراتة
|
أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة" |
|
العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص ** قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة ** محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا" ( 1) (2 ) (3) |
|
رمــال متـحـركة تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي |


![]() |
| ورقة الدكتور عبد المجيد النجار |
| ورقة الدكتور محمد بشاري |

النسخة العربية النسخة الإنجليزية
من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع



خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

من إصدارات أخبار ليبيا


شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |