في ذكري معارك المنشية... وشهد شاهد من أهلها
بقلم علي الصادق الحسنين
في مثل هذه الأيام قبل تسعة وتسعين حولا ظلت منشية طرابلس ساحة لمعارك طاحنة بين القوات الايطالية المعتدية والأهالي وذلك في مستهل الحملة التي جردتها ايطاليا لاحتلال ليبيا. إنها كانت مغامرة خطيرة تحمس لها القوميون وعارضها الاشتراكيون بمن فيهم بينيتو موسّوليني الذي صدر عليه حكم بالحبس جراء اشتراكه في مظاهرة احتجاجية صاخبة جرى تنظيمها بمدينة فورلي (Forlì)
ومن غلاة الاشتراكيين الآخريين كان المدعو باولو فاليرا صاحب الجريدة الدورية "لافولاّ" (الجماهير) التي كانت تصدر في مدينة ميلانو. وكان هذا الرجل من أشد منتقدي رئيس الحكومة جوفانّي جوليتّي لإقدامه على اشعال فتيل الحرب الإيطالية العثمانية على الأرض الليبية. إن هذا السياسي المخضرم قد أثم – في نظر فاليرا- إثمًا كبيرًا لا سيما حين تساهل في الإنعام بشتى الأوسمة على مقترفي مذابح شارع الشط والهاني وسيدي المصري وبومليانة، كما تواطأ لترقيتهم وإدراج أسمائهم في سجل الشرف بدلا من إدانتهم والأمر بتعليقهم بالمشانق مثلما شنق في سوق الخبزة وقتئذ أولئك الأربعة عشر عربيا الذين اتهموا – ظلمًا وعدوانًا – بالتآمر والعصيان بيد أنهم كانوا في الحقيقة عن حياض وطنهم يدافعون. -
هذا وسأحاول أن أوجز فيما يلي بعض ما كتبه فاليرا في الملحق الرابع عشر لدوريته المذكورة من حقائق تعتبر شهادات دامغة على شناعة ما اجترحه بنو جلدته من فظائع في حق شعبنا الأبي.
"إن الأمر باقتراف مجزرة طرابلس قد أصدره الفريق كارلو كانيفا إذ ضمنه وثيقة رسمية تسنى الاطلاع عليها للجميع باستثناء سكان المدينة والواحة فكان ذلك الأمر بمثابة الحافز لانطلاق جنوده المسعورين الذين تملكهم الذعر وجن جنونهم وعميت بصائرهم حتى أنهم صاروا يتراشقون – فيما بينهم – بالرصاص.إن كل هذه التصرفات جاءت في أعقاب ما جرى في اليوم الثالث والعشرين من شهر أكتوبر من أحداث مروعة وهزائم نكراء نالها جنود ايطاليا على أيدي المناضلين العرب الليبيين. وكان من البديهي أن يصاب المعتدون بشيء من الهذيان والهيجان وان ينقضوا ويقضوا – بلا هواده – على أي شخص من المتأزرين "بالجرود"، الأمر الذي أدى إلى وقوع مذابح دامية تواصلت حتى اليوم السابع والعشرين من الشهر المشار إليه آنفا.أجل، إن المتسبب في هذه المآسي كان كانيفا الذي نفخ في عساكره روح الحقد والانتقام وجردهم من مشاعر الإنسانية.
إنهم أخذوا يتصرفون بوحشية منذ ليلة الثالث والعشرين حيث اعترى جنود المواقع الأمامية قلق شديد من جراء صرخات "من أنت ؟ تقدم!" ودويّ الطلقات النارية المتقطعة. وقد أفضى كل ذلك الى تجرد أصحاب مقولة "طرابلس ايطالية" من الشجاعة والإقدام وافتقادهم للغة الكلام. هذا وممّا زاد شدة الخوف الذي كان يخيم على المدينة ظهور "البرَاحة" (المنادين الرسميين) الذين كانوا يجوبون الشوارع والأزقة – مصحوبين بضابط وجنديين – ويتوقفون كل عشر دقائق ليقولوا بلهجتهم العربية: "من لا يسلّم على الفور كل ما بحوزته من سلاح وذخيرة كان الإعدام مصيرة". كما كانوا يطالبون الأهالي بأن يلازموا بيوتهم من قبل غروب الشمس وألاّ يغادروها إلاّ بعد طلوعها وبأن يجيبوا في الحال على نداءات "من أنت؟ تقدم!" وإلاّ تعرضوا للرمي بالرصاص. وفي تلك الظروف كانت الإضاءة محظورة مع وجوب غلق جميع النوافذ بحيث كانت المدينة ساكنة موحشة كأنها مقبرة.
ومن ناحية أخرى شهد يوما السادس والعشرين والسابع والعشرين حوادث لايصدقها العقل. لقد اندلعت حرائق هنا وهناك نتيجه لإضرام الجنود النار في أكوام هائلة من الحطب والتبن والأثاث العائدة للأهالي الذين هدمت مساكنهم. وإن السكون الرهيب الجاثم على المدينة المنكوبة كانت تتخلله بين الفينة والأخرى طلقة من بندقية أو من مسدس. وكان يتخيل الجنود أن البساتين المكتظة بأشجار النخيل آهلة بأشباح سود يلاحق بعضها بعضا تارة وتختفي عن الأنظار تارة أخرى، إذ كانوا يتوجسون أن أعداءهم مختبئون بين فروع الأشجار وبين أغصانها أيضا.أما الأعمال الفظيعة والجرائم الشنيعة التي ارتكبها هؤلاء الجند فقد أنكرها الجميع ابتداء من قائد الحملة الفريق كانيفا إلى سائر المسئولين والصحافيين الايطاليين أولى النزعة القومية، علمًا بأن السواد الأعظم من أبناء الأمة الإيطالية لم يستطيعوا تصديق أن جنودهم قد تحولوا إلى وحوش ضارية.
أجل، إن ما تم سرده من وقائع ليس عدا مُلخصًا لما جرى على مرأى ومسمع من المراسلين الأجانب أيضا الذين جاءت رواياتهم متشابهة أحيانا ومتطابقة أحيانا أخرى فكانوا شهودًا محايدين على تلك الحملة الانتقامية التي أدت إلى إبادة نحو أربعة آلاف رجل وأربعمائة امرأة خلاف عدد كبير من الأطفال. بيد أن عدد المقاومين الفعليين من الأهالي العرب كان مائة رجل أبيدوا عن بكرة أبيهم ضمن ذلك الجمع الهائل من الضحايا.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن قناصل الدول الأجنبية المقيمين في المدينة قد أكدوا حدوث هذه المذابح التي تقشعر منها الأبدان.
كان اليوم السادس والعشرون يوما مشهودًا حيث تمكنت عصبة من المقاومين العرب من اختراق الخط الدفاعي في جبهة بومليانة فقوضوا أركانه، ثم لاذوا بالإعتصام في منزل صغير مجاور وبذلوا مقاومة إلى أن نفذت ذخيرتهم بعد اثنتي عشرة ساعة فرفعوا راية بيضاء إعلانًا عن استسلامهم. ولكن ذلك لم ينجهم من القتل إذ قام الجنود الايطاليون بفتح الباب عنوة واقتحموا المنزل وقضوا عليهم جميعا قضاء مبرمًا.
إن "واحة الموت" كانت في ساعة من الساعات مزروعة بالجثث زرعًا حتى أضحى جوها بعدئذ مخنقًا بسبب النتونة المنبعثة من تلك الجثث المتعفنة. إنه لعمري مظهر من مظاهر المدنية الإيطالية!.
هذا وقد شوهد نحو خمسين جنديا تحت إمرة نقيب قائمين بحراسة حوالي اثنى عشر أسيرًا عربيًا كانوا متجهين إلى كوخ خارب قضوا فيه على أولئك الأسرى بمعدل اثنين في كل مرة بحيث ظل من كانوا ينتظرون الموت واقفين بمواجهة الأثنين اللذين كانا وشيكي السقوط على الأرض جثثين هامدتين.
ومما يثير السخط حقا موقف النقيب المذكور الذي كان إبان تنفيذ عمليات الإعدام منشغلا بالتقاط الصور على سبيل الهواية وقد لوحظ وهو يصور في ذلك الظرف المفجع بلفافة تتدلى من فيه استخفافا بالضحايا.
إنني أترك المجال لأرواح من استشهدوا أو كانوا يستشهدون أن تتولى استمطار اللعنات على الأحياء من أعدائهم والأموات أيضا. فما كان ثمة مجال إلا للسخط والتفوه بألفاظ بذيئة نابية جارحة فاحشة علما بأنها كلها ألفاظ مقرفة بوسع أي إنسان أن يتصور معانيها ويعيها.
إنها كانت في الواقع مآسي قوم لوطنهم أوفياء كان من بينهم الأطفال والنساء والعجائز العزل الأبرياء. أما إحصاء أعدادهم فكثيرًا ما كان يعني به المراسلون الأجانب وذلك خلافا لزملائهم الايطاليين الذين كانوا في غفلة يعمهون وكانوا لايعبأون ما يشهدون وكانوا ينسونة وما كانوا إياه يذكرون.لقد بات واضحًا أن أعداء ايطاليا الحقيقيين هم أولئك الذين يتعمدون إخفاء فظائع كارلو كانيفا في طيات الكتمان ودفن شنائعه في أغوار النسيان. إن ما وقع قد حصل، ومن مات قد ارتحل، والتاريخ يدون ويسجل وينصف ولا يظلم.إن أيام 24 و25 و26 و27 من شهر أكتوبر قد تم تخليدها نقشًا على "البرونز والمرمر العربي" وإن أحداثها لتشكل في حد ذاتها تاريخًا سوف تتناقلة الأجيال المتعاقبة وسوف يذكر الأخلاف بمن قتلهم الايطاليون من الأسلاف".
نقلا عن أخبار ليبيا ـ 23 اكتوبر 2010
![]()
|
للإتصال بنا: [email protected] |
أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة
أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي
الإعلان الدستوري
سقط المكابر
رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي
للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر
بطـاقة إلى مصراتة
|
أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة" |
|
العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص ** قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة ** محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا" ( 1) (2 ) (3) |
|
رمــال متـحـركة تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي |


![]() |
| ورقة الدكتور عبد المجيد النجار |
| ورقة الدكتور محمد بشاري |

النسخة العربية النسخة الإنجليزية
من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع



خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

من إصدارات أخبار ليبيا


شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |